ماذا بعد مقتل قائد فاجنر؟

في الـ 23 من أغسطس 2023 أعلنت السلطات الروسية عن مقتل يافجيني بريغوجين قائد فاجنر، على إثر تحطم طائرة خاصة شمال غرب موسكو، كانت تقل عشرة أفراد لم ينجُ منهم أحد، وكان بريغوجين من ضمن الأسماء المدرجة على القائمة. الأمر الذي أثار التكهنات حول ما إذا كانت الحادثة مدبرة من قبل الكرملين.

وفي هذا الإطار، يناقش هذا التحليل أبعاد وتداعيات مقتل بريغوجين على الداخل الروسي، وعلى مجريات الحرب الأوكرانية في هذا التوقيت.

توقيت لافت:

بداية، أثيرت تساؤلات عدة حول أسباب عدم حضور الرئيس الروسي لقمة البريكس في جوهانسبرج، هل فقط لأنه يخشي القبض عليه استجابة لحكم المحكمة الجنائية الدولية التي وجهت إليه تهمة ارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا؟، أم لأنه يخشي الخروج من روسيا تحسبا لأي محاولة انقضاض على الحكم أثناء غيابه؟. وتلك الحادثة أضافت تساؤلا آخر، حول ما إذا كانت هناك رغبة من قبل الرئيس الروسي لمتابعة عملية التخلص من بريغوجين على أنغام الموسيقي خلال الحفل السنوي لذكرى الاستقلال عن النازيين في مدينة كورسيك؟. لكن ما يدعم طرح التساؤل الأخير، هو عدة شواهد، يمكن رصد أهمها على النحو التالي:

(1)- إرسال قوات فاجنر للحدود البيلاروسية البولندية، بعد ورود تقارير عن وصول أسلحة نووية إلى بيلاروسيا وقوات تابعة لفاجنر، وبالتالي فإن بوتين اتخذ قرار تصفيه فاجنر وأعوانه بعد أن تأكد تماما من ابتعاد جنود فاجنر عن موسكو، خاصة وأن الأخيرة أعلنت إغلاق جميع مطاراتها بعد ذلك.

(2)- إقالة سيرجي سيروفوكين قائد الجيش الروسي في أوكرانيا، الذي اتهم بمساعدة فاجنر على التمرد، وغير معروف إن كان لا يزال على قيد الحياة أم لا.

(3)- العملية تمت في وقت تشارك فيه روسيا في قمة البريكس، الأمر الذي يؤشر إلى أن بوتين لم يغفر لبريغوجين فعلته تلك، حتى في ظل وجود ملفات ذات أولوية على طاولته، وفي الوقت نفسه ترميم صورة روسيا خارجيا بعد أن هزها تمرد فاجنر باعتبارها دولة مركزية.

(4)- الإعلان عن هجوم روسي مضاد خلال الأيام المقبلة بداية من مدينة خاركيف، وقصف ميناء إزميل الأوكراني وتدمير شحنات الحبوب المتواجدة به.

(5)- الأهم، أن تحطم طائرة بريغوجين جاء بعد نحو شهرين على حادثة تمرد قواته في روسيا، تلك الحادثة التي تركت آثارها على المؤسسات الروسية بأكملها، وعلاقات الكرملين بفاجنر وقائدها، ناهيك عن تداعياتها الخارجية.

دلالات هامة:

اختلف محللون حول طبيعة وأسباب الحادثة، وما إذا كانت مدبرة بالفعل، أم أنها ناتجة عن عطل تقني في الطائرة، وما إذا كان بريغوجين فتل بالفعل أم أنها مجرد مسرحية. إلا أن الاحتمال الأول هو الأقرب للواقع استنادا إلى عدة دوافع ودلالات، أهمها:

(*) استعادة للهيبة: فما حدث يعتبر بمثابة رسائل داخلية من قبل بوتين قبل انتخابات ٢٠٢٤، مفادها أنه لا يزال الأقوى، أي رسالة تحذير للنخب الروسية خلال الفترة المقبلة. فبوتين قضي على محاولة إنشاء سلطة موازية لسلطته، أو الإشارة إلى بطل غيره بعدما لمس عدة شواهد في هذا الشأن. ففي أفريقيا أصبحت ترفع لافتات وصور لفاجنر جنبا إلى جنب مع صور بوتين، وأوكرانيا التي نسب الفضل في حسم كثير من معاركها إلى فاجنر، الأمر الذي قد ينال من شعبية وتأييد الأخير مع وجود شخصية موازية له في الخارج. ومن الداخل أيضا، ممن رؤا بريغوجين زعيما جديدا لروسيا، بعد الخُطي المتباطئة للغزو الروسي لأوكرانيا. وبإزاحة بريغوجين، يستعيد بوتين صدارة المشهد قبل الانتخابات، ويستعيد كذلك الهيبة الروسية في الداخل والخارج.

(*) تأكيدات سابقة: من ناحية أخرى، تعتبر حادثة تمرد فاجنر الأولى من نوعها ضد بوتين طيلة العقدين الماضيين من حكمه، ولذلك أراد عدم تكرارها مرة أخرى من قبل بريغوجين نفسه أو غيره حال أمنوا العقاب. وفي لقاء تلفزيوني سابق، أكد بوتين أنه يستطيع غفران أخطاء كثيرة ” إلا الخيانة “. وعليه، كان من المتوقع أن يضحي بوتين بفاجنر وليس وزير دفاعه أو رئيس الأركان.

(*) انعدام الثقة: فبعد حادثة تمرد فاجنر التي اعتبرها الكرملين خيانة، كان من الطبيعي ألا تسير الأمور كما كانت عليه في السابق، نظرا لانعدام الثقة من قبل الطرفين. فلا بوتين كان سيتغاضى عن الحادثة دون عقاب رغم تدخل بيلاروسيا، ولا بريغوجين سينصاع تماما لأوامر الكرملين. وبالتالي كان على أحدهم التخلص من الآخر، وكان استبعاد بريغوجين هو الاحتمال الأقرب، سواء بعزله أو قتله، حتى يتثنى لبوتين إعادة هيكلة قوات فاجنر، وإحكام السيطرة عليها، بتولية أحد الموالين له قيادتها على سبيل المثال. وعلى العكس، فقد كانت عودة بريغوجين إلى روسيا مرة أخرى ومتابعة أعماله كأن شيئا لم يكن أمرا غير منطقي.

(*) ردود الفعل الغربية: رد فعل الدول الغربية الذي جاء متوقعا لما حدث، مثل الولايات المتحدة التي وصف بيانها الحادثة بأنها ” شئ متوقع “، كذلك أوكرانيا وبعض العواصم الأوروبية، قد تقوي أيضا من رواية أن حادثة بريغوجين مدبرة بالفعل، وانتهاز بوتين لتراجع الاهتمام والمتابعة لتداعيات حادثة التمرد بالذات بعد عودة بريغوجين إلى روسيا وممارسة مهامه.

(*) دعم استخباراتي: تحركات بريغوجين تنطوي على قدر كبير من السرية والاحتياط، شأنها شأن الرؤساء نظرا لأنه معرض للاغتيال في أي وقت. وأشارت تقارير غربية إلى تحرك طائرتين في نفس الوقت الأولى للتمويه والثانية تقل بريغوجين، وبسقوط الطائرة الثانية بالتحديد ووصول الأخرى إلى وجهتها أيضا يظل سيناريو الاغتيال هو الأرجح.

(*) عملية واسعة: فلم يكن بريغوجين هو الضحية الوحيدة لحادثة الطائرة، حيث قلت الطائرة مجموعة من أبرز معاونيه، وكان على رأسهم ديمتري أوتكين قائد العمليات الخاصة في أوكرانيا، وبالتالي فإن حادثة بهذا الحجم قد لا تكون بمحض الصدفة.

تأثيرات محتملة:

لا شك أن قوات فاجنر أسهمت بشكل كبير في حسم بعض المناطق لصالح الروس في أوكرانيا، أبرزها معركة باخموت، واستمر دورها في الحرب حتى بعد تمرد فاجنر، وبالتالي لا يتوقع أن تؤثر حادثة مقتل بريغوجين على مجريات الحرب الأوكرانية ولا دور قوات فاجنر بها. فبوتين لا يزال يحتاج إلى فاجنر سواء في أوكرانيا أو غيرها، ولهذا حاول استعادة سيطرته عليها حتى تواصل مهامها كما كانت في السابق دون شعوره بأية تهديدات من قبلها.

ولكن قد يكون مقتل يافجيني بريغوجين بداية لفصل جديد في الحرب الأوكرانية، قد يكون أكثر عنفا وحسما من جانب الروس، حتى لا تنسب النجاحات التي قد تتحقق إلى قادة بعينهم، كما سبق ونسب النجاح في معركة باخموت لفاجنر وقائدها، وقد يؤشر إلى ذلك تزامن الحادثة مع الإعلان عن هجوم روسي مضاد في خاركيف، وقصف روسيا لميناء إزميل الأوكراني الذي تصدر منه أوكرانيا الحبوب بشكل مؤقت وفقا لاتفاق مع الدول الغربية.

وفصل جديد أيضا مع الغرب الذي قد يتدارك الأمر بعد استعادة بوتين لهيبته وانفراده بالمشهد ويتراجع الدعم والتصعيد في أوكرانيا، وتفتح صفحة جديدة للتفاوض مع بوتين، قد تكون بدايتها اتفاقية الحبوب.

والأمر نفسه بالنسبة لمهام فاجنر خارج أوكرانيا، سواء في سوريا أو أفريقيا وغيرها، خاصة وأن نفوذ وقبول فاجنر في الأوساط الإفريقية يزداد شيئا فشيئا، سواء على مستوى الشعوب أو القادة، وبالتالي كان لا بد من استعادة بوتين لثقته في فاجنر، وهو ما لن يتم في ظل وجود بريغوجين وبهذه القوة.

ولكن، قد يصاحب ذلك موجه تمرد أو فوضي داخل أروقة فاجنر نفسها أو تحركات فردية قد تسعي للانتقام من بوتين. وبالتالي يصبح على بوتين الاختيار ما بين، ضم فاجنر للجيش الروسي، أو الإبقاء عليها لأداء مهامها الخارجية غير الرسمية في معظمها، وهو الاحتمال الأقرب. ومن أجل تفادى أيه هجمات مرتدة من قبل قوات فاجنر، قد يوظف بوتين الحادثة على أنها لعبة غربية.

بوتين قد يلجأ أيضا لتغيير وزير الدفاع كخطوة لاحقة في الوقت المناسب، بعد أن تخلص من شخصية منافسة له إلى حد كبير ( بروغوجين )، وهي خطوة كان من الصعب على بوتين الإقدام عليها منذ البداية، حتى لا يبقي في موقف ضعف أمام فاجنر التي كانت تتقدم ناحية موسكو وقد خسر دعم مؤسساته ومعاونيه.

ختاما، يمكن القول إن رواية حدوث عطل تقني في الطائرة أدى إلى سقوطها احتمال بعيد بعض الشئ، ولكن يبقي السؤال ما هي خطوة بوتين المقبلة بخصوص فاجنر؟.

 

 

وردة عبد الرازق

باحثة في الشئون الأوروبية و الأمريكية، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى