أين توقف الدور الفرنسي في الأزمة اللبنانية؟

كانت فرنسا أول دولة أوروبية أعلنت إدانتها رسميًّا تفجيرات مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020، وإعلان دعمها الكامل للشعب اللبناني في مواجهة تلك الأزمة، وهو ما عكس حجم اهتمامها المتزايد بالتطورات في لبنان، فضلاً عن سعيها الدائم باستكمال لما بدأته منذ سنوات من محاولات لإصلاح الأوضاع الاقتصادية الداخلية في لبنان كجزء من سياستها العامة تجاه هذا البلد، بالرغم من كافة الترتيبات والمبادرات والضغوط الدولية التي مارستها باريس على السياسيين اللبنانيين إلى دفع عجلة تشكيل الحكومة لانتشال لبنان من الأزمة الغارقة، إلا أنها لم تنجح حتى هذه اللحظة في تنفيذ خارطة الطريق المرجوة حتى يتم تحقيق الاستقرار على كافة المستويات للبنان.

تأسيساً على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى إلقاء الضوء على الترتيبات الفرنسية التي سعت من خلالها باريس منذ أزمة انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020 إلى دعم استقرار الوضع الداخلي في لبنان، فضلاً عن استعراض مجموعة العوامل التي أدت إلى عدم نجاح تلك الترتيبات المبذولة من قبل الجانب الفرنسي في تحقيق مساعيها المستمرة.

الترتيبات الفرنسية:

كانت فرنسا أول من سارعت بتوجيه المساعدة للبنان عقب أزمة انفجار مرفأ بيروت 4 أغسطس 2020، ذلك من خلال مجموعة من الترتيبات، يمكن رصدها على النحو التالي:

(*) مؤتمر باريس لدعم لبنان في 9 أغسطس2020: تم هذا المؤتمر بقيادة فرنسا بمساعدة من الأمم المتحدة من أجل تنسيق المساعدات الدولية التي تم توجيهها للبنان عقب أزمة انفجار مرفأ بيروت مباشرة، وقد أسفر عن هذا المؤتمر مساعدات دولية مقدرة بنحو 253 مليون يورو.

(*) خارطة الطريق المقترحة في سبتمبر 2020: تتضمن وجود حكومة منتخبة تقوم باتخاذ خطوات عاجلة لمعالجة الفساد، بالإضافة إلى إمكانية تطبيق إصلاحات حتى يتم إطلاق العنان للمساعدات الدولية المقدرة بمليارات الدولارات.

(*) مؤتمر صحفي في 10 يونيو 2021: تم الإعلان اثر هذا المؤتمر عن إنشاء نظام “تحت قيود دولية”، ذلك لضمان استمرار الخدمات العامة في حال استمر غياب الحكومة في لبنان التي تنهار مع استمرار الأزمة الاقتصادية والسياسية.

(*) المؤتمر الدولي الذي تم انعقاده في 17 يونيو الماضي: يتمثل الهدف من هذا المؤتمر بشكل أساسي في تقديم “مساعدة عاجلة” للمؤسسة العسكرية لتجنب انهيارها.

(*) المؤتمر الدولي لمساعدة لبنان 4 أغسطس 2021: قام هذا المؤتمر بإحياء الذكرى الأولى لانفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس2020، وقد تعهدت الدول المشاركة في هذا المؤتمر الذي قامت بتنظيمه فرنسا والأمم المتحدة عبر الإنترنت، بتقديم نحو 370 مليون دولار كمساعدات للبنان، الذي يعاني من أسوأ أزماته الاقتصادية، داعية الى تشكيل حكومة تنكب على “إنقاذه”.

محاولات مستمرة:

مما سبق، نجد أن بالرغم من كل الجهود والترتيبات المبرمة من الجانب الفرنسي في الآونة الأخيرة، إلا أنه لا يزال الوضع مستمرا في الانزلاق إلى الهاوية في لبنان، ومن ناحية أخرى لم تؤد الضغوط الدولية التي قامت بممارستها فرنسا على السياسيين اللبنانيين إلى دفع عجلة تشكيل الحكومة، بالتالي يمكن التطرق إلى العوامل التي أدت إلى عدم نجاح الترتيبات الفرنسية في مساعيها لاستقرار الوضع الداخلي للبنان، وذلك على النحو التالي:

(&) الفجوة بين النفوذ المفترض والتأثير الواقعي لفرنسا في المشهد اللبناني: تأتي تلك الفجوة جراء ضعف تطبيق العقوبات من الجانب الفرنسي على المسئولين السياسيين المرتشين والذين تم توجيه الاتهام لهم بالاحتيال من خلال الشعب اللبناني، حيث لم يتم في الآونة الأخيرة إلا فتح تحقيق ضد حاكم المصرف المركزي اللبناني، “رياض سلامة”، ومن ثم ستسعى باريس لفرض عقوبات مشتركة مع الولايات المتحدة وبريطانيا، بالإضافة إلى أنها ستعمل من خلال الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات بمشاركة دول راغبة بذلك مثل ألمانيا، في حال عجز الاتحاد عن الاتفاق على سياسة موحدة إزاء لبنان، خاصةً في ظل السعي الفرنسي بإجراء الانتخابات التشريعية العام القادم في موعدها، مع إمكانية أن تكون مدخلاً لتجديد الطبقة السياسية.

(*) كيفية تعامل باريس مع حزب الله: يعد التعامل مع “حزب الله” الحلقة الأصعب، ذلك نظراً لقدرته على التأثير في المشهد السياسي الداخلي وبسبب ارتباطاته الخارجية، خاصةً بإيران، حيث احتفظت الدبلوماسية الفرنسية بعلاقة وثيقة مع الحزب، ورفضت التلويح بوضعه على لائحة المنظمات الإرهابية مثلما فعلت عدة أطراف أوروبية كبريطانيا وهولندا والدنمارك وغيرها، هذا على اعتبار أنه حزب سياسي له حضوره في البرلمان ويتعين العمل معه، ومن هنا بجد بأن باريس لم تأخذ بعين الاعتبار “بشكل كافٍ” تعقيدات المشهد السياسي الداخلي اللبناني.

 (*) عدم القدرة على توفير الغطاء العربي والإقليمي والدولي: يتمثل أحد الأسباب التي أدت إلى وصول خارطة الطريق المقترحة من باريس إلى طريق مسدود في عدم توفير الأدوات التي من شأنها تقوم بتسهيل مهمتها الإنقاذية، بالرغم من أنها كانت الوحيدة التي تتحرك بشكل مكثف من أجل إحداث تغيير ملموس، بالإضافة إلى القناعة التي كانت سائدة في وقت من الأوقات أن أنها وحدها _باريس_ قادرة على إحداث هذا التغيير المطلوب، فضلاً عن انقسام المجتمع الدولي حول الشأن اللبناني، خاصةً اختلاف أجندة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا عن فرنسا، فعلى سبيل المثال تعتبر واشنطن حزب الله حزبا إرهابيا وهو ما لا تعترف به فرنسا _كما تم الإشارة سابقاً_، وفي سياق متصل فإن روسيا ليس من مصلحتها نجاح المبادرة والترتيبات الفرنسية لأن لها أطماع اقتصادية متمثلة بالأساس في استثمارات تتعلق الغاز، كما أنها قامت باستثناء تركيا من جهودها الدولية لحشد الدعم، بالرغم من أن أنقرة تلعب دورا فاعلا في المنطقة.

وفي النهاية، يمكن القول إنه قد حان الوقت من أجل عمل مراجعة معمقة وشاملة لمسار المبادرة الفرنسية “المتمثلة في خارطة الطرق المقترحة” منذ انطلاقها وحتى هذه اللحظة وللأسباب التي آلت إلى إخفاقها، بالرغم من أنها كانت “مبادرة إنقاذية” قائمة على أسس واضحة ومحددة، يتمثل هدفها الأوحد في منع انهيار لبنان، كما أنها لم تكن لتتطلب الكثير من التضحيات من الطبقة السياسية اللبنانية، حيث أنها كانت مكتفية بالدعوة إلى تشكيل حكومة تستطيع كسب ثقة الأطراف الدولية والقيام بمجموعة من الإصلاحات، بالتالي، فإن فشل تلك المبادرة والترتيبات الفرنسية يرجع إلى السياسيين اللبنانيين أنفسهم الذين قاموا بإقحامها في تفاصيل اللعبة السياسية الداخلية وتشعباتها الخارجية، ولم يضعوا مصلحة الدولة اللبنانية فوق مصالحهم الشخصية.

نداء السيد حسن محمد

نائب رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي . حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومه في الدراسات الأفريقية، وماجستير العلوم السياسية من جامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى