فرص نجاح الوساطة التركية في الأزمة الأوكرانية

في ظل تفاقم التوترات بين روسيا وأوكرانيا، وتزايد التكهنات باحتمالية غزو روسي لأوكرانيا، وفي ظل تخبط الغرب لمواجهة روسيا أو توفير الضمانات الأمنية لها للتراجع عن نوايا الغزو _إن وجدت _، أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زيارة الخميس ٣ فبراير لأوكرانيا، بالتزامن مع الذكرى الثلاثين للعلاقات التركية الأوكرانية، بناءا على دعوة من قبل الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنسكي للوساطة من أجل تخفيف التوترات مع روسيا، كما تم توقيع مجموعة من الاتفاقيات من بينها اتفاقية للتجارة الحرة، وقد توقع مسئولون أتراك إمكانية ظهور مؤشرات إيجابية لحلحلة الأزمة بعد الاجتماع في كييف.

واستنادا إلى ذلك، يناقش التحليل الأسباب والدوافع التي تقف وراء الزيارة، وموقف أنقرة من الأزمة، وما إذا كانت ستواصل دورها الذي وصف بالحيادي حتى الآن حال الانزلاق إلى نزاع مسلح، وتوضيح مدى فرص نجاح الوساطة التركية، وما إذا كان سيقتنع الجانب الروسي بها.

الموقف الروسي من الوساطة:

رغم إعلان الجانب التركي أن كلا من روسيا وأوكرانيا قد رحبتا بعرض الوساطة التركية لحلحلة الأزمة بينهما، إلا أن الموقف الروسي الحقيقي بدا غامضا، فروسيا لم تبد ترحيبا واضحا بالوساطة التركية على غرار أوكرانيا، وقد يكون ذلك بسبب الموقف التركي الداعم لأوكرانيا، والتعاون العسكري بينهما، بالإضافة إلى كون تركيا عضوا في الناتو، وبالتالي قد لا تكون الوساطة التركية موثوقة أو حيادية إلى حد كبير بالنسبة لموسكو، وقد يكون لسبب ثالث، وهو الأهم، فالأزمة بالنسبة لروسيا ليست ثنائية بين روسيا وأوكرانيا، بل هي أبعد من ذلك بكثير، فهي تمثل تحديا بين روسيا والغرب لا ينفصل كثيرا عن الصراع التاريخي منذ الاتحاد السوفييتي مع الغرب.

وقد أعلن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف منذ أيام عن قبول الرئيس فلاديمير بوتين دعوة نظيره التركي رجب طيب أردوغان لزيارة تركيا، ورغم أنه لم يشر إلى أي محادثات قد تقودها تركيا مع أوكرانيا، ولكن قبول الدعوة في حد ذاته والرؤية التركية يشيران إلى أنها بمثابة بداية الانطلاق للدور التركي لتقريب وجهات النظر بين البلدين، وتخفيف حدة التوتر في المنطقة، نظرا للمصالح المشتركة التي تجمعهم.

وفقا لتصريحات وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، فإن زيارة الرئيس بوتين ستكون عقب القمة التركية الأوكرانية بعد عودة بوتين من مشاركته في فعاليات افتتاح أولمبياد بكين الشتوي.

وساطة هادفة:

بداية، أتت زيارة أردوغان لأوكرانيا عقب مجموعة من الزيارات التي قام بها بعض الزعماء الأوروبيين وفي حلف الناتو كبريطانيا وهولندا وبولندا، كما سبق تلك الزيارة محادثات بين مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان ومستشار الرئيس التركي إبراهيم قالن، وأكدت من خلالها أنقرة سعيها لحل الأزمة بالطرق الدبلوماسية.

يذكر أن تركيا عرضت في وقت سابق المساعدة لتقريب وجهات النظر بين موسكو وكييف، وأعربت كييف عن ترحيبها بذلك، كما بدت موسكو أيضا منفتحة على الفكرة وفقا لمسئولين أتراك. ويهدف العرض التركي لإصابة أكثر من عصفور برمية واحدة، فهي بذلك تعمل على استرضاء واشنطن المستاءة من سياسات أردوغان، و تساهم في منع نشوب نزاع مسلح سيؤثر عليها ويجنبها الانحياز لطرف، كما يجعلها داخل أي لعبة سياسية في المنطقة.

وتدور الرؤية التركية في هذا الشأن حول المساهمة في حل الأزمة بالوسائل السلمية من خلال قيامها بدور الوسيط بين موسكو وكييف، حيث يجمع أنقرة وموسكو وكييف مصالح جيوسياسية في البحر الأسود، وبالتالي تجنب اللجوء إلى موقفها النهائي بالانحياز إلى كييف على حساب موسكو حال حدوث نزاع مسلح، لأنه في هذه الحالة سيكون موقفها في إطار حلف الناتو الداعم لأوكرانيا ضد المساعي الروسية. فتركيا لا تملك أي ورقة ضغط على كلتا الدولتين سوى علاقتها الجيدة وعضويتها في الناتو، لذا ستحاول الاستفادة من ذلك من خلال تأكيدها لموسكو على بذل مساعيها داخل حلف الناتو كونها ثاني قوة موجودة فيه لتطمينها، مقابل تجديد تأكيدها للجانب الأوكراني على موقف الناتو الداعم لها.

ففي مناسبات عدة أعلنت تركيا عن دعمها الكامل لأوكرانيا، وعدم اعترافها بالاحتلال الروسي لشبه جزيرة القرم في ٢٠١٤، كما قامت بتزويد أوكرانيا بطائرات مسيرة استخدمتها ضد روسيا في إقليم دونباس، مما أثار حفيظة موسكو، فالموقف التركي من أوكرانيا يخدم العقيدة التركية التي تعتبر نفسها حامية لتتار القرم، كما تجمعها بأوكرانيا علاقات ومعاهدات عسكرية واقتصادية، فتعتبر تركيا من أكبر المستثمرين في أوكرانيا. وعلى الجانب الآخر لا ترغب أنقرة بالمجازفة بعلاقتها بموسكو، التي دوما ما تلجأ لها حال توتر علاقتها بالغرب، وهو ما يتجلى في صفقة إس ٤٠٠ الروسية، ووجود مؤشرات عن تنسيق روسي تركي في ليبيا وسوريا، كذلك تجمعها بروسيا علاقات اقتصادية مميزة؛ خاصة في مجالي السياحة والطاقة، فأنقرة تعتمد بشكل أساسي على الغاز الروسي، فقد بلغ إجمالي صادرات الغاز الروسي لتركيا ما يقارب ٣٣.٦ مليار متر مكعب خلال عام ٢٠٢٠ فقط، واتضح ذلك الأسبوع الماضي بعد توقف تدفق الغاز الإيراني لتركيا بسبب عطل تقني، حيث أكد رئيس شركة ” غاز داي ” التركية الذي وصف احتمالات تصاعد نزاع روسيا وأوكرانيا إلى الحد العسكري ب ” النهاية ” حال أوقفت روسيا تصدير الغاز.

فرص نجاح الوساطة:

كما ذكرنا سابقا المسألة أبعد بكثير عن كونها نزاع ثنائي بين روسيا وأوكرانيا يتطلب لوساطة، أو إذا كان حل الأزمة أصلا يكمن في الحاجة لوساطة فقط، لكن إذا اضطر الأمر لوسيط، فقد تكون تركيا باعتبارها الأنسب، نظرا لتشابك علاقاتها ومصالحها مع أوكرانيا وروسيا، لأنه في الحقيقة يقبع المفتاح الفعلي لإنهاء الأزمة عند الغرب حال وافق على تقديم الضمانات الأمنية التي تطلبها روسيا، وقد تكون إشارة واشنطن لإمكانية أن يكون هناك دور لتركيا في الأزمة الأوكرانية بمثابة إشارة لإمكانية قيامها بتقريب وجهات النظر بين موسكو والغرب، كما قد تحمل رسائل أمريكية خلال زيارتها لكييف أو موسكو، فالوساطة التركية هي ورقة ضمن أوراق عديدة للتفاوض مثل مجلس الأمن، حتى الحشود العسكرية والمناورات العسكرية على الحدود، هي في حد ذاتها أوراق للتفاوض، إما لإنهاء الأزمة أو لإرجاء الحل العسكري مؤقتا تمهيدا لحوار أعمق مستقبلا.

كما إن رحبت موسكو بالوساطة التركية فقد يكون هناك مقابل لذلك، كاستمرار التعاون العسكري بينهما في إطار صفقة إس ٤٠٠، وهو ما أكده الرئيس التركي في تصريح له لطمأنة روسيا عندما قال ” إن تركيا هي من تحدد ماذا تحتاج، وممن “، _ في إشارة لمعارضة واشنطن للصفقة _، وقد تطلب روسيا وقف الدعم العسكري التركي لأوكرانيا، أو اعترافها بسيادتها على القرم، أو على أقل تقدير التوقف عن مناهضتها في المحافل الدولية ووصف سياستها في القرم بالغير شرعية أو الاحتلال.

وبناءا على ما تقدم، فإن محاولات أنقرة للتوسط هي اختبارا لفعالية قوتها الناعمة في التعامل مع قضية شديدة الحساسية في المنطقة، كما تهدف إلى منع مزيد من التصعيد بين روسيا وأوكرانيا، الأمر الذي سيحتم عليها الانحياز لطرف معين، ورغم إبداء مسئولون أتراك تفاؤلهم بنتائج الدور التركي في الأزمة بعد الزيارة، إلا أنها لا تكون حاسمة بدرجة كافية، إلا بعد وضوح مخرجات زيارة الرئيس بوتين المرتقبة لتركيا، أو زيارة الرئيس أردوغان لموسكو التي أعلن عن موعدها خلال الشهرالجاري بعد زيارة أوكرانيا، وحتى وإن قبل بوتين بالوساطة مع أوكرانيا أو الغرب، فقد يكون هناك مقابل، وهو ما ستوضحه الفترة المقبلة، وغير ذلك لن يسمح بوتين لتركيا بلعب دور الوسيط بسبب تعقيدات الملف الأوكراني، ولكن على أقل تقدير الموافقة على أن تكون تركيا منصة للتباحث.

فالمسألة الأوكرانية بالنسبة لروسيا شديدة الحساسية باعتبارها ترتبط بمتطلبات الأمن القومي، وبرغم الجهود الدولية لإثناء روسيا عن موقفها، إلا أنه من الناحية العملية من الصعوبة بمكان قبول روسيا بانضمام أوكرانيا لحلف الناتو، والذي يهدف لاحتواء وتطويق روسيا، لأن أوكرانيا بمثابة بوابة روسيا للحلف، كما أنها لن تقبل بتواجد عسكري للحلف على حدودها، أو ما وصفته ب ” التوسع شرقا للناتو “، لذا قد لا يتوقع تنازل موسكو عن نواياها تجاه أوكرانيا في الوقت الراهن دون توفير أي من الضمانات التي طلبها، في ظل الإصرار الأمريكي على رفض الشروط الروسية المتعلقة باحتمال انضمام أوكرانيا للناتو، لكن واشنطن على استعداد لتعزيز المحادثات حول المناورات العسكرية أو مراقبة الأسلحة النووية المتركزة في أوروبا.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى