هل ستشهد الفترة المقبلة تقارب بين “الرياض” و”أنقرة”؟

أعلنت وسائل إعلام تركية عن زيارة مرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية، والتي من المقرر لها أن تتم في أول أيام عيد الفطر، بعد أن سبق الإعلان عن زيارة في فبراير الماضي إلا أنه تم تأجيلها، وتأتي الخطوة التركية في إطار حملة المصالحة الإقليمية الشاملة التي أطلقتها أنقرة مؤخرا، وبالأخص مع دول مجلس التعاون الخليجي، وبدأت تلك الحملة باستعادة العلاقات مع الإمارات والبحرين منذ أشهر، كما تشهد العلاقات بين أنقرة والقاهرة انعطافة لافتة بعد جولتين من المفاوضات، انتهت بإعلان تركيا تعيين أول سفير لها في مصر بعد أكثر من 9سنوات. وعلى هذا، يناقش هذا التحليل التطورات الحاصلة مؤخرا في العلاقات التركية السعودية، وأهداف كلا البلدين من التقارب الذي تأخر مقارنة بالدول الخليجية الأخرى.

مقدمات التقارب:

سبق وأن شهدت الأشهر الماضية إشارات إيجابية كثيرة تنبئ بانفراجة في العلاقات بين تركيا والمملكة العربية السعودية بعد جمود قد أصاب العلاقات الثنائية لبضع سنوات، فقد سبق وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن زيارته للمملكة في شهر فبراير الماضي، إلا أنها تأجلت لأسباب غير معلنة، بالإضافة إلى الانشغال العالمي بالحرب الأوكرانية،حتى أعلنت عدد من وسائل الإعلام الدولية، ومن بينها وسائل إعلام تركية، عن زيارة أردوغان للسعودية يوم عيد الفطر، والصلاة في الحرم المكي رفقة الملك سلمان، وجاءت الخطوة التركية استكمالا لمسيرة تصفير المشكلات كمبدأ رئيس في السياسة الخارجية التركية، بعد أن حادت عنه أنقرة كثيرا خلال السنوات الأخيرة.

يذكر أنه في شهر مايو من العام الماضي، أجرى وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو زيارة رسمية إلى السعودية، وكان قد سبق تلك الزيارة اتصال بين الملك السعودي والرئيس التركي خلال قمة مجموعة العشرين التي انعقدت في الرياض، كما التقى وزير الخارجية التركي بنظيره السعودي على هامش قمة منظمة التعاون الإسلامي التي تم عقدها في باكستان في مارس الماضي، وذلك بعد سنوات من القطيعة السياسية، على إثر دعم أنقرة للدوحة أثناء المقاطعة الخليجية للخليجية للأخيرة منذ ٢٠١٧، تلاها دعم تركيا لحركات الإسلام السياسي في المنطقة حتى بعد سقوط الأنظمة التابعة لها، إلا أن ازداد التصدع في العلاقات التركية السعودية بسبب قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في تركيا.

محفزات مشتركة:

فقد تأتي محاولات التقارب الحاصلة في الوقت الراهن بين أنقرة والرياض في إطار مجموعة من المحفزات، يأتي على رأسها:

(*) ضعف مظلة الأمن الأمريكية: فبعد أن كانت الولايات المتحدة الداعم الأكبر لأمن منطقة الخليج بشكل كامل منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أنه وبعد محاولتها الاعتماد على الغاز الصخري المحلي، وبعد تخصيص الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لتطويق الصين وروسيا، قد تفقد المنطقة أهميتها شيئا فشيئا بالنسبة لواشنطن، مما قد يشكل محفزا لمزيد من التهديدات الأمنية للمنطقة، في ظل استهداف المملكة المستمر من قبل الحوثيين بعد إزالتهم من على قوائم الإرهاب وتجاهل مخاوف المملكة وجيرانها،بالإضافة إلى احتمالية تزايد التهديد الإيراني، خاصة وإن نجحت إيران في توقيع الاتفاق النووي وإزالة العقوبات الغربية، مما قد يعطيها مساحة أكبر للتحرك في المنطقة. وفي هذه الحالة قد تمثل تركيا قوى إقليمية موازية لها إلى جانب إسرائيل، كما وقد تفكر السعودية في إيجاد أرضية مشتركة بهدف التقارب مع روسيا والصين، على الصعيد الدولي، ومحاولة الاستفادة من الأزمة الأوكرانية الحالية والمخاوف من تقلص إمدادات الطاقة، وتوظيف النفط السعودي في هذا الشأن كما هو حاصل حاليا، لذا قد تسعى السعودية لتكون جزءا من مبادرة الحزام والطريق الصينية. وعلى النقيض، يعتبر البعض محاولة الرياض للتقارب مع موسكو والصين، كما سبق وأن هددت بوقف التعامل بالدولار في مجال الطاقة، فما هي إلا محاولة لجذب اهتمام واشنطن إليها، وليس الابتعاد عنها.

(*) محفزات إقليمية: فقد تكون المصالحة الخليجية مع قطر في مطلع العام المنصرم دافعا للتقارب مع أنقرة، باعتبار أن دعم أنقرة للدوحة خلال سنوات المقاطعة كان أحد أهم العوامل التي أدت إلى تذبذب العلاقات التركية السعودية من الأساس، وقد يكون لقطر دور ما في إتمام هذا التقارب، كما تواردت من قبل أنباء عن بدء حوار تركي سعودي في قطر خلال زيارة أردوغان الأخيرة للدوحة، إلا أنه من الواضح أنه قد طرأت مستجدات عرقلت ذلك، حتى أعلن أردوغان عن نيته زيارة الرياض في شهر فبراير. وقد يساعد على ذلك وجود توافق تركي سعودي حول بعض الملفات الإقليمية، كالأزمة السورية، حيث تتبنى الدولتان تقريبا نفس الموقف من النظام السوري، وسبق أن تسربت تقارير عن انعقاد لقاء بين مسئولين أتراك وسوريين في الأردن برعاية مسئولين من دول الخليج من ضمنهم السعودية، من أجل التنسيق للعملية العسكرية الأخيرة التي قامت بها تركيا ضد الأكراد، وبالتالي قد يتم التنسيق بينهما بشأن التخلي بعض الشئ عن سياسة العداء العلني للنظام السوري في ظل محاولات إعادة سوريا للحاضنة العربية.

أضف إلى ذلك رغبة السعودية في البقاء ضمن حلبة المنافسة في المنطقة، بعد أن نجحت تركيا في استعادة علاقتها بالإمارات إلى جانب إسرائيل، وتواصل جهودها حاليا مع مصر. وقد تكون التقاربات التركية مع دول المنطقة عموما انطلاقا من أن توتر العلاقات بينهما قد ساهم في بروز قوى أخرى كإسرائيل واليونان وإثيوبيا، كما سيجنبها هذا التقارب العزلة الإقليمية بعد التهافت المثير للدهشة نحو تقارب تركي خليجي مؤخرا.

(*) تبادل مكاسب: فمن ناحية قد يسهم التقارب السعودي التركي في رفع مستوى العلاقات التركية مع مصر وإسرائيل، وزيادة الصادرات المتبادلة بين البلدين، وإنهاء الحظر المفروض على البضائع التركية في السعودية عقب زيارة أردوغان للمرتقبة، ومواصلة الشركات التركية أعمالها هناك، بالإضافة إلى الاستفادة بمزايا إضافية في قطاع الطاقة المهدد في خضم الأزمة الأوكرانية.

في مقابل ذلك، قد تطلب السعودية إنهاء ملف قضية خاشقجي، ويبدو أن أنقرة ليست لديها نية أصلا للتصعيد في هذا الملف، فقد سبق وأعلن المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن عن ترحيب بلاده واحترامها للمحاكمة التي أجرتها السعودية للمتهمين في القضية، بل ونقل المحاكمات إلى السعودية، وهو ما يتناقض مع موقفها المتشدد سابقا. كما قد تستعين الرياض بأنقرة في مجال التعاون الدفاعي من خلال شراء المسرات التركية ” بيرقدار “، فقد سبق وأشار عدد من المسئولين الأتراك عن رغبة المملكة في الاستعانة بالمسيرات التركية في ظل التهديدات الأمنية التي تتعرض لها. وفي إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية، فمن المقرر أن يتم إنشاء خط يربط الخليج بأوروبا عبر تركيا، ويشبه خط سك حديد بغداد برلين الذي كان قائما في القرن التاسع عشر، وسيجعل هذا الطريق تركيا شريكا هاما للسعودية التي أبدت اهتمامها بالمشروع.

حسابات أردوغانية:

أعلن أردوغان عن نيته زيارة السعودية في فبراير الماضي بعد اجتماع مع حكومته ناقش فيه حصاد وأرقام التجارة التركية الخارجية خلال العام الماضي، مما يشير إلى أن الهدف الأساسي من الزيارة وتقارب أردوغان مع السعودية في هذا التوقيت، هو هدف اقتصادي في  الأصل، بعد الهزات التي تعرض لها الاقتصاد التركي نتيجة لتداعيات فيروس كورونا، وأثره على تهاوى قيمة العملة الوطنية التركية، وبالتالي أردوغان بحاجة لاستثمارات خليجية ودعم مالي يساهم في انتعاش الاقتصاد، بعد أن مثل الانفتاح على الإمارات دفعة نوعا ما لبعض المؤشرات الاقتصادية في تركيا،وبالأخص بعد صفقة مقايضة للعملات بقيمة ٤,٩ مليار دولار، يسعي لعقد مثيلتها مع السعودية، بالتالي سيمثل التقارب مع السعودية دفعة إضافية في هذا الصدد، لأنه سيتلوه بالتبعية رفع الحظر عن البضائع التركية لديها، وهو على أعتاب استحقاق انتخابي العام المقبل، وتحفز المعارضة التركية في الداخل لإسقاطه هذه المرة، فالوضع الاقتصادي المضطرب حاليا هو أهم الأسباب التي تقف وراء تراجع شعبية أردوغان والتي قد تكون العامل الأكثر إسهاما حال خسارته الانتخابات، والحقيقة أن مجمل تحركات أردوغان داخليا وخارجيا مؤخرا للملمة أوراقه كلمة السر فيها الاقتصاد والانتخابات، هذا بالطبع دون إغفال المؤثرات الدولية كالحرب الأوكرانية وأثرها على مجال الطاقة وأهمية العلاقات مع الرياض في هذا الشأن، ولكن تظل التحديات الداخلية هي الأهم بالنسبة لأردوغان، والتي قد تفسر تحركاته في الفترة الأخيرة على المستوى الدولي والإقليمي.

ولكن بما أنه ثمة محفزات جدية للتقارب، وبما أن الجهود التركية للتقارب مع السعودية بدأت قبل نظيرتها مع مصر والإمارات، فلماذا لم تحرز أي تقدم ملموس حتى الآن؟ وما الذي أخر التقارب بين تركيا والسعودية حتى الآن؟

فقد قوبلت التصريحات الإيجابية التركية، أو كما وصفها البعض بسياسية الأيدي الممدودة بصمت سعودي، بل وإغلاق المدارس التركية في السعودية، وبقيت تصريحات ولي العهد السعودي عن الروابط المتينة مع تركيا مجرد كلام مرسل، ولم تترجم في صورة تقارب على أرض الواقع، وقد يفسر ذلك أن التهافت التركي على التطبيع مع السعودية نابع من دوافع أقوى بالنظر إلى احتياجاتها الاقتصادية، وبالتالي هي الأكثر اضطرارا في هذا الشأن، أما على الجانب الآخر، فالتريث السعودي يأتي انطلاقا من أن السياسة الخارجية السعودية متحفظة بعض الشئ، على خلاف جارتها الإمارات التي يغلب عليها البراجماتية، وقد يحقق لها هذا التريث مكاسب وصيت داخلي أمام الرأي العام، وخارجي في مواجهة القوى الإقليمية الأخرى بإظهار أنقرة هي من تريد التقارب، وقد يكون نوعا من العقاب لأنقرة على مواقفها السابقة. وفي هذا السياق، قد يتشابه الموقف السعودي مع الموقف المصري.

لكن رغم ذلك، على ما يبدو أن العلاقات التركية السعودية ستشهد تطورات ملحوظة قريبا، فوقفا للكثير من التكهنات، لأن الزيارة التي كان من المقرر إجرائها في فبراير الماضي جاء تتلبية لدعوة من السعودية، بناءا على تسجيل بث لأردوغان على مواقع التواصل الاجتماعي دون أن يذكر اسم الشخص “إنه ينتظرني في فبراير، لقد تعهد وأنا سأقوم بزيارة للسعودية في فبراير”.، وفقا لعدة تقارير دولية. مما يشير إلى أن الدعوة قد تكون جاءت من قبل الرياض بعد زيارة ولى عهد أبوظبي لتركيا في نوفمبر الماضي، ورغم تأجيلها، إلا أنها لم تؤجل طويلا، بسبب التطورات الدولية والإقليمية المتسارعة، خاصة بعد زيارة أردوغان للإمارات.

وتأسيسا على ما سبق، قد تفصحا لفترة القادمة عن عودة التفاهم في العلاقات التركية السعودية، والتوصل إلى حلول وسط لبعض الملفات العالقة والتي تؤخر التقارب عمليا حتى الآن، خاصة بعد تفاهم أنقرة وأبوظبي، والحوار الجاري على مستويات مختلفة مع القاهرة، وبالتالي حال حلت الواقعية السياسية فقد تفضي الفترة المقبلة عن تطور ملموس في هذا الشأن، وفي عدة ملفات.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى