مسارات واضحة: ملامح التغيير في السياسة التركية تجاه المنطقة

في إطار جملة الضغوطات التي تواجهها الحكومة التركية داخليا وخارجيا، تبذل أنقرة مساعيها منذ العام الماضي لتقريب وجهات النظر مع دول المنطقة، خاصة الدول العربية، وعليه اضطر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تعديل السياسة الخارجية لبلاده بشكل كبير ولافت مؤخرا، وليس من المبالغة في شئ القول بأنها تتغير بقوة تجاه بعض دول المنطقة، وملفاتها الشائكة التي تعد أنقرة طرفا أساسيا فيها.

وفي ظل ما هو مرتقب في السياسة التركية وفقا لما هو واضح في اتجاهاتها تجاه دول منطقة الشرق الأوسط- يمكن طرح عدة تساؤلات، لعل أهمهم: ما هي أهم ملامح التغير في الموقف التركي في هذا الشأن، والأسباب التي دفعت أنقرة إلى هذا التغير، وهدفها، ومدي تأثير ذلك على السياسة الخارجية التركية والوضع في الداخل؟.

ملامح التغير:

جدير بالذكر أن تعديل بوصلة السياسة الخارجية التركية تجاه المنطقة لم يكن وليد تلك الفترة، فقد كانت هناك مساعي ملحوظة ومستمرة منذ أواخر ٢٠٢٠ تقريبا، وبالتحديد منذ مجيء إدارة جديدة للبيت الأبيض، فمنذ ذلك الحين بدأت تطلق أنقرة إشارات إيجابية تنم عن رغبتها في استعادة التقارب مع دول جمعتها بهم سنوات من التوترات، سواء داخل المنطقة أو خارجها، وكان أهمها في الفترة الأخيرة:

1-في شهر مايو الماضي، بادر أردوغان بزيارة إلى المملكة العربية السعودية، ردها ولي العهد السعودي إلى أنقرة في إطار جولته الأخيرة بالمنطقة، وذلك بعد سنوات من توتر في العلاقات بين البلدين منذ ٢٠١٨ تقريبا، أسفر عنها مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية، واستعادت بفضلها البضائع السعودية حريتها في الاسواق التركية، بعدما كان مفروض عليها حظر من قبل المملكة. وكان قد سبقها أردوغان بزيارة إلى الإمارات أثمرت العديد من المكاسب الاقتصادية لأنقرة، وعلى رأسها الصندوق الاستثماري الإماراتي بقيمة ١٠ مليارات دولار، الذي أنشأته الإمارات في تركيا. وهذا كله سياسة مغايرة تماما عن التي كان يتبعها أردوغان تجاه السعودية والإمارات بالذات قبل ذلك، فقد كان لا يكف عن توجيه الاتهامات لهما بالتدخل في الشئون الداخلية لبلاده، مما أدى إلي تدهور مستوى العلاقات بين أنقرة من جانب، والرياض وأبوظبي من جانب آخر.

2-كما استعادت تركيا علاقاتها السياسية والدبلوماسية رسميا مع إسرائيل، عقب انتهاء الحرب الأخيرة على قطاع غزة، بعدما تدهورت العلاقات بينهما منذ عام 2010 عندما أوقفت البحرية الإسرائيلية سفينة المساعدات التركية “مافي مرمرة” التي كانت متوجهة إلى قطاع غزة المحاصر آنذاك. وقتل عشرة نشطاء على متن السفينة خلال العملية، ثم سحب كلا البلدين مبعوثيهما الدبلوماسيين.

3-واستكمالا لذلك، تحاول أنقرة تطبيع علاقاتها بالقاهرة أيضا، التي توترت بسبب موقف الحكومة التركية من الملف السوري والليبي، بالإضافة إلى دعمها لجماعة الإخوان المسلمين، الأمر الذي لم تقبله القاهرة. فقد سبق وأجرت تركيا ومصر محادثات استكشافية في منتصف العام الماضي، أثمرت عن تبادل السفراء بشكل رسمي بين البلدين، وخلال الأيام الأخيرة؛ جدد أردوغان دعوته لاستئناف العلاقات بين بلاده وجمهورية مصر العربية بعد عودته من أوكرانيا، ودعا إلى إجراء محادثات رفيعة المستوى مع مصر، الأمر الذي اعتبره البعض بمثابة حجر ألقاه أردوغان في مياه راكدة.

4-كما اتخذت أنقرة موقفا مغايرا تماما عن السابق بخصوص الملف الليبي، ففي أواخر الشهر الماضي، استضافت العاصمة أنقرة رئيسي البرلمان الليبي عقيلة صالح والمجلس الرئاسي الليبي خالد المشري، في خطوة اعتبرها البعض تحولا استراتيجيا في الموقف التركي تجاه ليبيا، حيث كانت تدعم سابقا الأطراف الموجودة في الغرب الليبي، وعلى رأسها حكومة عبدالحميد الدبيبة، لتتحول إلى دعم الأطراف الموجودة في الشرق الليبي. إلا أنه، يمكن النظر إلى الموقف التركي في هذا الشأن نظرة موسعة أكبر، بأنه محاولة تركية براغماتية لموازنة مواقفها ليس إلا، من أجل الاستفادة من أي مبادرة داخلية أو خارجية خاصة بالشأن الليبي، وذلك لن يتم إلا من خلال اتخاذ موقف متوازن بين الشرق والغرب الليبيين.

5-اتخذت أنقرة أيضا خطوة مشابهة في سوريا، عدت مفاجئة للبعض، بعد تحول السياسة التركية بشكل جذري تقريبا تجاه أطراف الأزمة السورية، فمنذ بداية الأزمة وتتخذ أنقرة موقف عدائيا علنيا تجاه الأسد وحكومته، وتدعم المعارضة السورية سياسيا وإعلاميا وعسكريا. حتى عاد أردوغان خلال الأيام الماضية وأكد على ضرورة استعادة العلاقات مع سوريا بشكل كامل، كما تحدث عن ضرورة عقد ” مصالحة بين المعارضة السورية ونظام الأسد “، وازدادت جدية حديثه عن سوريا بعد عودته من سوتشي ولقائه بوتين.

دوافع التغير:

يأتي التحول البارز في الموقف التركي تجاه بعض الدول والملفات الخارجية لكسر العزلة التي فرضتها تركيا على نفسها، جراء السياسة المتشددة والصدامية التي كان ينتهجها أردوغان تجاه بعض الملفات، مما كلفه خسارة دعم العديد من دول المنطقة، خاصة الدول العربية، كما أراد أردوغان فتح منافذ جديدة تساعده على تخطي الأزمة الاقتصادية التي تمر بها تركيا، والتي أرهقت الحكومة، ولا تزال رواسبها حتى الآن.

فبالتأكيد سعي أردوغان إلى تحسين علاقات بلاده بالدول العربية، خاصة السعودية والإمارات، سيساعده على انتعاش اقتصاده، وستكون الاستفادة في الجانب الاقتصادي من خلال الاستثمارات الخليجية، والصناديق الاستثمارية كما فعلت الإمارات، واتفاقيات تبادل العملات كما تم مع الإمارات وقطر التي ستساعد على استفاقة الليرة التركية، وتسعي تركيا حاليا إلى ضم السعودية إلى تلك الاتفاقيات، هذا بالإضافة إلى استعادة حيوية حركة التجارة بينهم، وعقد الصفقات العسكرية بشراء المسيرات التركية.

وبخصوص مصر، فمن اللافت أن تصريحات أردوغان عن العلاقات بين مصر وتركيا جاءت بعد أيام قليلة من إعلانه تطبيع العلاقات رسميا مع إسرائيل، وبشكل كامل، مما يشير إلى أن التقارب التركي المصري على وشك الحدوث رسميا، إلى الدرجة التي دفعت البعض إلى اعتبار أن ” حياد حماس ” خلال عملية ” الفجر الصادق ” الأخيرة على غزة، ما هو إلا نتاج تنسيق مصري تركي إسرائيلي.

وبعد تطبيع العلاقات التركية مع مصروإسرائيل، قد تصبح تلك الدول تمثل مثلثا إقليما هاما من الناحية السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في ظل الأزمة الأوكرانية، وأزمة الطاقة التي يشهدها العالم، والدول الأوروبية بالتحديد، خاصة إذا تم التنسيق في ملف شرق المتوسط. وبالتالي قد تظهر مرونة في الموقف المصري خلال الفترة القادمة، خاصة بعد وقف الدعم الأمريكي لخط الغاز الذي يمتد من إسرائيل ومصر حتى قبرص واليونان، والحديث عن احتمالية استبدال اليونان بتركيا لتكون حلقة الوصل في تصدير الغاز من إسرائيل إلى أوروبا. وإسرائيل نفسها تريد الاستفادة من علاقاتها بدول المنطقة في قطاع غزة، وخاصة تركيا ومصر، بالإضافة إلى قطر، بخصوص صفقة الأمن مقابل الاقتصاد مع حماس. ومن ناحية أخرى، تسعي تركيا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل محاباة للغرب أيضا، فقد أصبح متعارف عليه في عالم السياسة أن مفاتيح رضا البيت الأبيض تكمن في تل أبيب.

أما عن سوريا وليبيا، وإلى جانب الاستفادة الشخصية لأنقرة من تعديل سياستها في هذا الشأن بأن تكون جزءا من أي لعبة سياسية في هذين الملفين، كما حدث على سبيل المثال وحصل على موافقة عقيلة صالح على اتفاقية ترسيم الحدود بين تركيا وليبيا، وفقا لمصادر تركية. فأروغان أراد بذلك ضرب عصفورين بحجر واحد، فمن ناحية أراد استعادة العلاقات مع مصر، لأنه بذلك يكون قد استكمل كافة المتطلبات _ المعلنة _ من قبل القاهرة كشرط لتطبيع علاقاتها مع الجانب التركي رسميا، خاصة وأن عقيلة صالح ذهب إلى القاهرة عقب أيام فقط من عودته من أنقرة.

وفي الوقت نفسه تحاول أنقرة استرضاء موسكو، وتوطيد العلاقات معها وتنسيق المواقف معها بشكل أكبر، خاصة بعدما وافقت تركيا على انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو، القرار الذي أثار حفيظة موسكو، وأيضا من أجل الموافقة على العملية العسكرية التي تنوي تركيا تنفيذها في شمال سوريا، وهو السبب الأكثر إلحاحا على أردوغان في الوقت الراهن، لأن عدم تنفيذ العملية سيتسبب له في حرج سياسي في الداخل والخارج بعد تأكيد المسئولين الأتراك على ضرورة تنفيذ العملية، وأن تركيا ليست في حاجة ” لأخذ إذن من أحد “، وبالتالي هل من الممكن أن يكون التقارب بين تركيا والحكومة السورية، هو ثمن موافقة روسيا على العملية العسكرية بعد ضغط روسي ؟، خاصة وأن تحجيم الأكراد قد يأتي في مصلحة الحكومة السورية، لأنه سيجبرهم على الخضوع إلى سيطرة الحكومة.

مكاسب تركية:

التطورات التي طرأت على الموقف التركي بالتأكيد ستترك أثرها على السياسة الخارجية التركية، والعلاقات الخارجية لتركيا بوجه عام، لأنها سيعطيها أريحية أكثر في التعاملات الدولية والإقليمية، كما سيجنبها الحساسيات التي لطالما عانى منها أردوغان في التعامل مع قضايا المنطقة، مما جعله معزولا بعض الشئ عن أي ترتيبات أو مخططات تخص المنطقة تقريبا، ولهذا يريد استعادة العلاقات مع مصر بأسرع ما يمكن.

وهنا يعتبر أردوغان قد أدرك الخطأ الذي ارتكبه خلال السنوات الماضية، وسيحاول حاليا الانخراط في المنطقة بشكل كامل، وبدون أي معرقلات أو حزازيات سياسية تجاه دول أو حكومات بعينها، حتى لو كانت تجمعه خلافات أيديولوجية ببعض الحكومات لن تمحى بهذه السهولة، ولكنه انتهي إلى ضرورة تغليب اعتبارات المصلحة، باعتبارها أساس الحركة السياسية.

أضف إلى ذلك، أن سياسة أردوغان الخارجية في السابق إن لم تكن هي أحد الأسباب التي أسهمت في تذبذب الوضع الاقتصادي مؤخرا، فإن السياسة الخارجية الجديدة بالتأكيد ستكون أحد أسباب التعافي من الضائقة الاقتصادية، ليس فقط لأن دول المنطقة الموجهة لها السياسة التركية الجديدة ستقدم المساعدات إلى تركيا في هذا الشأن، بل إن الهدف أبعد من ذلك بكثير، لأن الدول الكبرى نفسهاوجماعات الضغط الداخلية في تركيا، ممن كانوا غير راضيين عن سياسة أردوغان الخارجية خلال السنوات الأخيرة تجاه دول المنطقة ستدعم أردوغان في أزمته، أو على أقل تقدير ستخفف من الضغط على حكومته.

هذا إلى جانب أن سياسته الجديدة ستقلل من حدة الانتقادات الداخلية التي يوجهها معارضيه، ممن لم تحظ سياسة أردوغان في المنطقة استحسانهمبين الساسة والإعلاميين، حتى الرأي العام الداخلي نفسه، ممن يرون أن تركيا تتقاسم مع الدول العربية بعض الروابط المشتركة، كما أن الشعب التركي _ على خلاف الأمريكي مثلا _ متابع للسياسة الخارجية لبلاده. وبالتالي فهذا كله قد يصب في صالح أردوغان في الأخير في معركته الانتخابية القادمة، والتي يلعب فيها العامل الاقتصادي والسياسة الخارجية دورا كبيرا.

وفي ضوء ذلك يمكن تفسير حرص أردوغان على أن يكون له دورخلال الأزمة الأوكرانية، من خلال وساطته بين روسيا وأوكرانيا، التي أثمرت عن محادثات بين مسؤولي البلدين في تركيا، وعن توقيع اتفاقية الحبوب الأخيرة لتفادي حصول أزمة غذاء عالمية، ومحاولاته المستمرة حتى الآن لعقد لقاء على الأراضي التركية بين بوتين وزيلنسكي، لأن هذا كله لاقى استحسان الشارع التركي، والخارج كذلك، سواء الغرب أو روسيا. وفي حالة نجاح أردوغان في جمع بوتين وزيلنسكي _ بصفته الوسيط الأكثر واقعية بالنسبة لطرفي النزاع _ لا نستبعد حصول أردوغان على جائزة نوبل للسلام، وبالتبعية الفوز في الانتخابات المقبلة، وهي وجهة نظر يؤيدها مسؤولون غربيون أيضا. واستثمارا لذلك كله، حشد أردوغان الآلاف من المواطنين عقب عودته من سوتشي، وسلط الضوء على انجازاته على المسرح العالمي.

وختاما، فإن حرص أردوغان على الفوز في الانتخابات الرئاسية العام المقبل، هو المحرك الأساسي للتغير في اتجاهات سياساته على المستويين الداخلى والخارجي، فحرصه على الخروج من الأزمة الاقتصادية ونيل إعجاب الرأي العام، هو ما دفعه إلى انتهاج سياسة خارجية مختلفة جذريا عن سابقتها، خاصة تجاه دول المنطقة. وبالتالي فإن أردوغان يراهن على الدبلوماسية التركية للخروج من الوضع الاقتصادي المضطرب في الداخل، والانتصار في أكبر وأصعب تحد انتخابي له طيلة العشرين عاما الفائتة.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى