بعد تعثر نتائج زيارة ” لودريان”.. هل تنجح الضغوط الفرنسية في الخروج بحكومة في لبنان؟

جاءت أحداث انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس2020، لتزيد من تعقيد الأوضاع الداخلية في لبنان، ذلك أن تداعيات الانفجار بدأت تتبلور تِباعًا عبر تغيير المشهد السياسي في هذا البلد، وذلك من خلال استقالة حكومة “حسن دياب” في 10 أغسطس 2020، ولم يتمكن رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري من تشكيل حكومة حتى تاريخه، بالإضافة إلى تعميق حجم الأزمة الاقتصادية، فضلاً عن إسهام انفجار المرفأ في توسيع حجم التدخل الخارجي في إدارة شؤون لبنان الداخلية.

ومن ثم أسفرت أحداث الانفجار في إرساء مجموعة من الانعكاسات الاقتصادية والسياسية، وفي هذا السياق، يتجلى التنافس الدولي والاقليمي الواضح بين الدول الكبرى على الاستفادة من الانفجار في تعزيز نفوذها في المنطقة، منها فرنسا،  التي تتميز بوجود شعبية في الداخل اللبناني؛ نتيجة لسياسة الحياد التي تبنتها تجاه جميع الفصائل اللبنانية، كما عزز حضورها في المشهد اللبناني سرعتها في المبادرة إلى تقديم المساعدة على مختلف الأصعدة، وهذا كان واضحًا عند زيارة الرئيس الفرنسي، ماكرون لبيروت في 6 أغسطس 2020، حيث ردد مطالب التغيير وأعلن عن تعهد فرنسا بدعم لبنان، والقيام بالعديد من الإصلاحات العميقة، وقد يقرأ هذا الدور على أنه محاولة من فرنسا في استعادة حضورها في ملفات الشرق الأوسط من خلال لبنان.

تحركات فرنسية:

تعد فرنسا من أوائل الدول الأوروبية التي أدانت بشكل رسمي تفجيرات مرفأ بيروت، وأعلنت عن دعمها الكامل للشعب اللبناني في مواجهة الأزمة، وهو ما تجلى في تصريحات وزير الخارجية الفرنسي “لو دريان” لوسائل الإعلام الفرنسية عقب الانفجار، حيث صرح بأن “ما حصل في لبنان كارثة كبرى أصابت بلدًا شقيقًا، لبنان بمثابة العائلة لفرنسا التي تشاطره الحداد والمعاناة، في الشدائد الأصدقاء يكونون هنا ونحن هنا”.

وفي سياق متصل، بادرت فرنسا بإرسال ثلاث طائرات لمساعدة بيروت في عمليات البحث والإنقاذ للضحايا في مناطق التفجير، كما شملت الطائرات عيادة طبية متحركة بإمكانها معالجة 500 جريح، كما قام الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بزيارة بيروت يوم 6 أغسطس2020_كما تم الاشارة سابقًا_ ولم يكتف بلقاء مسؤولي الحكومة والبرلمان اللبناني والنخب السياسية فحسب، بل قام أيضًا بزيارة المناطق المنكوبة والتواصل بطريقة مباشرة مع المتضررين واحتضانهم، بالإضافة إلى إعلانه أمام جميع المواطنين بأن أموال المساعدات ستذهب للمتضررين مباشرة وليس للحكومة بأقصى قدر من الكفاءة والشفافية”، في إشارة إلى عدم ثقة المجتمع الدولي في الحكومة اللبنانية.

وفي نفس الاطار، قادت فرنسا تنسيق المساعدات الدولية الموجهة للبنان، وهو ما انعكس في مؤتمر باريس لدعم لبنان الذي تم انعقاده 9 أغسطس 2020، ذلك بمبادرة من فرنسا والأمم المتحدة من أجل تحريك مساعدة طارئة للبنان، وقد أسفر عن تعهد الدول والمنظمات المشاركة فيه بتقديم نحو 253 مليون يورو على المدى القصير لمساعدة الشعب اللبناني، ودعا المشاركون بالمؤتمر السلطات اللبنانية إلى البدء سريعًا بالإصلاحات.

فرنسا وأطراف الأزمة اللبنانية:   

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارته الثانية لبيروت في أول سبتمبر 2020، أن القوى السياسية اللبنانية تعهدت بإنجاز المهمة في غضون أسبوعين، وقد كان حريصاً على توجيه رسائل تحذيرية لتلك القوى مفادها أن فرنسا قد تقدم على ممارسة ضغوط عليها ربما تصل إلى حد مصادرة أموال وفرض عقوبات في حالة التقاعس عن إجراء إصلاحات حقيقية خلال ثلاثة شهور.

وفي إطار الضغوط الفرنسية لإحداث اختراق وإقناع السياسيين اللبنانيين بضرورة التوافق على تشكيل حكومة جديدة- أعلن وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان في أبريل الماضي أن بلاده فرضت قيودا على دخول شخصيات لبنانية تعتبر مسؤولة عن تدهور الوضع الداخلي اللبناني سواء السياسي أو الاقتصادي أو الأمني، لكن لم يتم حتى الآن الإعلان عن هوية الشخصيات أو ماهية القيود، في محاولة فرنسية لإبقاء التهديد قائما على مجمل الطبقة السياسية اللبنانية.

كما قام لودريان أيضًا، الخميس 6 مايو الجاري، بزيارة إلى لبنان للقاء الرئيس اللبناني، العماد ميشال عون، ذلك في محاولة من باريس للضغط على المسؤولين اللبنانيين من أجل إنجاح جهود تشكيل حكومة. فقد صرح لورديان قُبل زيارته للبنان، الأربعاء 5 مايو الجاري بالتضامن التام مع اللبنانيين، موجها بذلك رسالة شديدة اللهجة إلى المسؤولين السياسيين، وفي دلالة على استعداد باريس لممارسة أقصى ضغط. وفي سياق متصل أكد لورديان بأن فرنسا ستتعامل بحزم مع الذين يقومون بتعطيل تشكيل الحكومة، بالإضافة إلى أنها ستقوم باتخاذ تدابير وطنية، ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد.

 وفي المقابل،  أفادت الرئاسة اللبنانية أن الرئيس عون قد أكد لوزير خارجية فرنسا أن هناك أولوية قصوى لتشكيل حكومة جديدة تحظى بثقة مجلس النواب، ذلك في إشارة منه إلى أن لبنان ستواصل بذل الجهود للوصول إلى نتائج عملية، بالرغم من العوائق الداخلية والخارجية، وعدم تجاوب المعنيين باتباع الأصول الدستورية والمنهجية المعتمدة في تأليف الحكومات.  وفيما يتعلق بالمسار الذي يراه عون للإصلاح، قد أشار أيضًا إلى أن الإصلاحات المتعلقة بالتدقيق المالي الجنائي تشكل البند الأول في المبادرة الفرنسية التي تم إعلانها في سبتمبر 2020، وأن تحقيقها أمر أساسي للنهوض بلبنان واستعادة ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي.

وفي إطار الجهود الفرنسية للتنسيق بين أطراف الأزمة اللبنانية  “القوى التغييرية”، التقى لورديان أيضًا رئيس مجلس النواب وزعيم تيار أمل، نبيه بري، كما اجتمع بزعيم تيار المستقبل ورئيس الوزراء المكلف سعد الحريري، وفي سياق متصل أفادت مصادر إعلامية أنه _ وزير خارجية فرنسا_ قد طلب لقاء جبران باسيل، رئيس التيار الوطني الحر، حيث يخضع باسيل لعقوبات أمريكية بسبب “مزاعم فساد” وعلاقاته بحزب الله، كما يتم النظر إلى التيار الوطني الحر، والتيارات المتحالفة معه، على أنه لاعب هام في السياسية اللبنانية، وأنه لا يمكن الوصول إلى تشكيلة حكومية مستقرة دون موافقته، خاصة في ظل انتماء رئيس الجمهورية لهذا التيار. كما ” وزير الخارجية الفرنسي” ممثلين عن مجموعات معارضة ممن شاركت في حركة الاحتجاجات غير المسبوقة التي شهدتها لبنان في عام 2019 واستمرت لعدة أشهر، للمطالبة برحيل الطبقة السياسية كافة، ذلك لمعرفة رؤاهم واتجاهاتهم وتشجيعهم بقوة على خوض الانتخابات النيابية المقبلة في موعدها بلوائح متضامنة ومتحالفة وموحدة حتى يتحقق التغيير الانتخابي الديموقراطي في مواجهة الطبقة السياسية.

صراع بالوكالة:

ومع ذلك، يبدو أن هناك افتراضاً فرنسيًا دولياً قوياً بأن وجود فراغ سياسي أو تدهور أمني سيعود بالفائدة على “حزب الله”؛ ومن هنا جاءت الجهود الدولية الفرنسية للدفع باتجاه تشكيل حكومة شرعية من أجل تجنب الفراغ المؤسسي الذي طال أمده، ومن ناحية أخرى، ينبغي الضغط على من يتحكمون بالسلطة في لبنان لقبول حكومة غير حزبية ذات شخصيات تتمتع بمصداقية عالية وبسلطات تشريعية محدودة لإدارة آثار الانفجار وقيادة المرحلة الانتقالية الحالية بهدف أساسي هو تنظيم انتخابات مبكرة على أساس قانون انتخابي تم إصلاحه، وفي نفس السياق، ينبغي أن تكون هذه الحكومة قادرة على اتخاذ بعض التدابير الأساسية لتحسين الوضع الاقتصادي والسماح بالوصول التدريجي إلى الحسابات المصرفية للناس أثناء التفاوض على حزمة مساعدات شاملة مع صندوق النقد الدولي.

 ونظراً لتأزم الأوضاع في منطقة البحر المتوسط، واشتداد الصراع بدءاً من طرطوس وانتهاءً بطرابلس ليبيا، فقد يصبح لبنان قبلة جديدة للصراع بالوكالة في المنطقة، نظرًا لرغبة كل دولة من الدول فرض نفوذها، للحفاظ على مصالحها في المنطقة، خاصة فرنسا في ظل غياب الدور الإيراني رغم قربه وتأثيره من حزب الله في الداخل اللبناني، وذلك قد يكون نتيجة التدهور الاقتصادي الذي تعانيه إيران من جراء العقوبات التي فرضتها عليها الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى التأثيرات التي خلفها تفشي فيروس كورونا فيها في مطلع العام الجاري وإعلانهم عدم القدرة على السيطرة عليه.

وقد كانت استقالة الحكومة اللبنانية بقيادة “حسان دياب” بمثابة خطوة نحو إضعاف النفوذ الإيراني الذي تنامى في السنوات الماضية، ومحاولة كسر العزلة العربية والدولية عليها وإعادتها لحلفائها الخليجيين والأوروبيين، فضلًا عن ذلك تريد فرنسا أيضًا تحجيم النفوذ التركي، فبالرغم من كون النفوذ التركي في لبنان محدودًا، إلا أن فرنسا تسعى لمنع تنامي أي دور لتركيا هناك، خاصة مع التوترات الحالية بين بينهما _باريس وأنقرة_ بشأن ليبيا، والخوف من الطموحات التركية في شرق المتوسط للتنقيب عن النفط والغاز.

وفي النهاية، بالرغم من إعلان الرئيس اللبناني “عون” بأن زيارة وزير الخارجية الفرنسي “لورديان” لم تؤت بثمارها، وأن المباحثات بين الجانبين قد تعثرت، إلا أن هناك محاولات فرنسية مستمرة، تعلق بتأسيس نظام انتخابي في لبنان من خلال تشكيل الحكومة بأي شكل يسمح بالتدرج من الطائفية إلى المواطنة ستظل قائمة، وذلك في محاولة لإحداث اختراق في المشهد السياسي الداخلي، وضمان حدوث تغييرات في بنية النظام السياسي اللبناني، حيث بدأت فرنسا بالفعل بسلسلة من التدابير والاجراءات والخطوات التصعيدية ضد عدد من المسؤولين والسياسيين اللبنانيين ممن يعرقلون العملية الانتخابية.

نداء السيد حسن محمد

نائب رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي . حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومه في الدراسات الأفريقية، وماجستير العلوم السياسية من جامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى