اختبار صعب: كيف يتحرك الاتحاد الأفريقي تجاه الصراع على السلطة فى تشاد؟

د. محمد فؤاد رشوان. خبير مشارك.

 أعلن الجيش التشادى الثلاثاء 20 ابريل 2021 مقتل الرئيس إدريس ديبى متأثرًا باصابته على الجبهه خلال معارك مع المتمردين شمال البلاد، وجاء مقتل الرئيس ديبى غداه إعلان فوزه بالانتخابات لولاية رئاسية سادسة، وكان ديبى يحكم تشاد عقب وصولة الى الحكم فى تشاد عقب تمرد قادة فى 1990 ولمدة 30 عامًا. كما أعلن الجيش عن تشكيل مجلس عسكرى برئاسة الجنرال محمد إدريس ديبى نجل لارئيس الراحل وقائد الحرس الرئاسى والبلغ من العمر 37 عاماً لقيادة البلاد لمدة 18 شهرًا كفترة انتقالية.

وقد أعرب الجنرال محمد إدريس ديبى فى الإعلان الذى وقعه كرئيس ” إن المجلس العسكرى الإنتقالى سيضمن الاستقلال الوطنى وسلامة الأراضى والوحدة الوطنية واحترام المعاهدات والاتفاقيات الدولية “، كما أعلن الجنرال وقف العمل بالدستوروحل الحكومة والمجلس الوطنى (البرلمان) وتشكيل حكومة انتقالية مع فرض حظر التجول فى البلاد من الساعة 6 مساءً حتى الساعة 5 صباحًا وإغلاق الحدود البرية والجوية للبلاد حتى إشعار أخر.[i]

 حدود التوافق الدستورى:

يعد إعلان الجيش تشكيل مجلس عسكرى انتقالي برئاسة الجنرال محمد إدريس ديبى لقيادة البلاد انقلابًا على أحكام الدستور التشادى الذى تنص المادة (81) منه على أنه فى حالة شغور منصب رئيس الجمهورية لأى سبب من الأسباب، يتولى رئيس الجمعية الوطنية( البرلمان) وفى حالة عجز الأخير يتولى الحكم النائب الاول للرئيس وفى كل الاحوال يجب إجراء انتخابات رئاسية جديدة خلال فترة تتراوح بين 45 الى 90 يومًا على الاكثر، كما تنص المادة (82) على أنه لا يجوز لرئيس الجمعية الوطنية الذى يؤدى مهام رئيس الجمهورية أن يقيل الحكومة أو أن يشرع فى مراجعة الدستور أو حل الجمعية الوطنية .

وبناء على ما سبق، يعد وصول محمد إدريس ديبى إلى السلطة هو استيلاء غير شرعى على السلطة حيث قام باتخاذ العديد من الاجراءات منها وقف العمل بالدستور وحل الحكومة والجمعية الوطنية( البرلمان)، الأمر الذى يضع الاتحاد الأفريقي أمام اختبار جديد لمصداقيته خاصة وأن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي السيد موسي فقى والذى يتولى رئاسة المفوضية منذ مارس 2017 ، كان رئيسًا لوزراء تشاد خلال الفترة ما بين يونيو 2003 وفبراير 2005، خلال فترة حكم الرئيس الراحل إدريس ديبى، فهل يتحرك الاتحاد الافريقي وفقًا لمقررات لومى 2000 بشأن التغيرات غير الدستورية للحكومات أم سيكون الوضع أكثر تأزمًا فى تشاد خاصة وأن جبهه التغيير والوفاق المسلحة فى تشاد والتى تقود حملة تمرد ضد حكم الرئيس ديبيى منذ انشائها فى عام 2016، قد اعلنت على لسان متحدثها الرسمى كينجابى أوغوزيمى انها ستواصل هجومها للتقدم الى العاصمة نجامينا معلنه رفضها القاطع لذلك المجلس العسكرى الذى تم تشكيلة من 15 جنرالاً من المعروف أنهم من بين الأكثر ولاءً لرئيس الدولة الراحل وهو ما يعنى ان تشاد باتت على مشارف صراع على السلطة سيمتد أثرة بالطبع لاستقرار دول الجوار. [ii]

موقف مشابه:

لقد مر الاتحاد الأفريقي بوضع مشابه للموقف فى تشاد وهو الموقف فى توجو عام 2005 حيثبرز دور الاتحاد بشكل واضح فى الأزمة التى اندلعت فى توجو فى فبراير 2005 بعد رحيل الرئيس التوجولى أياديما وإعتلاء أبنه فاروبيه الحكم بصورة غير شرعية مخالفًا أحكام الدستور، الأمر الذى أدى إلى اندلاع أعمال شغب فى توجو بين الأطراف المتنافسة على السلطة، وعلى أثر ذلك قام مجلس السلم والأمن الأفريقي بعقد اجتماع فى 25 فبراير 2005 واعتبر السلطة الحاكمة فى توجو غير شرعية، مستنداً فى قرارة على القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي وبروتوكول مجلس السلم والأمن  بشأن التغيرات غير الدستورية للحكومات[iii]، حيث ثمن الاتحاد جهود الإيكواس فيما يتعلق بوقف عضوية توجو وفرض حظر اقتصادى عليها ومنع جميع أعضاء الحكومة من السفر، كما أصدر مجلس السلم والأمن الافريقي بيانا دعا فيه إلى وقف عضوية توجو فى الاتحاد وكافة المنظمات التابعة له ونتيجة لتضافر كافة الجهود الدولية والقارية والاقليمية تم أحتواء الأزمة ووافق فاروبيه على التنحى عن الحكم وإجراء انتخابات رئاسية فى غضون ثلاثين يومًا كما ينص الدستور . [iv]

وفى 24 ابريل 2005 تم إجراء الانتخابات الرئاسية وتم إعلان فوز فاروبيه نجل الرئيس السابق بحوالى 60 % من الأصوات فى ظل انتخابات شهدت رقابة دولية واقليمة حيث ارسل الإيكواس 150 مراقبًا الى توجو.

وفي 19 مايو 2005 قام الرئيس اوباسانجو رئيس نيجيريا مع كل من ورئيس الاتحاد الأفريقي ورئيس النيجر ورئيس الإيكواس, وبحضور ممثل عن الأمين العام للأمم المتحدة بعقد اجتماع في أبوجا بنيجيريا حضره جميع الأطراف المتصارعة وأحزاب المعارضة في توجو لبحث إجراءات بناء السلام, وتأكيد الثقة في الرئيس التوجولي الجديد ونظامه الحاكم, ودعوا إلى الحكم الرشيد بتعميق مباديء الديموقراطية وحقوق الإنسان والعمل من أجل التنمية والسلام في توجو, وبذلك عاد الاستقرار من جديد إلى توجو بشكل نسبي.[v]

احتمالات تسوية الصراع في تشاد:

ويبقى السؤال الآن هل سينجح تجمع الايكاس فى السير بنفس قوة الايكواس فى تسوية الصراع على السلطة فى تشاد؟

نتيجة للنزاعات والصراعات فى منطقة وسط أفريقيا والتى تعد من أكثر المناطق الأفريقية تعرضا للنزاعات داخل الدول الأعضاء فقد تعطلت أنشطة الجماعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا ECCAS  وظل المقر الرئيسى فى ليبرفيل حتى أعلن رؤساء الدولة قرارهم باحياء الجماعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا وإعطاء دفعة جديدة لتعاونهم والعمل على نطاق واسع الاصلاح المؤسسى ومراجعة جدول أعمالها مع التركيز على أهم الدروس المستفادة من تعطل العمل بالجماعة، وهو أنه لا يمكن أن ينجح التعاون الاقتصادي بدون السلام والأمن الإقليمين وبناء على ذلك فقد تم توسيع ولاية الجماعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا لتشمل العمل على استقرار المنطقة عبر انشاء عدد من الاجهز التابعة للجماعة الاقتصادية منها انشاء محكمة للعدل وانشاء مجلس السلم والأمن لدول وسط أفريقيا COPAX والذى تم انشاؤه فى فبراير 1999 من أجل حفظ السلم والأمن فى المنطقة التى تغطيها الجماعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا، والذى يضم ثلاثة أجهزة فنية رئيسية هى لجنة الدفاع والأمن  ونظام للإنذار المبكر بوسط أفريقيا MARAC وقوات متعددة الجنسيات لوسط أفريقيا FOMAC.[vi]

وأمام منطقة تحتل ثمانية دول منها أدنى مؤشرات التصنيف الدولية فى احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان وسوء الإدارة، بالإضافة إلى ضعف القطاعات الأمنية بها نتيجة انتشار أعمال الشغب والعنف وحركات التمرد نتيجة لافتقاد التداول السلمى  للسلطة، لم تقم الدول الاعضاء بالتصديق على منح أجهزة الجماعة الاقتصادية الحق فى الانخراط فى النزاعات الداخلية فى الدول الاعضاء، وقد أظهرت الصراعات المتلاحقة داخل المنطقة ضعف البنية المؤسسية اللازمة لنجاح مجلس السلم والأمن للجماعة فى القيام بمهامة حيث لا يوجد التمويل الكافى لوجود محللين فى ألية الانزار المبكر، ولا القدرات المالية لبناء القدرات والتدريب للقائمين على تلك الاجهزة مما يجعلها لا تقوم باداء عملها بشكل فعال وناجح .[vii]

وختامًا، بات الاتحاد الأفريقي وأجهزته على محك الاختبار فى الإجراءات التى يقوم بها إذاء ذات القضايا المتشابهه والتى تمس بشكل مباشر المبادئ والأهداف التى قام عليها الاتحاد منذ إعلان لومى عام 2000 والتى تسعى لتعزيز المبادئ والمؤسسات الديمقراطية وضمان المشاركة الشعبية والحكم الرشيد فى الدول الاعضاء بالاتحاد، وكذلك العمل على تنسيق وموائمة السياسيات بين المجموعات الاقليمية القائمة والمستقبلية من أجل التحقيق التدريجى لأهداف الاتحاد [viii]، ومن ناحية أخرى مدى فاعلية الاتحاد فى التعاون مع الجماعية الاقتصادية لدول وسط أفريقيا لاعادة السلطة الى نصابها القانون والاشراف على إجراء انتخابات ديمقراطية كما ينص عليها الدستور خلال فترة تتراوح بين 45 الى 90 يومًا.

 

[i]مقتل رئيس تشاد إدريس ديبى إثر إصابته فى معارك مع المتمردين بعد 30 عاماً  فى السلطة على :

https://arabic.cnn.com/world/article/2021/04/20/chad-president-idriss-deby-killed-frontline

[ii]https://www.masrawy.com/news/news_publicaffairs/details/2021/4/21/2009343/%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%84-%D8%AF%D9%8A%D8%A8%D9%8A-%D9%8A%D9%81%D8%AA%D8%AD-%D9%85%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D8%AF%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%82%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%AF

[iii]مركز البحوث الأفريقية , التقرير الاستراتيجي الأفريقي 2004 / 2005 , (القاهرة : مركزالبحوث الأفريقية , الإصدار الخامس , 2005) .ص ص ، 70- 71

[iv]بدر حسن الشافعى ، تسوية الصراعات فى أفريقيا (نموذج الايكواس ) ، ( القاهرة ، دار النشر للجامعات، 2009) ص.51

[v]التقرير الاستراتيجة الافريقي 2004/2005 ، مرجع سبق ذكره ، ص، ص 70-71

[vi]Angela Meyer , Peace and Security Cooperation in Central Africa . Developments , Challenges and Prospects, Discussion paper 56, (Uppsala, Nordic Africa Institute ,The author and NordiskaAfrikainstitutet 2011) P.P., 10-12

[vii]Angela Meyer, Preventing conflict in Central Africa ECCAS caught between ambitions, challenges and reality, Centeral Africa Report , (Pretoria, institute of security studies (iss), Issue 3, August 2015) P.P., 8-9

[viii]الاتحاد الأفريقي , القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي , لومي , توجو , 11 يوليو 2000 , المادة 3 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى