الديمقراطية التكنولوجية.. ساحة معركة جديدة بين واشنطن وبكين

في توافق نادر داخل الكونجرس الذي يشهد عادة انقساماً، يستعد مجلس الشيوخ لتمرير مشروع قانون رئيسي من شأنه ضخ مئات المليارات من الدولارات في العلوم والتكنولوجيا في محاولة للتغلب على الصين، حيث قدم مجلس الشيوخ الأمريكي يوم الخميس 27 مايو الجاري حزمة شاملة من التشريعات بموافقة الحزبين الديمقراطي والجمهوري تهدف إلى تعزيز قدرة البلاد على التنافس مع التكنولوجيا الصينية وذلك في إطار جهود الكونجرس نحو اتخاذ موقف متشدد ضد بكين، وقد صوت أعضاء مجلس الشيوخ بأغلبية 68 صوتًا مقابل 30 لإنهاء النقاش حول قانون المنافسة والابتكار الأمريكي لعام 2021 أو USICA الذي تبلغ قيمته حوالي 250 مليار دولار  في خطوة كادت تقترب من التصويت النهائي لكن تم إرجاءها إلى 6 يونيو  القادم.

وفي سياق ما سبق، يحاول هذا التحليل تسليط الضوء على حيثيات قانون الابتكار والمنافسة في الولايات المتحدة لعام2021، الظروف التي أدت إلى رغبة المشرعين الأمريكيين في التصدي  للصين لاسيما أزمة النقص الحاد في أشباه الموصلات، وكيف ركزت إدارة “بايدن” جهودها خلال الفترة الأخيرة للفوز في حربها التكنولوجية مع الصين، وحدود تأثير مشروع القانون على الصين في حالة إقراره.

القانون والمنافسة في الولايات المتحدة لعام 2021:

يسعى قانون الابتكار والمنافسة في الولايات المتحدة لعام 2021 The US Innovation and Competition Act وهو تشريع واسع النطاق من المتوقع أن يكلف حوالي 250 مليار دولار- إلى التصدي للنفوذ العالمي المتزايد لبكين، ويمكن التطرق لأبرز بنود التشريع في النقاط التالية:

(*) تعديل قانون الحدود اللانهائية: Endless Frontier Act  يعد قانون الابتكار والمنافسة في الولايات المتحدة، تعديل بديل لقانون الحدود اللانهائية، قدمه زعيم الأغلبية الديمقراطي في مجلس الشيوخ “تشاك شومر”، والسناتور الجمهوري ” تيد يونج” في 17 مايو 2021، لكنه نسخة أكبر مؤلفة من 1445 صفحة، عبارة عن حزمة تشريعية تضم ستة مقترحات للتعامل مع التحدي التنافسي من الصين، و تشمل الأجزاء المكونة لمشروع القانون حاليًا قانون الحدود اللانهائية، وقانون المنافسة الاستراتيجية، وقانون مواجهة التحدي الصيني، ومجموعة من المقترحات من لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية، واللجنة القضائية ولجنة الصحة والتعليم والعمل والمعاشات، حيث يعكس نطاق مشروع القانون، الجبهات العديدة في التنافس بين الولايات المتحدة والصين، فضلاً عن الحاجة الملحة لنقص أشباه الموصلات العالمي الذي أضر بصانعي السيارات ومصنعي الأجهزة المنزلية ومنتجي الهواتف.

(*) أبرز البنود: يتيح المقترح حوالي 190 مليار دولار لمخصصات تعزيز التكنولوجيا الأمريكية بشكل عام، من بينها منح 81 مليار دولار للمؤسسة الوطنية للعلوم من السنة المالية 2022 إلى السنة المالية 2026، ودعم وزارة الطاقة بمبلغ 16.9 مليار دولار خلال نفس الفترة للبحث والتطوير وسلاسل التوريد المتعلقة بالطاقة في مجالات التكنولوجيا الرئيسية، و10 مليارات دولار لبرنامج أنظمة الهبوط البشري التابع لوكالة ناسا، بالإضافة إلى 54 مليار دولار على وجه التحديد لزيادة إنتاج أشباه الموصلات والرقائق الدقيقة ومعدات الاتصالات.

(*) عرقلة جمهورية: سعى مجلس الشيوخ نحو إقرار الإجراء البالغ 250 مليار دولار يوم الخميس، لكنه تأخر بسبب الخلاف السياسي الحزبي حول مقدار الوقت المسموح به للنظر في التعديلات وأية تعديلات سيتم التصويت عليها، حيث صرح زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر يوم الجمعة 28 مايو إن مجلس الشيوخ سيستأنف النظر في حزمة التشريعات التي تستهدف تعزيز قدرة البلاد على التنافس مع التكنولوجيا الصينية في 8 يونيو القادم.

أزمة الرقائق الالكترونية:

يبدو أن المخاوف المتزايدة بشأن تعطل إمدادات الرقائق، بالإضافة إلى تقلص حصة أمريكا في سوق تصنيع الرقائق قد فرضت على إدارة بايدن التركيز على هذه المسألة، ويمكن تتبع أبرز ملامح هذه الأزمة على النحو التالي:

(&) الأسباب الفعلية: بدأت مشكلة نقص الرقائق الالكترونية في الظهور بين الأسواق العالمية العام الماضي مع زيادة الطلب عليها في صناعة الالكترونيات، حيث أدت جائحة كورونا وفرض إجراءات الإغلاق والعمل من المنزل إلى ارتفاع الطلب على الرقائق المستخدمة في الالكترونيات مثل أجهزة اللاب توب والهواتف، وجراء ذلك تأثرت صناعة السيارات التي عادت إلى العمل بعد توقفها أثناء الجائحة، كما ساهمت العقوبات الأميركية على الشركات الصينية في التأثير على سلاسل الإمداد للرقائق الإلكترونية، مما أضعف قدراتها الإنتاجية، بالإضافة إلى احتكار عدد من الشركات صناعة أشباه الموصلات هذه الصناعة، حيث تستحوذ شركة ” TSMC” في تايوان وشركة سامسونج في كوريا على النصيب الأكبر من هذه الصناعة، وتسيطر على حوالي 81% من مسابك إنتاج أشباه الموصلات العالمية.

(&) تراجع التصنيع في الولايات المتحدة: انخفضت حصة أشباه الموصلات والإلكترونيات الدقيقة المصنعة في الولايات المتحدة في العقود الأخيرة، ففي حين أن الولايات المتحدة مثلت 37٪ من قدرة تصنيع أشباه الموصلات العالمية في عام 1990، إلا أن 12٪ فقط من أشباه الموصلات تُصنع في الولايات المتحدة اليوم.

(&) تضرر قطاع السيارات: أثر النقص العالمي الحاد في الرقائق على صناعة السيارات في الولايات المتحدة، وهي قطاع ضخم وحيوي من الاقتصاد، حيث اضطرت العديد من شركات السيارات إلى إغلاق مجموعة من المصانع في أمريكا الشمالية مؤقتًا، على سبيل المثال أعلنت شركة فورد الأميركية ثاني أكبر منتج للسيارات في الولايات المتحدة، إغلاق ثلاثة مصانع لها في البرازيل، كما أعلنت في مارس 2021 أنها ستتوقف عن العمل في مصنع التجميع في أوهايو، بينما سيعمل مصنع كنتاكي للشاحنات في لويزفيل مرتين فقط من ثلاث نوبات، وفي ابريل 2021 أعلنت الشركة عن سلسلة جديدة من إغلاق المصانع بسبب نقص رقائق أشباه الموصلات العالمي، وتشمل أحدث الإجراءات خمسة مصانع في الولايات المتحدة وواحدا في تركيا.

استراتيجية واشنطن في مواجهة التكنولوجيا الصينية:

لقد حدد المسئولون في إدارة بايدن ضرورة تعزيز البحوث الأمريكية وتصنيع التكنولوجيا نظراً لأهميتها البالغة في الحفاظ على مصالح الأمن القومي والاقتصادي للولايات المتحدة، وفي سياق ذلك تناولت استراتيجية واشنطن تجاه بكين التحرك على عدد من الجبهات، على النحو التالي:

  • بناء التحالفات: تتضمن سياسة الولايات المتحدة من أجل تطوير مجال أشباه الموصلات تشكيل تحالفات وزيادة مشاركتها الدبلوماسية مع عدد من الدول، وفي سياق ذلك ستتعاون الولايات المتحدة واليابان في سلاسل التوريد للمكونات الحيوية مثل أشباه الموصلات من أجل خلق نظام لا يتركز فيه الإنتاج في مناطق معينة مثل تايوان، بالإضافة إلى ذلك تحاول الولايات المتحدة إخراج الصين من المعادلة من خلال إعادة تصميم آليات عمل صناعة الرقائق في العالم في مواجهة الصين الصاعدة، لاسيما في ظل تنافس الصين بشكل فعال على الفضاء الدبلوماسي حول العالم، من اجل تعزيز المصالح الصينية وتقيد جهود أمريكا لتحقيق أهدافها ، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
  • توفير حزم اقتصادية وخطط إنقاذ: في فبراير، وقع بايدن أمرًا تنفيذيًا يتضمن مراجعة لسلسلة توريد أشباه الموصلات لتحديد المخاطر، وكجزء من حزمة تحفيز اقتصادي بقيمة 2 تريليون دولار، تم تخصيص 50 مليار دولار لتصنيع وأبحاث أشباه الموصلات، وبالتزامن مع ذلك أعلنت شركة إنتل الأمريكية الشهر الماضي عن خطط لإنفاق 20 مليار دولار لبناء مصنعين جديدين للرقائق وقالت إنها ستعمل كمسبك، ويمكن أن يوفر هذا بديلاً محليًا ل TSMC وSamsung الشركتان الآسيويتان.
  • طرح تشريعات: من أجل دعم التنفيذ السريع لشروط أشباه الموصلات المدرجة في قانون تفويض الدفاع الوطني NDAA للسنة المالية 2021، يوفر مشروع قانون يعرف باسم قانون CHIPS for America، 52 مليار دولار من الاعتمادات التكميلية الطارئة لتنفيذ عدد من البرامج تستهدف تشجيع تطوير قدرات تصنيع أشباه الموصلات المحلية وضمان أن تظل الولايات المتحدة في طليعة الصناعة من خلال البحث والتطوير، وتتضمن تلك البرامج إنشاء برنامج حوافز تابع لوزارة التجارة لتقديم المساعدة المالية لبناء أو توسيع أو تحديث تصنيع أشباه الموصلات التجارية وتجميعها واختبارها وتغليفها المتقدم ومنشآت البحث والتطوير في الولايات المتحدة، إلى جانب توفير الدعم لصناعة الإلكترونيات الدقيقة المحلية بما في ذلك برامج البحث والتطوير الجديدة في وزارة الدفاع، بالإضافة إلى إنشاء صندوق متعدد الأطراف لأشباه الموصلات لدعم اعتماد سلسلة توريد آمنة لأشباه الموصلات ومواءمة أكبر للرقابة على الصادرات والسياسات الأخرى ذات الصلة بين البلدان الشريكة.
  • توسيع قائمة حظر الشركات الصينية: في شهر إبريل 2021، أعلنت وزارة التجارة الأمريكية إضافة سبعة كيانات صينية فائقة الحوسبة إلى القائمة السوداء الاقتصادية الأمريكية بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي، حيث تم إدراج الكيانات السبعة في القائمة السوداء بسبب مشاركتها إما في بناء أجهزة كمبيوتر عملاقة تستخدمها الجهات العسكرية الصينية، أو مشاركتها في جهود التحديث العسكري المزعزعة للاستقرار أو برامج أسلحة الدمار الشامل، وتضم قائمة الشركات تيناجين فيتوم إنفورميشن تكنولوجي، ومركز شنغهاي لتصميم الدوائر المتكاملة عالي الأداء، و صن واي ميكروإلكترونيكس، و مركز جينان الوطني للحوسبة الفائقة، و مركز شينشن الوطني للحوسبة الفائقة، ومركز واكسي الوطني للحوسبة الفائقة.

في النهاية يمكن القول، إن محاولة أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين، وعلى رأسهم زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ “تشاك شومر”، للترويج لمشروع “قانون المنافسة والابتكار الأمريكي لعام 2021 “USICA- جاءت من منطلق أن هذا القانون يمنح أمريكا ميزة تنافسية من خلال المساعدة في تطوير شبكات 5G وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، في إطار المنافسة الاستراتيجية التي تخوضها الولايات المتحدة مع الصين.

كما أنه رغم أهمية القانون التي يعتبرها أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين بأنها ميزة تنافسية، فإن  الأعضاء الجمهوريون يستمرون في تقديم وابلًا من التعديلات، مما يعكس رغبة الحزب المتزايدة في جعل مشروع القانون أكثر صرامة تجاه الصين، والتي قد يجدها الديمقراطيون إشكالية، على سبيل المثال دفع السناتور ماركو روبيو (جمهوري من فلوريدا) بسلسلة من التغييرات التي يقول إنها ستضمن أن الأبحاث والتكنولوجيا الممولة بالدولار الأمريكي لن تفيد الشركات الصينية في النهاية، كذلك بالحديث عن حدود تأثير هذا القانون على الصين، من المرجح ان يحمل تأثير محدود للغاية لاسيما في ظل التحركات الصينية من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي بدلاً من الاعتماد على أطراف أجنبية، فعلى مدى السنوات القليلة الماضية حاولت الصين تعزيز صناعة أشباه الموصلات من خلال ضخ استثمارات ضخمة وحوافز مثل الإعفاءات الضريبية، كما أن الصين جعلت التطور التكنولوجي أولوية وطنية في الخطة الخمسية الرابعة عشر التي طرحت في مارس، وفي إطار ذلك استثمر الحزب الشيوعي الصيني أكثر من 150 مليار دولار في تصنيع أشباه الموصلات من أجل  التحكم في هذه التكنولوجيا الرئيسية.

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى