لماذا يتجدد الصراع الإيراني – الإسرائيلي في الأراضي السورية؟

في إطار الصراع مع إيران تستهدف إسرائيل دمشق بقوة؛ بما يؤكد تعظيم حدة المواجهة مع طهران، فقد تزايدت وتيرة القصف الإسرائيلي على الأراضي السورية، لاسيما القصف الذي تم في الثالث من يوليو الحالى، والذي نتج عنه مقتل رجل وامرأة مدنيين، وفقًا لما نقلته وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا نيوز)، ويتزايد التصعيد والتوعد الإسرائيلي بمواصلة هذه الجهود، لمنع التغلغل الإيراني في سوريا، باستهداف تل أبيب عدة مواقع إيرانية.. وغيرها لحزب الله اللبناني في سوريا.

هذا “التحليل” يسعى إلى تفسير أهداف، وانعكاسات تصعيد الموقف الإسرائيلي، والغارات التي تنفذها تل أبيب على دمشق، في ظل انتشار إيراني مُوسع، وتدني تنسيق موسكو مع تل أبيب، نتيجة فتور العلاقات بسبب الحرب الروسية – الأوكرانية.

توسع ومواجهات:

شكل الانتشار الإيراني بسوريا، ودعمها الرئيس السوري “بشار الأسد”، بعد أحداث الربيع العربي، نقطة تحول ملحوظة في طبيعة العلاقات بين دمشق وطهران، من التحالف المرن إلى التبعية السورية، والهيمنة الإيرانية بالمنطقة، وعلى الأخص عندما ضاعفت إيران وجودها، واختيار التدخل العسكري المتسع، عبر آلاف المقاتلين من حزب الله، والحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى ميليشيات شيعية من العراق، وباكستان.. وغيرهما.

وبالتالي، فإن تعاظم التوجس الأمني لتل أبيب من ذلك التوسع الإقليمي الذي أقدمت عليه طهران أدى لرغبة إسرائيلية في السيطرة على معطيات الساحة السورية، للتمكن من ضبط إيقاع التوازنات في المنطقة بما يصب فى مصلحتها، ويحول دون تهديد أمنها القومي من إيران، وسوريا، وحزب الله اللبناني، وبينما كانت مهمة الولايات المتحدة هي منع إيران من الحصول على السلاح النووى، والتوصل لاتفاق يعوق ذلك، تعتبر تل أبيب أن دورها في ذلك هو وقف، وقطع الطريق أمام الانتشار الإيراني والميليشيات الموالية لها على الأراضي السورية.

وتشكل “موسكو” فاعلًا مهمًا، وعنصرا مؤثرا على إستراتيجية “تل أبيب” فى سوريا، فاستمرار التنسيق مع روسيا أمر ضروري قبل اتخاذ أي إجراءات إسرائيلية على أراضي دمشق، لتجنب وقوع صراع غير مقصود مع موسكو، وعلى خلفية ذلك، فقد أدى تدني القدرة على الحفاظ على ذلك التنسيق الثنائي – نتيجة موقف إسرائيل من الأزمة الأوكرانية – إلى تنامي الردود الروسية شديدة اللهجة تجاه القصف الإسرائيلي لدمشق.

تجدر الإشارة أيضًا إلى أنه على الرغم من الخسائر الروسية في أوكرانيا، فإن سوريا تبقى بوابة رئيسية، وقاعدة إستراتيجية مهمة لها، مما يحفز إلى ضرورة إبقاء موسكو على ما حققته من مكاسب مع “الأسد”، وبالتالي يحول دون انخراط “واشنطن” بشكل أكثر فاعلية على حسابها في الأراضي السورية.

الأهداف والمسببات:

هناك العديد من الأهداف المرغوبة، أو المسببات، التي تستدعي التدخل، والتصعيد الإسرائيلي، مما يؤدى إلى تعاظم وتيرة القصف بالأراضي السورية، في إطار الصراع الإيراني – الإسرائيلي،  ومن أهم هذه الأهداف :

( * ) الحفاظ على الدور الإقليمي المتميز لإسرائيل: حيث إن التوسع الإيراني في سوريا يمثل تهديدًا للأمن القومي الإسرائيلي، كما يهدد الوضع الإقليمي المتميز لها، خاصًة في ظل إيران قوية، أو بمعنى آخر “إيران دون اتفاق نووي” يقيد قدراتها النووية، ويضبط سلوكها، من وجهة نظر الغرب، حيث تتمتع طهران بسلطة أكبر معنويًا على الشعب بحكم العقيدة الشيعية، كما تملك قوة اقتصادية، خاصة من ناحية النفط والغاز.

( * ) مواجهة تعاظم وجود إيران والميليشيات الموالية لها فى سوريا: من المنظور الإسرائيلي، فإن أهم الأولويات منع صعود قوة إقليمية منافسة لها بالمنطقة، وعلى الأخص “إيران”، التي ترى إسرائيل أنها تمثل خطرًا على أمنها القومي لعدة أسباب، من أهمها إعلان تل أبيب عن وجود تحالف المحور بين كل من إيران، وسوريا، وحزب الله، وحماس.

( * ) منع تحول الحدود الإسرائيلية مع سوريا إلى منطقة تهديد أمني لتل أبيب: تدعم طهران حزب الله اللبناني، وتنشر العديد من الميليشيات التابعة لها في سوريا، وهو ما يهدد بتحول الحدود مع سوريا لما باتت عليه الحدود الإسرائيلية مع لبنان، وهو ما يهدد الأمن القومي الإسرائيلي.

( * ) قطع الطريق أمام وصول الأسلحة لحزب الله، وحماس: ويعد ذلك هو الهدف المعلن بصراحة من جانب تل أبيب، وهو ما تلخص في تصريحات “يائير لابيد” رئيس الوزراء الإسرائيلي، بأن بلاده لن تغض الطرف عن تسليح طهران لحزب الله بالمسيرات، والصواريخ، ووفقًا لما نقلته صحيفة “معاريف” العبرية، فإن ترسانة حزب الله من الصواريخ باتت تعادل 100 ألف صاروخ، كما أعلن “حسن نصر الله”، الأمين العام للحزب، أن المقاومة باتت تملك القدرة على تحويل ترسانتها من الصواريخ إلى صواريخ دقيقة، كما أنها عزمت على تصنيع طائرات مسيرة، بما يهدد أمن إسرائيل القومي، في ظل العمق الإستراتيجي المحدود لها.

وعلى الرغم من أن إسرائيل كانت تُفضل مراقبة ما يجري في سوريا دون تدخل في بداية الحرب الأهلية السورية، فإن الوجود الإيراني في سوريا، في ظل الصراع مع تل أبيب، بسبب دعم طهران المقاومة الفلسطينية “حماس”، وأيضًا حزب الله في لبنان- أدى إلى تحولات عدة في الإستراتيجية الإسرائيلية للتعامل مع الملف السوري، لتحقيق العديد من الأولويات التي تم ذكرها سلفًا، والتي تتلخص في رغبة إسرائيل لمواجهة توسع النفوذ الإيراني، ومنع تدفق الأسلحة الإستراتيجية إلى حزب الله، والمقاومة الفلسطينية، وفي إطار ذلك يمكن الاستشهاد بتصريح “بيني غانتس” وزير الدفاع الإسرائيلي، في مايو الماضي، بضرورة منع إيران من نقل القدرات المتقدمة لديها لكيانات مختلفة بالمنطقة.

وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن إسرائيل أصبحت تفضل أكثر فأكثر مواجهة طهران عن مراقبة التحركات الإيرانية في سوريا، التي باتت تنمو بشكل ملحوظ، فقد اكتسبت إيران فرصًا مهمة عززت من موقفها الإقليمي، والدولي، وتفضل تل أبيب المواجهة خارج أراضيها، والتي سوف تؤدي إلى مزيد من التعقيد والإضرار بسوريا، وتشكل خطرًا على أرواح المدنيين بها.

وفي النهاية، تبقى هناك طرق أخرى تلجأ إليها الإدارة الإسرائيلية في التعامل مع خطر إيران، لاسيما محاولاتها المتعددة لخلق هاجس أمني مشترك مع دول الخليج ضد طهران، مع الاستمرار في الضغط على واشنطن لدعم الجهود المطلوبة لفرض حصار دولى على إيران، وقد بات ذلك واضحًا مؤخرًا بشكل ملحوظ، إلا أنه في المقابل حققت إيران العديد من المكتسبات السياسية، مع تمكنها من تحمل العقوبات المفروضة عليها، واكتسابها أيضًا خبرات تفاوضية مهمة في ملفها النووي.

 

 

 

 

محمد صابر

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي، حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية، الباحث مهتم بشئون سوريا والشرق الأوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى