هل تزيل “واشنطن” الحرس الثوري من قوائم الإرهاب؟

في الوقت الذي بات فيه مستقبل الاتفاق النووي غير واضح، والذي أعلنت فيه الخارجية الأميركية، عن أن الاتفاق على العودة إلى خطة العمل المشتركة (الاتفاق النووي) مع إيران “ليس وشيكاً ولا مؤكداً”، في أحدث مؤشر على احتمال عدم إحياء الاتفاق في وقت قريب، وذلك على الرغم من التأكيدات بشأن قرب التوصل لاتفاق مع مسئولين غربيين.

 من جانب أخر، أفاد المتحدث باسم الخارجية الأميركية “نيد برايس” بأن واشنطن تتأهب لاحتمالية العودة المشتركة للاتفاق وكذلك عدم العودة إلى التنفيذ الكامل للاتفاق النووي، على حد سواء، فيما أعلن مستشار الأمن القومي الأميركي “جيك سوليفان” أن الولايات المتحدة وحلفاءها أحرزوا تقدما ًفي محادثات إيران النووية، لكن لا تزال هناك قضايا عالقة، وأنه من غير الواضح ما إذا كانت ستُحل، جاءت هذه التصريحات المتضاربة بشأن خطة العمل المشتركة (الاتفاق النووي)، إلا أنه ومن الواضح يزال يهتم الغرب بشأن تقييد البرنامج النووي الإيراني رغم تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية.

يذكر أن، المفاوضات التي انطلقت في أبريل الماضي في العاصمة النمساوية، بلغت مراحلها الأخيرة، بعد أشهر طويلة من الجلسات والمباحثات التي شاركت فيها كل من الأطراف المتبقية في الاتفاق (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، روسيا والصين) مع مشاركة غير مباشرة من قبل ممثلي الولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى الرغم أن المحادثات الدولية المستمرة التي اقترب عمرها لمدة 11 شهراً، والتي هدفت إلى إعادة السلطات الإيرانية للامتثال لقيود الاتفاق على أنشطتها النووية التي تتقدم بسرعة- فإن هناك بعض النقاط القليلة لا تزال عالقة، لعل أبرزها، هو إصرار طهران على أن تسحب واشنطن من القائمة الأميركية السوداء لـ “المنظمات الإرهابية الأجنبية” الحرس الثوري الإيراني، وعلى ما سبق، يمكن طرح السؤال الأهم، هو: هل ستوافق إدارة بايدن على مطالب إيران بالتراجع عن قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية أجنبية؟

تصنيف متجدد للحرس الثوري:

أدرجت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب الحرس الثوري الإيراني على القوائم الإرهابية، واعتبرته منظمة إرهابية أجنبية في 2019- أي بعد عام من قرار الرئيس الأمريكي الانسحاب بشكل أحادي من الاتفاق، فيما أبدى الرئيس الديموقراطي جو بايدن رغبته في العودة إلى الاتفاق، بشرط أن تعود طهران للامتثال لكامل الالتزامات التي تراجعت عنها في أعقاب انسحاب واشنطن منه، حيث يعد الحرس الثوري من أهم مؤسسات إيران، تأسس في 22 أبريل عام 1979 بأمر من المرشد المؤسس لنظام “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، آية الله روح الله الخميني، وأطلق على هذا الجهاز العسكري الأمني اسم “جيش حراس الثورة الإسلامية” والذي يُعرف اختصارا باسم “الحرس الثوري”.

ويقع على عاتق الحرس الثوري وفقاً لما أعلنه في السابق آية الله روحي الله الخميني، مسؤولية الحفاظ على مبادئ الثورة الإسلامية الإيرانية، قال “الخميني”، “لو لم يكن حرس الثورة ما كانت الدولة، إني أوُقر الحرس وأُحبهم وعيني عليهم، فلقد حافظوا على البلاد عندما لم يستطع أحد ومازالوا، إنهم مرآة تجسد معاناة هذا الشعب وعزيمته في ساحة المعركة وتاريخ الثورة”، وهنا يكمن الحديث عن محورية الدور المركزي للحرس الذي أخذ على عاتقه حماية الثورة منذ قيامها إلى الوقت الحاضر، وساهم في المشاريع التنموية الاستثمارية لحماية الاقتصاد الإيراني في مواجهة مختلف الضغوط والتهديدات الخارجية.

وبالإضافة إلى ما سبق، يمكن التأكيد على أنه للحرس مكانة خاصة في الدستور، فهو مؤسسة يتجلى هدفها الأساسي في حماية الثورة والمكاسب التي حققتها منذ قيامها إلى الوقت الحاضر، فقد حدد الدستور الإيراني لعام 1979م والمعدل لعام 1989م دور الحرس الثوري في المادة 150 منه في القسم الثالث المعنون بــ الجيش وقوات حرس الثورة الإسلامية، حيث جاء فيها: “تبقى قوات حرس الثورة الإسلامية، التي تأسست في الأيام الأولى لانتصار هذه الثورة، راسخة ثابتة من أجل أداء دورها في حراسة الثورة ومكاسبها، ويحدد القانون وظائف هذه القوات ونطاق مسؤوليتها بالمقارنة مع وظائف ومسؤوليات القوات المسلحة الأخرى، مع التأكيد على التعاون والتنسيق الأخوي فيما بينها”.

أما قانون الحرس الثوري فيحدد مهام الحرس على الصعيد الداخلي والخارجي بما يلي: (1) حماية الثورة وأمنها. (2) دعم حركات التحرر في العالم. (3) حراسة الثورة وقادتها وأهدافها من العدو الأمريكي والصهيوني وعملائهم في المنطقة. (4) مسؤولية الحفاظ على أمن الحدود.

وبناء عليه، فإن الحرس الثوري أكتسب الشرعية اللازمة ليس فقط بالمادة الخامسة عشر التي كفالها له من الدستور الإيراني، والتي نصت على دوره كمؤسسة عسكرية وتحمل على عاتقها حماية الثورة فقط، بل تعدى دوره وتدخله في الشؤون السياسية والإقليمية، حيث كان واضحا ًمن البداية البعد الإقليمي له، ومنذ نشأته كأحد الركائز الأساسية في القوات المسلحة الإيرانية، خاصة أنه حمل على عاتقه مسئولية تصدير الثورة.

ولكي نصل إلى النقاط التي ارتكزت عليها دور الحرس الثوري، يمكن إدراجهم في محورين أساسيين عمل فيهما الحرس الثوري في التعامل مع العمق الإقليمي وفي تشكيل العقيدة السياسية والإعلامية الإيرانية، وهما:

(*) استخدام إيران للبعد المذهبي، الذي يتمثل في الدعاية لولاية الفقيه لحشد أبناء المذهب الشيعي في المنطقة، وليسهل على طهران تجنيد أتباعها وقواها الناعمة في تلك الدول لخدمة المصالح الإيرانية.

(*) تتبني إيران ما يعرف بمحور المقاومة الإسلامية ضد إسرائيل وحليفها الأكبر الولايات المتحدة، وهو ما تستغله إيران إعلامياً تجاه المنطقة العربية، لكسب التعاطف الشعبي خاصة مع القيمة الكبيرة التي تحملها القضية الفلسطينية بالنسبة للعرب، وهو ما يفسر التوغل الإيراني في منطقة الشرق الأوسط.

موقف الحرس الاتفاق النووي:

كان المحافظين في إيران بشكل عام، والحرس الثوري بشكل خاص من أشد المعارضين للاتفاق النووي في 2015، فمن الناحية السياسية بعد قيام ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي في عام 2018 وزيادة الضغوط وفرض الحظر النفطي وتصنيف الحرس “كمنظمة إرهابية أجنبية”، كل ذلك قد أدى إلى تعزيز مكانة الحرس الثوري والداعمين له من المحافظين، والذين طالبوا بالانسحاب من الاتفاق النووي، كرئيس مجلس صيانة الدستور المحافظ أحمد جنتي الذي انتقد حكومة روحاني، لعدم الانسحاب من الاتفاق وقال في 17/1/2019 “بأنه في نهاية المطاف سنحرق الاتفاق النووي”. والجدير بالذكر هنا، هو أن المحافظين قد نجحوا في إعادة الإمساك بالملف النووي من خلال تفعيل دور المجلس الأعلى للأمن القومي، ولجنة مراقبة الاتفاق النووي برئاسة القيادي السابق في الحرس الثوري علي شمخاني بدلاً من سعيد جليلي الإصلاحي.

أما من الناحية الاقتصادية، يرفض الحرس الثوري، ومعهم المحافظين الاتفاق بسبب المخاوف المتمثلة بدخول شركات استثمارية أجنبية للسوق الإيراني، مما يهدد الاقتصاد القومي ويضر بالشركات الوطنية، فهم يطالبون بتبني الاقتصاد المقاوم والذي أعلن عنه المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي منذ عام 2012، والذي يقوم مبدأ هذا الاقتصاد على أساس الحد من اعتماد إيران على العناصر الأجنبية وتطوير الاكتفاء الذاتي بناءً على الخبرات والشباب الإيراني.

بمعنى آخر، يمكن القول إن الحرس الثوري ومعهم المحافظين يرفضون دعوات الإصلاحيين إلى عودة التفاوض مع الولايات المتحدة أو عقد اتفاق نووي جديد قد يؤدي إلى تقديم تنازلات جديدة،  وخاصةً بعد تدهور الظروف الاقتصادية والتهديدات الأمريكية في الخليج العربي، وقد يتطلب هذا الاتفاق أو التفاوض تنازلاً في برنامج الصواريخ الباليستية أو تعديل السلوك الإقليمي لإيران في بعض المناطق، وهذا ما يُقوض دور الحرس الثوري بشكل خاص.

شطب الحرس من قائمة الإرهاب:

نظراً لما يقوم به الحرس الثوري من الصعوبة بمكان إقناع الداخل الأمريكي بمطالب شطبه من قائمة الإرهاب أو إقناعه بأن الحرس الثوري الإيراني ليس جماعة إرهابية، إذ يخوض حروباً بالوكالة، وهناك أصواتاً سترفض إزالة تصنيف الإرهاب لنخبة الحرس الثوري الإيراني، وهناك أيضاً العديد من جماعات الضغط في الولايات المتحدة لديهم استنتاجات مروعة للحرس الثوري الإيراني، على سبيل المثال، يعرف العديد من الأميركيين أن الحرس الثوري قتل الأميركيين في العراق، إضافة إلى ذلك، ليس من الصعب تفسير سلوك الحرس الثوري الإيراني على أنهم يسيطرون على الحياة السياسية داخل إيران بما في ذلك البرنامج النووي، لذلك، إذا استمرت إيران في عدم الالتزام بوعودها بوقف تخصيب اليورانيوم لأهداف غير سلمية، فهذا يعني بوضوح أن قوات الحرس الثوري متورطة في الإرهاب النووي.

هذا بالإضافة إلى تصريح بعض الأعضاء من الحزبين (الجمهوري والديمقراطي)، بأنه تم تجاهلهم بشكل كبير بشأن الشكل الذي قد يبدو عليه الاتفاق النووي الجديد مع إيران، معربين عن خشيتهم من أن يكون أضعف كثيراً من الاتفاق الذي أبرمه الرئيس الأسبق باراك أوباما في عام 2015، بسبب فقدان واشنطن “الوقت والنفوذ”، وأن هناك شكوك بشأن ما إذا كان الوقت الحالي مناسباً للتفاوض على اتفاقية جديدة، بسبب تراجع العلاقات الأميركية مع روسيا والصين، وهما الدولتان الموقعتان على الاتفاق النووي، إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات.

في النهاية، يمكن القول إنه من المؤكد أن الرئيس بايدن قد يستمع إلى العديد من الأصوات التي ستوصيه بالإبقاء على الحرس الثوري الإيراني كمجموعة إرهابية، ومن المتوقع أن يبقى الحرس الثوري خلية فساد سياسي في حياة إيران حتى لو أوقفت – مؤقتًا – حملاتها الإرهابية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وبالتالي يستمر الحرس الثوري الإيراني كقوة تعمل على زعزعة الاستقرار العالمي والإقليمي، هذا فضلاً عن معارضة الاتفاق النووي في واشنطن وبين حلفاء الشرق الأوسط مثل إسرائيل، حيث أصدرت الحكومة الإسرائيلية انتقادات علنية لاذعة لأي محاولة لإزالة تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية. بالتالي سيكون من الصعوبة شطب الحرس الثوري الإيراني من قائمة الإرهاب، وسيستمر يشكل أهمية عظمى لإيران لكونه يقوم بدور فعال في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية في إيران، وذلك بسبب الإمكانيات التي يمتلكها من عناصر بشرية ذات اختصاصات متنوعة وأرصدة مالية من شركات إعماريه وهندسية، ولهذا سوف يستمر دوره في التعاظم مستقبلاً.

 

د.سهرة القاسم

رئيس برنامج دراسات الخليج العربي. حاصلة على الدكتوراه في موضوع أثر التنافس التركي الإيراني على الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة – رئيس قسم الرصد والتحليل بالمركز الإعلامي لمجلس الوزراء-مدرس مادة الرأي العام والإعلام جامعة الإسكندرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى