لماذا أعلنت الحكومة الإثيوبية عن الملء الثالث لسد النهضة؟

فى خطوة جديدة قامت بها الحكومة الإثيوبية لفرض سياسة الأمر الواقع والتصرف أحادى الجانب أعلنت أثيوبيا خلال الاجتماع الذى عقدته الحكومة بكامل هيئتها فى موقع سد النهضة بدأ إنتاج الطاقة الكهربائية من سد النهضة بقدرة 700 ميجاوات، كما أعلنت عزمها إزالة 17 ألف هكتار من الغابات فى شهر فبراير القادم تمهيدًا للبدء فى الإنشاءات اللازمة لعملية الملء الثالث للسد، وكانت إثيوبيا قد فشلت فى مرحلة الملء الثانية، والتى كان من المقدر لها أن تصل كمية المياه المخزنة فى بحيرة السد إلى 13.5 مليار متر مكعب، إلا أن ما تم تخزينه بالفعل لم يتخطى 8 مليارات متر مكعب بالمرحلتين وفقًا لصور الأقمار الصناعية، حيث وصلت المياه إلى منسوب 573 متر.

وعقب الاجتماع الذى تم فى عاصمة إقليم بنى شنقول جومز، الذي يقع فيه سد النهضة رجح المسئولون الإثيوبيون أن يتم الانتهاء من إزالة الغابات فى غضون 60 يومًا من بدء العمل فيه- تأسيساً على ما سبق يسعى هذا التحليل إلى كشف أسباب إعلان إثيوبيا عن الملء الثالث لسد النهضة، وإزالتها لألف هكتار من الغابات خلال شهر فبراير المقبل.

مصير المفاوضات:

وفقًا لتصريحات المتحدث الرسمى باسم الخارجية الإثيوبية “بأن بلادة ستبدأ قريبًا فى إنتاج الطاقة من سد النهضة، وأنه بات على دولتى المصب التأقلم مع ما وصل إليه سد النهضة، حيث أصبح اكتماله أمرًا واقعًا”[1]، وهو ما يعنى أن المفاوضات بشأن سد النهضة باتت أمرًا عبثيًا لا جدوى منه، حيث أنها تمنح الوقت لإثيوبيا من أجل استكمال السد، الذى تم الانتهاء من حوالى 80 % منه، وبالتالي فرض سياسة الأمر الواقع على دولتى المصب ( مصر والسودان)، خاصة وأن عملية اكتمال السد تنهى المجال بشأن توجيه أى ضربة عسكرية إلى السد، والتى من شأنها تهديد كبير لوجود السودان نتيجة تدفق تلك الكمية الضخمة من المياه إليها.

ومن ناحية أخرى، فإن الموقف المصرى والسودانى لازال واضحًا بشأن الوصول إلى اتفاق ملزم بين الدول الثلاث وفقًا لتصريحات الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى، على هامش منتدى شباب العالم الأسبوع الماضى، موضحًا أن “مصر تريد اتفاقًا قانونيًا ملزمًا وشاملًا يراعى كل شواغلنا”[2]، وكانت مصر والسودان قد توجتها إلى مجلس الأمن الدولي من أجل الوصول إلى اتفاق دولى ملزم، إلا أن مجلس السلم والأمن الدولى حث جميع الأطراف على استئناف المفاوضات برعاية أفريقية.

ومنذ ذلك الحين يواجه الاتحاد الأفريقي فشلًا فى إدارة المفاوضات، حيث توقفت كافة المبادرات المقدمة منذ أخر جولة قام بها رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدى فى مايو 2021، باعتبارة رئيسًا للاتحاد الأفريقي فى محاولة منه للتوصل لتسوية مرضية لجميع الأطراف، وذلك نتيجة الحرب فى إقليم تيجراى، ومراوغة الحكومة الإثيوبية فى مفاوضات للوصول لاتفاق ملزمة وفرض الأمر الواقع على دولتى المصب.

محاولة لتخفيف الضغوط:

تسعى الحكومة الإثيوبية من وراء تعنتها وتخبطها فى تصريحاتها الرسمية بشأن سد النهضة إلى تصدير خطاب شعبوى لتهدئة الرأى العام الداخلى لكسب تعاطف شعبى، وخلق صراعات خارجية وهمية من أجل تخفيف الضغوط الداخلية والدولية التى تواجهها جراء الانتهاكات فى إقليم تجراى، وهى الخطوة التى سبقها خطوة أهم عبر الإفراج عن المعتقلين السياسيين على رأسهم “جوهر محمد” الناشط السياسى الأورومى، “وسبحت نقا” مؤسس جبهة تحرير تيجراى، ورئيس حزب بالدراس ” اسكندر نقا”، فضلًا عن إطلاق سراح آخرين من قيادات جبهة تحرير تيجراى لخلق بيئة سياسية أفضل تمهد لانطلاق الحوار الوطنى الشامل والمصالحة بين الإثيوبيين وفقًا لتصريحات الحكومة الإثيوبية. [3]

كما يسعى آبى أحمد لتخفيف وطأة الضغوط الخارجية التى يواجهها، حيث أصدرت لجنة جائزة نوبل للسلام انتقًادا نادرًا للفائز بجائزتها عام 2019 بسبب الحرب والأزمة الإنسانية فى إقليم تيجراى، والتى أشارت إلى ضرورة تحمل مسئولية خاصة لإنهاء الصراع والإسهام فى إحلال السلام.[4]

وفى ذات السياق، فقد حذر برنامج الغذاء العالمي من كارثة إنسانية تهدد إقليم تيجراى شمال  إثيوبيا على خلفية الصراع المسلح منذ أكثر من عام، وأكد بيان البرنامج أنه بصدد تعليق نقل المساعدات مع إقليم تيجراى بسبب احتدام القتال واستمرار الغارات الجوية، التى يشنها نظام أبى أحمد ، وقد عبر المدير الإقليمي لشرق إفريقيا فى برنامج الغذاء العالمى مايكل دانفورد عن أسفه لإضرارهم لاختيار من سيجوع لإنقاذ أخر من الموت.[5]

ولذا يسعى آبى أحمد إلى لفت نظر العالم الخارجى عن جرائمه فى إقليم تيجراى بافتعال نزاع جديد مع دول المصب، عبر العديد من التصريحات المستفزة فى محاولة منه لتوحيد الشعب الإثيوبي حول مواجهة خطر خارجى يهدد إثيوبيا وإشعال صراع وهمى مع دول المصب، حيث أعلنت أثيوبيا حيث كانت قد أعلنت هيئة الكهرباء الإثيوبية عن خططها لبناء 71 مشروعًا لتوليد الطاقة الكهربائية بتكلفة مالية تقدر ب40 مليار دولار بينها 16 مشروعًا لتوليد الطاقة من المياه[6]. على الرغم من عدم قدرة إثيوبيا على استكمال بناء سد النهضة وسط مخاوف من انهياره نتيجة للعديد من التشققات التى بدأت تظهر فى جسم، وإخفاق الحكومة فى استكمال الملء الثانى للسد، وكذلك الصعوبات التى واجهتها فى تمويل 4.5 مليار دولار تكلفة بناء السد الأمر الذى يصبح معه توفير عشرة أضعاف تلك القيمة أمرًا بالغ الصعوبة.

وختامًا، من الواضح أن دولتى المصب مصر والسودان باتا يوجهان خطرًا كبيرًا بعد التعنت الواضح من قبل إثيوبيا وإصرارها على اتخاذ إجراءات أحادية دون الالتزام بإعلان المبادئ الموقع فى عام 2015 واعتبار مياه النيل ملكية خاصة لها دون مراعاة لمبادئ القانون الدولى بحق المجارى المائية، خاصة وأن الانتهاء من السد سيشكل سابقة قانونية جديدة قد تلحقها العديد من دول المنابع بحاجاتها إلى إنشاء سدود دون الرجوع إلى دولتي المصب ودون مراعاة احتياجاتهم المائية وهو ما يتطلب قيام حكومة كل من مصر والسودان التحرك على كافة المستويات من أجل الحفاظ على هذا المصدر الحيوى للحياة بهما خاصة حال قيام إثيوبيا بإنشاء مشروعات أخرى دون الرجوع لدولتى المصب.

ومع الفشل الواضح من قبل المنظمات الدولية والإقليمية فى تسوية النزاع والخروج باتفاق ملزم لكافة الأطراف بشأن سد النهضة، فمن الواضح أن الأمور تتجه صوب استمرار الأزمة العالقة وتوحشها فى منطقة حوض النيل حال اتخاذ أي دولة من دول المنابع ذات الإجراء مستندة على الدعم الدولى وتوازن القوى فى إطار عالم متعدد القطبية وحرب باردة جديدة متعددة الأطراف هذه المرة.

[1]بعد الخطوة الإثيوبية… ماهى فرص التفاوض بشان سد النهضة؟، بتاريخ 14 يناير  2022 على الرابط:

https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1493333

[2]اثيوبيا تستعد للملء الثالث لسد الهضة .. وتبدأ بــ “خطوة كبرى”،  فى 13 يناير 2022 على الرابط

https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1493315

[3]آبي أحمد يدعو الاثيوبيين لتقبل القرار الصادم ،9 / 1 / 2022

https://al-ain.com/article/abiy-decision-releaseprisoners-toensure

[4]بسبب تيجراى.. لجنة جائزة نوبل  تنتقد رئيس وزراء إثيوبيا ، 13 يناير 2022

https://www.skynewsarabia.com/world/1493242

[5]الأمم المتحدة: إقليم تيجراى الإثيوبيى على شفا كارثة إنسانية فى 14 يناير 2022

https://www.youm7.com/story/2022/1/14/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%89-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B4%D9%81%D8%A7-%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%AB%D8%A9-%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9/5618346

[6]اثيوبيا تخطط لبناء 71 مشروعاً للطقاة الكهربائية بتكلفة 40 مليار دولار

https://al-ain.com/article/ethiopia-power-1

د. محمد فؤاد رشوان

رئيس برنامج الدراسات الأفريقية، الباحث حاصل على دكتوراه الفلسفة فى الدراسات الأفريقية من جامعة القاهرة، وكان يعمل مساعداً رئيس تحرير مجلة الشئون الأفريقية خلال الفترة من 2013 – 2018، وعضو مؤسس فى رابطة التواصل الأفريقي، ومحاضراً لدى مكتب الاتحاد الأفريقي بالقاهرة خلال الفترة من 2015 وحتى تاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى