حسابات كردية: مستجدات التحركات التركية في الشمال السوري

تتواصل الاستعدادات التركية لعملية عسكرية محتملة ضد حزب العمال الكردستاني في شمال سوريا، فقد تم استدعاء قادة فصائل المعارضة السورية في مناطق عمليات درع الفرات ونبع السلام وغصن الزيتون إلى أنقرة، ومن المخطط أنه سيتم تنفيذ العملية على خطين رئيسيين بجيش قوامه ٣٥ ألف فردا، وسيتم نشر جنود من ذوى الخبرة من الجيش الوطني السوري في نقاط حساسة في المناطق التي يسيطر عليها حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب، مثل منبح وتل رفعت وتل مر وعين عيسي، وفي المقابل دعا حزب العمال الكردستاني الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لمنع العملية، زعما بأن أنقرة ستستخدم أسلحة كيميائية، وجاء ذلك وفقا لصحيفة Turkiye Gazetesi التركية، كما نال أردوغان مؤخرا تفويض البرلمان التركي لشن عملية عسكرية جديدة في سوريا والعراق لمدة عامين. لذا فإن هذا التحليل سيلقي الضوء على من هم الأكراد، وما هي أزمتهم مع الجانب التركي على وجه الخصوص، وطبيعة التهديدات التي يشكلها كل طرف للآخر، كما سيقدم رؤية لمستقبل الأكراد، وما إذا كان هناك إمكانية لإقامة دولة كردية مستقلة في المستقبل القريب.

واقع الأكراد:

 يشغل الأكراد مساحة تقدر بحوالي نصف كيلومتر مربع موزعة بين أربع دول، هم سوريا وتركيا والعراق وإيران، ونظرا لطبيعة المنطقة الجغرافية الجبلية التي يقطنها الأتراك والتي لا تطل على البحر حافظ الأكراد على لغتهم وقوميتهم الخاصة، كما يعيش الأكراد أيضا في لبنان وأذربيجان وأرمينيا وألمانيا.

وهناك عداوة أزلية تجمع الأكراد وتركيا، حيث تمثل الأخيرة عقبة كبيرة في طريق تحقيق الحلم الكردي بتأسيس دولة مستقلة، والذي كان يوشك على التحقق بعد سقوط الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وتوقيع معاهدة سيفر 1920 التي نصت على حق الأكراد في تقرير مصيرهم وتشكيل دولتهم الخاصة في شرق الأناضول والموصل، إلى أن انتصر مصطفي كمال أتاتورك في تركيا، وعندها تراجع الحلفاء عن معاهدة سيفر واستبدلوها بمعاهدة لوزان 1923، والتي بمقتضاها أصبح الأكراد تحت سيطرة تركيا وإيران وبريطانيا وفرنسا، باعتبار أن الأخيرتين كانتا دولتي الانتداب في العراق وسوريا.

وبعدها أصبحت نزعة الأكراد الانفصالية في مواجهة مستمرة مع الحكومات المركزية في الدول الأربع، لأن الأكراد بذلك يشكلون تهديدا لأراضيها، فقد واجهوا طيلة سنوات تهميش النظام البعثي في سوريا، وعندما اندلعت الثورة السورية؛ أعلنوا الحياد، وفي 2016 تم إنشاء منطقة إدارة ذاتية واسعة في شمال البلاد، أثار تشكيلها حفيظة قوات المعارضة السورية وأنقرة، لذا تجدد عندها النزاع المسلح بين القوات الحكومية وحزب العمال الكردستاني، مما بدد الآمال الكردية في تشكيل دولتهم الخاصة، وهو ما استمر حتى الآن، فبعد إطلاق تركيا لثلاث عمليات عسكرية في شمال سوريا في ٢٠١٦ و ٢٠١٨ و٢٠١٩ لا يزال ينذر الوضع الحالي على الأرض بعملية عسكرية جديدة، في ظل الأجواء الحالية التي يسودها القصف المستمر إلى جانب التهديدات المتتالية من الأتراك.

تركيا والأكراد .. تهديدات متبادلة:

فتركيا تقول أنها تحارب الأكراد الذين يشنون هجمات ضدها ويهددون وحدة أراضيها، وليس الأكراد كعرق، لكن في الحقيقة فإن الأمر أكثر تعقيدا، ففي الثمانينات من القرن الماضي؛ كانت السلطات التركية تنكر وجود الأكراد، وتقول أنهم لا وجود لهم، وأشار كتيب للجيش إليهم ب ” أتراك الجبل “، وكانت الحكومة التركية تعمل لعقود على نفي وقمع الهوية الكردية، كما كانت فترة الثمانينات نفسها هي التي شن فيها الأكراد ( حزب العمال الكردستاني ) صراعا مسلحا ضد الحكومة التركية، راح ضحيته أربعون ألف شخصا تقريبا من كلا الطرفين، ومع ذلك لم ينجح الأكراد في تحقيق حلم الدولة الكردية المستقلة، كما أن مؤسس الحزب عبدالله أوجلان يقبع في السجون التركية منذ 1999، كما أن مبادرات السلام كانت تفشل في كل مرة، لكن تركيا تخلت عن حذرها بعض الشيء، حيث سمحت باستخدام اللغة الكردية، كما يوجد حزب مؤيد وممثل للأكراد في البرلمان التركي، إلا أن معظم قياداته وأعضاؤه قد وجهت لهم تهم الإرهاب وتم اعتقالهم، وأهمهم زعيم الحزب صلاح الدين ديميتراس.

الحقيقة أن حلم الدولة المستقلة يتجاوز حدود تركيا، لأن الأكراد يعيشون أيضا في سوريا والعراق وإيران، لكن أغلبهم في تركيا، لذا يحاول الأكراد أن تكون بداية الانطلاق لدولتهم منها، فقد برز دورهم أثناء الحرب الأهلية السورية، فقد حملوا السلاح وهزموا تنظيم الدولة الإسلامية ” داعش “، وفي المقابل يطمح الأكراد في الحصول على حكم ذاتي في الشمال السوري، الأمر الذي دق ناقوس الخطر لدى تركيا، باعتباره قد يعزز من مطالب الحصول على الحكم الذاتي للأكراد في تركيا أيضا، وهو ما تبرر به السلطات التركية العمليات العسكرية الغشيمة التي شنتها والهجمات والقصف المتتالي، كما تعتزم تنفيذ عملية جديدة وفقا لتصريحات المسئولين الأتراك.

وعلى الجانب الآخر؛ تتصدى القوات الكردية للهجمات التركية التي ترغب في إبعادهم عن حدودها، من خلال هجوم الأكراد الأخير على سبيل المثال على الشرطة التركية، لذا بالنسبة للعديد من الأكراد؛ فإن العمليات العسكرية التركية والهجمات وعمليات القصف المتكرر تمثل تهديدا للقومية الكردية وصفعات متتالية لحلم الحكم الذاتي الذي طال انتظاره، كما يتخوف الأكراد من احتمالية توافق روسي تركي رغم تعارض أجندتهما في سوريا، لأن الوضع حاليا يلمح لوجود تنسيق بينهما، خاصة في إدلب وفقا لاتفاقات سوتشي، وهذا في سبيل تخفيف التوتر بينهما، وفي نفس الوقت معارضتها لنفوذ الولايات المتحدة في شمال شرق سوريا، لذا فإن روسيا لا تحبذ أيضا فكرة دولة كردية ترسخ لنفوذ دائم للولايات المتحدة في سوريا، والأخطر في حالة انسحاب الولايات المتحدة من سوريا فسيكون قد تخلى عن الأكراد حليفهم الأقوى والأكبر، وبالتالي يتوقع أن تعهد واشنطن بسوريا لأحد حلفائها في الناتو – ولا يستبعد أن تكون تركيا – وحتى إن لم يقع الاختيار عليها، فإن الساحة ستكون قد خلت لأنقرة لمواصلة عملياتها لإنهاء خطر الأكراد.

مستقبل الأكراد:

يبدون أن هناك قلقا كامنا لدى الأكراد مما سيؤول إليه مستقبلهم رغم كونهم من المعدودين كقوى فاعلة على الساحة السورية، خاصة وأنه رغم الانتصار الذي حققوه على تنظيم الدولة الإسلامية بالتعاون مع الولايات المتحدة؛ إلا أنهم لم يصلوا حتى الآن إلى طاولة المفاوضات لعرض مطالبهم الاستقلالية- أي أنهم يتخوفون أن يكونوا مجرد كبش فداء أو أداة عند المساومات والتسويات وفقا للمصلحة، فضلا عن أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والاستعداد للانسحاب من العراق ولد لديهم مزيدا من القلق من أن تشمل الاستراتيجية الأمريكية سوريا أيضا، وبهذه سيكون الأكراد قد فقدوا الداعم لهم وسط أعداء كثر، لاسيما تركيا التي تنتظر تلك اللحظة، والتي بدورها لم توقف عملياتها ضد المواقع التابعة للأكراد، والتي لا تزال تهدد بعملية عسكرية جديدة، في ظل القصف المتواصل حاليا من قبل الأتراك، ومثلما تخدم محاولة أنقرة حجز موطئ قدم لها في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي الاستراتيجية الأمريكية، فقد يكون الأمر نفسه بالنسبة لسوريا، وفي هذا الصدد؛ أعلن الرئيس أردوغان عقب لقائه الرئيس الأمريكي جو بايدن على هامش قمة المناخ ” سننفذ عملية عسكرية في سوريا عند الحاجة لها “، مما يعنى استمرار تحكم سياسة المصالح والتوازنات الإقليمية والدولية في مصير الأكراد.

وفي الختام؛ يبدو أنه من غير المحتمل أن يتم حل الأزمة الكردية أو أن يتم تنفيذ مطالبهم على المدي القريب، مطالبهم التي يبدو للعيان أنها مستحيلة، باعتبارها تمثل تهديدا للأمن القومي للدول الأربع وانتقاصا من سيادتها على بعض المناطق التابعة لها، فلا سوريا ستقبل اجتزاء جزء من أراضيها، ولا الدول الثلاث الباقية، خاصة تركيا ستقبل بتواجد الأكراد على حدودها، وبذلك تهديدهم للداخل التركي بتعزيز النزعة الانفصالية لأكراد الداخل التركي، خاصة وأن هذه المسألة لا يوجد حولها جدل أو خلاف من قبل المعارضة، بل تعتبر من القضايا التي تحظى بتوافق عام، فضلا عن وجود خلافات بين الأحزاب والحركات الكردية نفسها، والتي لم يسبق لها العيش تحت سلطة حكومة مركزية في الدول الأربع، وهو ما حدث في العراق على سبيل المثال، حيث خاض أكبر فصيلين كرديين ” الاتحاد الوطني الكردستاني ” و ” الحزب الديمقراطي الكردستاني ” حربا فيما بين ١٩٩٤ و ١٩٩٨ حتى تصالحا في ٢٠٠٣، بعد حرب خلفت العديد من القتلي.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى