جبهات ملتهبة: لماذا عادت الأزمة اليمنية إلى التصعيد العسكري؟

بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي شهدته الساحة اليمنية منذ إعلان هدنة الأمم المتحدة عام 2022م، عادت لغة الحرب والمواجهات المسلحة إلى الواجهة بقوة، فقد كثّفت جماعة الحوثي هجماتها ضد مواقع عسكرية ومنشآت حيوية، وصولاً إلى استهداف محيط الأراضي السعودية، وهو ما يفتح باب التساؤلات واسعاً حول الدوافع الكامنة خلف هذا التصعيد، وما إذا كان اليمن يقف على أعتاب جولة جديدة من العنف الشامل المرتبط بتعقيدات المشهد الإقليمي؟
دوافع التصعيد:
شن الحوثيون، في السادس من أغسطس 2026م، عدة هجمات متزامنة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على خمس جبهات رئيسية، تشمل مأرب والحديدة وتعز والضالع وصعدة، فيما ردت القوات الحكومية بعملية أطلقت عليها “الرد السريع”، استخدمت فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات الجوية والمدفعية والهجمات المضادة على مواقع الحوثيين، لتشتد حدة المواجهات العسكرية على امتداد عدة جبهات استراتيجية. ويمكن إرجاع عودة التصعيد إلى ما يلي:
(*) تعثر مسارات التسوية: بالرغم من أن الديناميات الداخلية لم تشهد تغيراً جوهرياً يبرر العودة إلى الحرب، ولم تظهر فيها مؤشرات تنذر بانهيار الهدنة العسكرية التي ظلت صامدة منذ عام 2022م، فإن عجز المسارات الدبلوماسية عن إحداث اختراق حقيقي في جدار الأزمة، واستمرار الجمود في المفاوضات الثنائية بين الحكومة الشرعية والحوثيين، أديا إلى البحث عن خيارات أكثر حسماً. فمن بين أهداف الهجوم الحوثي الأخير استمرار الضغط على الحكومة اليمنية والتحالف العربي، حتى لا تتمكن الحكومة الشرعية من السيطرة على القرار السياسي في البلاد.
(*) التحشيدات العسكرية: برر الطرفان العمليات العسكرية بوجود تحشيدات واستعدادات هجومية لدى الطرف الآخر، خصوصاً في محافظات مأرب وحضرموت وتعز والساحل الغربي، بالرغم من أن العمليات العسكرية التي قامت بها القوات الحكومية جاءت رداً على استهداف الحوثيين لمعسكرات وموانئ حيوية، مثل ميناء المخا ومناطق في جازان، مما خلّف عشرات القتلى وأثار توعداً صارماً من رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور “رشاد العليمي”، بأن هذه الهجمات لن تمر دون عواقب، مع إبقاء مجلس الدفاع الوطني في حالة انعقاد دائم.
(*) الاقتصاد والسيطرة على الموارد: بعد فشل تفاهمات هدنة عام 2022م في معالجة الملفات الإنسانية الملحة، كصرف الرواتب وفتح الطرق ووقف انهيار العملة، نشأت حالة من الاحتقان الشعبي والاقتصادي الخانق، لا سيما في مناطق سيطرة الحوثيين، التي تنامى فيها السخط الشعبي بسبب انقطاع الرواتب وتفاقم أزمة الجوع، مما دفع الجماعة إلى إعادة عسكرة المجتمع وتجنيد المزيد من القوات، سعياً إلى انتزاع السيطرة على المواقع الاقتصادية الحيوية وموارد الطاقة وطرق التجارة الرئيسية، لضمان عوائد مالية وأوراق تفاوضية في أي تسوية مستقبلية.
(*) البيئة الإقليمية المضطربة: انعكست التوترات الإقليمية والصراعات المستمرة في منطقة الشرق الأوسط بشكل مباشر على الساحة اليمنية، حيث امتدت تلك التوترات إلى خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن واستهداف السفن، وصولاً إلى استهداف منشآت حيوية داخل الأراضي السعودية، ما يعني أن مسارات التصعيد في اليمن ستظل رهناً بالمشهدين الإقليمي والدولي، خاصة ما يتعلق بالتهدئة الإقليمية ومآلات الصراع بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.
ولكون الصراع اليمني والتصعيد العسكري المتواصل بين الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي صراعاً متشابك الأطراف، ونتاجاً لتداخل المصالح الإقليمية والدولية، وهو ما ظهر جلياً مع الصراع الإيراني–الأمريكي، الذي كان عاملاً مفصلياً في التصعيد الحوثي الأخير؛ فما الذي تغير؟ ولماذا بدأ الحوثيون هجمات متزامنة على عدة مواقع يمنية في الوقت الذي كانت تجري فيه مفاوضات إيرانية–أمريكية لتفعيل الهدنة وفتح مضيق هرمز؟
لعل الإجابة الأكثر منطقية تكمن في أن طهران أجّلت استخدام الورقة الحوثية إلى الوقت الذي يمكنها فيه التصعيد ضد الرياض من ناحية، والضغط على واشنطن والمجتمع الدولي من ناحية أخرى، من خلال إشعال جبهة اليمن والبحر الأحمر، وهو ما تعكسه دعوة وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” إلى الحوار، بما يعكس دور طهران في توسيع نطاق التصعيد أو وقفه.
وهو ما يفسر أيضاً لماذا التزم الحوثيون الصمت في بداية الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران عام 2025م، كما تجنبت الأخيرة تفعيل تلك الورقة إلى الوقت المناسب، خشية أن يؤدي إغلاق مضيق هرمز والتهديد الحوثي للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب إلى حشد العالم ضد طهران، نتيجة عرقلة خطوط التجارة العالمية وصادرات النفط في آن واحد.
مآلات التصعيد:
(*) على المستوى الداخلي: تشير التطورات الأخيرة إلى عودة استخدام المناطق المدنية كورقة ضغط في جبهة شهدت، خلال السنوات الأخيرة، مستويات متفاوتة من القتال، وهو ما دفع مبعوث الأمم المتحدة “هانس غروندبرغ” إلى التحذير من أن اليمن يواجه “خطراً متزايداً للعودة إلى صراع واسع النطاق”، على نحو لم يشهده منذ هدنة عام 2022م، في الوقت الذي بلغت فيه معاناة اليمنيين ذروتها نتيجة تردي الأوضاع على مختلف مستويات الحياة. ويدرك اليمنيون، من شمال اليمن إلى جنوبه، مدى الخطر الذي تشكله الممارسات الحوثية على وجودهم ومستقبل أبنائهم، وحاجتهم الملحة إلى عودة الأمن والاستقرار والعيش بسلام.
(*) على المستوى الإقليمي: يأخذ التصعيد هذه المرة بعداً إقليمياً بسبب قرب العمليات العسكرية من خطوط الملاحة الدولية ومضيق باب المندب، التي تعد هدفاً لهجمات حوثية على سفن مرتبطة بأمريكا وإسرائيل. وقد يفتح هذا التصعيد، حال استمراره، أبواب المواجهة الإقليمية، إذ يشكل اليمن جبهة جديدة في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، بعدما اتهم الحوثيون السعودية بقصف مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية، وفرضوا حصاراً بحرياً على موانئ المملكة، وبدأوا استهداف ناقلات نفط تابعة للسعودية.
ولمواجهة ضغوط الجبهات الساخنة، ومنها الجبهة اليمنية، لجأت الرياض مؤخراً إلى تشكيل تحالف دفاعي مع تركيا وباكستان، لتأمين حلفاء أقوياء ضد أي هجوم محتمل، سواء من إيران أو الحوثيين أو الميليشيات العراقية أو أي جهة أخرى. لكن يظل الاختبار الحقيقي لهذا التحالف هو رد الفعل على أي هجوم مسلح موجه إلى إحدى هذه الدول الثلاث، فقد يقود ذلك الصراع في المنطقة إلى مرحلة اللاعودة، وهي مرحلة أكثر خطورة مما كان عليه الوضع فيما سبق.
خيارات الضرورة:
أثبت التراكم التاريخي للأزمة اليمنية، بدءاً من انقلاب الحوثيين على اتفاق السلم والشراكة عام 2014م، مروراً باتفاق استكهولم عام 2018م ومبادرة الرياض عام 2021م، وصولاً إلى خرق هدنة عام 2022م، أن جولات التفاوض المتتالية لم تكن سوى محطات لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء القدرات العسكرية. ومع استمرار تردي الأوضاع المأساوية وغياب مؤشرات لحلحلة الأزمة، قد نجد أنفسنا أمام مسارات اضطرارية للدخول في مواجهة حتمية، قد يكون من بين أدواتها الاتجاه إجبارياً إلى الحسم العسكري الشامل.
لا سيما أن الأطراف الداخلية تتمسك بخياراتها الصفرية التي لا تقبل التسوية أو الحلول المؤقتة أو حتى المرحلية، الأمر الذي يصعّب إمكانية إيجاد صيغة نهائية لتسوية الأزمة سياسياً، لنجد أنفسنا أمام خيار حتمي إذا كانت هناك رغبة حقيقية في وقف آلة الحرب وقتل اليمنيين وتهديد الأمن والاستقرار الإقليمي والملاحة الدولية.
بالأخير، يثبت اشتعال الجبهات في اليمن مجدداً أن السلام الهش القائم على “لا حرب ولا سلم” لا يمكن أن يدوم طويلاً دون معالجة جذور الأزمة الحقيقية، فالعودة إلى المواجهات المسلحة تزيد المشهد تعقيداً ودموية، لا سيما مع استمرار ارتباط حدود التصعيد بالملفات الإقليمية، التي تجعل الأوضاع في اليمن والتوصل إلى تسوية فعلية رهناً بمصالح الأطراف الخارجية أكثر منها برغبة داخلية، في ظل عدم قدرة أي من الأطراف على امتلاك أدوات الحسم، وهو ما أكدته الأحداث منذ استيلاء الحوثيين على صنعاء عام 2014م.