توظيف المخزون: ماذا تبقى من قدرات حزب الله القتالية؟

أعادت التطورات العسكرية الأخيرة على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية طرح تساؤلات مهمة حول حجم القدرات العسكرية الفعلية التي ما زال حزب الله يمتلكها، وحدود القوة التي يستطيع الحزب توظيفها في أي مواجهة محتملة مع إسرائيل. فخلال السنوات الأخيرة، وخاصة بعد جولات التصعيد العسكري التي شهدتها المنطقة، ساد اعتقاد لدى بعض الدوائر الإسرائيلية والغربية بأن حزب الله تعرض لضربات قاسية أضعفت بنيته العسكرية والتنظيمية بشكل كبير، وأن قدرته على التأثير في موازين الصراع الإقليمي تراجعت بصورة ملحوظة.
غير أن عودة الحزب إلى تنفيذ عمليات صاروخية وإطلاق طائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل خلال الفترة الأخيرة أعادت فتح النقاش من جديد حول حقيقة ما تبقى من قوته العسكرية، ومدى قدرة هذه القوة على الاستمرار في الضغط على الجبهة الشمالية لإسرائيل. فقد أظهرت بعض التطورات الميدانية أن الحزب ما زال يمتلك أدوات عسكرية تمكنه من تنفيذ ضربات مؤثرة، وهو ما أعاد الجدل حول حجم ترسانته العسكرية الحالية، وطبيعة القدرات العملياتية التي ما زال يحتفظ بها، وحدود قدرته على تحمل مواجهة طويلة مع إسرائيل.
وتأسيساً على ما سبق، يحاول هذا التحليل الوقوف على حجم القدرات العسكرية التي يمتلكها حزب الله في الوقت الراهن، من خلال مقارنة حجم قوته قبل اتفاق وقف إطلاق النار وبين قدراته الحالية، إضافة إلى قراءة طبيعة رد الفعل الإسرائيلي على هذه الضربات، وتقييم حجم التهديد الذي ما زال الحزب قادراً على تشكيله في مواجهة إسرائيل.

القدرات العسكرية قبل وبعد هجمات مارس:
وفقاً لكتاب “حقائق العالم” الصادر عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، كان حزب الله يمتلك قبل اتفاق وقف إطلاق النار ما يقرب من 150 ألف صاروخ وقذيفة، تشمل صواريخ موجهة وغير موجهة، إلى جانب طائرات مسيّرة وصواريخ مضادة للدبابات والطائرات.
لكن جزءاً كبيراً من هذه الترسانة الضخمة تعرض للتدمير خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل، حيث نجحت إسرائيل في إضعاف قدرات حزب الله العسكرية من خلال تنفيذ ضربات نوعية استهدفت مقرات الحزب ومخازن الأسلحة التابعة له، وهو ما أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية والتنظيمية للحزب.
أما حجم عمليات حزب الله ضد إسرائيل في حربه الأخيرة، فيمكن القول إنه بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين حيز التنفيذ، أعلن حزب الله تفاصيل العمليات العسكرية التي نفذها ضد الاحتلال الإسرائيلي خلال فترة المواجهة.
فقد أعلن الحزب أن المقاومة نفذت ما يقرب من 4637 هجوماً، بمعدل يقارب 11 هجوماً يومياً منذ بداية حرب غزة وحتى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل.
وأسفرت هذه الهجمات، وفقاً للإعلام الإسرائيلي، عن مقتل 45 مدنياً و73 عسكرياً من الجانب الإسرائيلي. كما صرح حزب الله أن يوم 21 يونيو 2024 شهد واحدة من أكبر العمليات العسكرية التي نفذها ضد إسرائيل، حيث جرى استهداف العمق الإسرائيلي في ذلك اليوم بنحو 150 صاروخاً أطلقتها المقاومة من الأراضي اللبنانية.
وقد قدرت الأضرار التي لحقت بالممتلكات الإسرائيلية نتيجة هذه الهجمات بما لا يقل عن مليار شيكل إسرائيلي، نتيجة الخسائر التي لحقت بالمنازل والمزارع والمشروعات الزراعية، والتي طالت مساحات تقدر بنحو 55 ألف فدان.

تجدد الصراع وحدود التنسيق العملياتي مع إيران:
منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين في نوفمبر 2024، اعتقدت إسرائيل أنها نجحت في تدمير الجزء الأكبر من قدرات حزب الله العسكرية والتنظيمية. وعلى هذا الأساس واصلت تل أبيب تنفيذ عدد من العمليات العسكرية والغارات الجوية النوعية في مناطق مختلفة من لبنان، وعلى رأسها الضاحية الجنوبية لبيروت.
كما سعت إسرائيل إلى قطع خطوط الإمداد التي تربط حزب الله بإيران عبر الأراضي السورية، نظراً لأن دمشق كانت تمثل أحد أهم ممرات الدعم العسكري واللوجستي للحزب. ولم تكتفِ تل أبيب بذلك، بل مارست ضغوطاً سياسية على الحكومة اللبنانية مطالبةً بنزع سلاح حزب الله وإبعاده إلى ما وراء نهر الليطاني. غير أن التطورات الأخيرة أعادت خلط الأوراق من جديد، إذ صدم حزب الله العالم بإعلان دخوله في المواجهة واستعادة جزء من قدراته العملياتية من خلال إطلاق رشقات صاروخية استهدفت شمال إسرائيل، وهو ما أعاد الحزب إلى ساحة الصراع بصورة مباشرة.
على الجانب الآخر، صرح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بأن الهجمات التي تعرضت لها إسرائيل من الأراضي اللبنانية خلال الأسبوع الأخير كانت أكثر عدداً من تلك التي شنتها إيران نفسها.
ويشير هذا التصريح إلى أن التصعيد الأخير الذي نفذه حزب الله جاء مفاجئاً للعديد من التقديرات الإسرائيلية، خاصة أنه يعكس قدرة الحزب على إعادة تنظيم جزء من بنيته العملياتية بعد فترة من إعادة البناء والعمل السري.
كما أدى هذا التصعيد إلى إرباك حسابات الجيش الإسرائيلي، الذي بات يواجه جبهة شمالية لا تزال قادرة على تنفيذ عمليات مؤثرة. ومنذ إعلان الحزب دخوله في الحرب، نفذ مجموعة من العمليات العسكرية التي استهدفت مناطق مختلفة في شمال إسرائيل، مثل منطقة الجليل الأعلى ومدينة مجد الكروم وعدد من المواقع العسكرية الإسرائيلية في تلك المناطق.

تصعيد غير مسبوق:
بعد دخول حزب الله على خط المواجهة بشكل مباشر، قام جيش الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ غارات جوية عنيفة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت وعمق العاصمة اللبنانية.
كما طالت هذه الغارات مناطق لم تكن تُستهدف في السابق، مثل كورنيش بيروت، في محاولة واضحة لزيادة الضغط العسكري على الحزب وردع عناصر المقاومة في لبنان.
غير أن حزب الله رد على هذه الغارات بإعلان تنفيذ عملية أطلق عليها اسم “العصف المأكول”، والتي وصفها بأنها من أكبر العمليات العسكرية التي نفذها منذ انضمامه إلى الحرب.
فقد أعلن الحزب أنه أطلق نحو 100 صاروخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية، بالتزامن مع الهجمات الإيرانية التي استهدفت إسرائيل في التوقيت نفسه.
وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن هذه الهجمات الصاروخية أسفرت عن إصابة شخصين. وتحمل هذه العملية دلالات عسكرية مهمة تشير إلى أن حزب الله ما زال يمتلك قدرة عسكرية تمكنه من تنفيذ ضربات صاروخية واسعة النطاق، رغم الضربات التي تعرض لها خلال الفترة الماضية.
قدرات حزب الله العسكرية الحالية
وفقاً لما نشرته قناة i24 الإسرائيلية نقلاً عن معهد ألما البحثي الإسرائيلي، فقد نشر المعهد بيانات موثقة حول وضع أسلحة حزب الله وبنيته العسكرية الحالية.
وبحسب هذا التقرير، يقدر عدد الصواريخ التي يمتلكها الحزب حالياً بنحو 25 ألف صاروخ. وتتكون غالبية هذه الصواريخ من صواريخ قصيرة المدى يصل مداها إلى نحو 80 كيلومتراً مثل صواريخ كاتيوشا، إضافة إلى صواريخ متوسطة المدى يصل مداها إلى نحو 200 كيلومتر.
كما أشار التقرير إلى أن حزب الله لم يعد يمتلك سوى بضع مئات من الصواريخ الدقيقة والمتقدمة.
وفي المقابل، أصبحت الطائرات المسيّرة الانتحارية تمثل أحد الأعمدة الرئيسية في بناء القدرات العسكرية المستقبلية للحزب، حيث يقدر عددها بنحو ألف طائرة مسيّرة. أما على مستوى القوة البشرية، فيتراوح عدد عناصر الحزب بين 30 ألفاً و50 ألف مقاتل، بما في ذلك عناصر الاحتياط. وتعد وحدة الرضوان من أبرز وحداته القتالية، حيث تقدر أعداد عناصرها بنحو 5000 مقاتل موزعين على وحدات القتال والدعم والإدارة.

حدود قدرات حزب الله:
عند إجراء مقارنة بسيطة بين قدرات حزب الله قبل اتفاق وقف إطلاق النار وبين قدراته في الوقت الحالي، يتضح وجود تراجع ملحوظ في قدراته العسكرية والتنظيمية.
فعلى الرغم من العمليات العسكرية التي نفذها الحزب ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، فإن معظم هذه العمليات اعتمدت على صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وهي صواريخ لا تتمتع بقدرة تدميرية كبيرة مقارنة بالصواريخ بعيدة المدى والدقيقة.
وفي المقابل، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ غارات جوية عنيفة على مواقع الحزب، خاصة في الضاحية الجنوبية لبيروت. وبحسب وزارة الصحة العامة اللبنانية، فقد بلغ العدد الإجمالي للقتلى نتيجة الغارات الإسرائيلية منذ 2 مارس نحو 687 قتيلاً، إضافة إلى 1774 جريحاً.
كما طلب جيش الاحتلال الإسرائيلي من سكان أحد أحياء وسط بيروت إخلاء منازلهم تمهيداً لقصف المبنى، كما سبق أن وجه إنذارات مماثلة لسكان الضاحية الجنوبية.
ويبدو أن قدرة حزب الله على الصمود لفترة طويلة في هذه المواجهة قد تتأثر بعدة عوامل، من أبرزها: قطع جزء مهم من خط الإمداد بين إيران وحزب الله بعد تراجع الدور السوري في نقل الدعم العسكري للحزب. واستمرار تنفيذ الغارات الإسرائيلية على مواقع الحزب حتى بعد إبرام اتفاق وقف إطلاق النار، بهدف شل حركته وتقليص قدراته العسكرية. إضافة إلى اغتيال عدد من القيادات البارزة في الحزب الذين كانوا يمثلون ركائز أساسية في التخطيط العسكري وإدارة العمليات.
في النهاية، يمكن القول إنه على الرغم من محاولات إسرائيل خلال العامين الأخيرين تحجيم قوة حزب الله عبر استهداف مواقعه العسكرية وضرب مخازن الأسلحة التابعة له، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الحزب ما زال يمتلك قدراً من القوة العسكرية التي تمكنه من مواصلة الضغط على إسرائيل.
فالأحداث الأخيرة أظهرت أن الاستفزازات الإسرائيلية لم تمنع الحزب من الدخول مجدداً في المواجهة إلى جانب إيران، كما أكدت أن الحزب لا يزال يمثل أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة.
وبالتالي، فإن حزب الله يظل لاعباً عسكرياً مؤثراً في معادلة الصراع الإقليمي، حتى وإن كانت قدراته الحالية أقل مما كانت عليه قبل اندلاع المواجهات الأخيرة.

زياد مصطفى

زياد مصطفي- باحث في وحدة الدراسات المصرية بالمركز، الباحث حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية، مهتم بدراسات الشأن الإسرائيلي والنظام السياسي المصري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى