الانتقال المحسوب.. تحولات الإعلام العربي في التصعيد الأمريكي-الإيراني

لم تعد الحروب والصراعات المعاصرة تُدار في إطار العمليات العسكرية وساحات القتال فحسب، وإنما أصبحت المعلومات والروايات والإدراك العام ساحات موازية للصراع، يمكن أن تؤثر في قدرة الدول والمجتمعات على تحمل تكلفته واحتواء تداعياته. وفي منطقة الشرق الأوسط تحديدًا، اكتسب هذا البُعد أهمية متزايدة نتيجة الطبيعة المركبة للصراعات الإقليمية الراهنة، والتي لم تعد تقتصر على المواجهة بين أطراف الحرب، وإنما باتت تداعياتها تمتد إلى الدول المحيطة، وإلى أمن الطاقة والملاحة وسلاسل الإمداد، وإلى الحالة النفسية والاجتماعية لمجتمعات المنطقة.
وفي هذا السياق، يصبح الإعلام أحد العناصر المؤثرة في قدرة الدولة والمجتمع على إدارة الأزمة، وليس مجرد وسيلة لاحقة لتغطية أحداثها. ولذلك هناك عدة مفاهيم في هذا الصدد مثل، “الأمن المعلوماتي” والذي يُشير إلى حماية المجال العام من التدفق غير المنضبط للمعلومات المضللة والروايات الموجهة والشائعات المتنافسة التي يمكن أن تؤثر في إدراك الجمهور وسلوكه، وكذلك مفهوم “إدارة الإدراك” أو “إدارة الوعي” والذي يتعلق بالطريقة التي تُقدَّم بها الأحداث والوقائع، بحيث يفهم الجمهور طبيعة التهديد وحجمه وتداعياته دون تهويل أو تضليل.
وقد قدم التصعيد الأمريكي–الإيراني 2026 حالة عملية واضحة لهذا التحول في دور الإعلام في المنطقة. فالعمليات العسكرية التي بدأت كمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لم تبقَ محصورة في المجال الجغرافي الإيراني فقط، وإنما امتدت إلى المجال الأمني لدول الخليج العربي. وفي الأول من مارس الماضي، أعلن مجلس التعاون الخليجي تعرض الإمارات والبحرين والسعودية وعُمان وقطر والكويت لهجمات إيرانية بالصواريخ والمسيّرات، مع الإشارة إلى أضرار طالت منشآت مدنية وخدمية ومناطق سكنية وتهديد حياة المواطنين والمقيمين. واستمر هذا النمط خلال الأشهر التالية، وصولًا إلى تقارير خليجية عن استهداف منشآت طاقة ومياه وتحلية وموانئ ومطارات.
وبذلك لم يعد المواطن الخليجي يتابع حربًا تجري بعيدًا عنه، وإنما أصبح يعيش تداعياتها بصورة مباشرة عبر إنذارات، اعتراضات صاروخية، اضطرابات في الطيران والملاحة، مخاطر على المنشآت الحيوية، وتأثيرات محتملة على الطاقة والاقتصاد. وفي هذه اللحظة تحديدًا ظهر التحول في وظيفة الإعلام العربي، فلم يعد السؤال فقط، ماذا حدث؟ وإنما أصبح، ماذا يعني ما حدث بالنسبة إلى أمن المواطن والدولة والمجتمع؟ وكيف ينبغي التعامل معه؟
ومن هنا، يمكن فهم طبيعة التحول خلال التصعيد باعتبارها انتقالًا من تغطية الحرب إلى إدارة تداعياتها، عبر تنظيم تدفق المعلومات، ودعم الاتصال بين الدولة والمجتمع، ومواجهة الشائعات، وإدارة الإدراك العام، والحفاظ على التماسك المجتمعي.
الإعلام وتناول الحرب:
لقد كانت النقطة الفارقة في التصعيد الأمريكي–الإيراني الذي شهدته المنطقة، أن دول الخليج لم تعد مجرد بيئة جغرافية محيطة بالصراع، وإنما أصبحت جزءًا مباشرًا من تداعياته الأمنية. فالهجمات التي بدأت في 28 فبراير الماضي امتدت إلى عدد من دول مجلس التعاون، ولم تقتصر على أهداف عسكرية بالمعنى الضيق، إذ تم استهداف منشآت مدنية وخدمية ومناطق سكنية، وكذلك منشآت للطاقة والمياه والموانئ والمطارات. وهذه النقلة غيّرت طبيعة الأسئلة حول الحرب في المجتمع العربي. فبدلًا من أن يكون الاهتمام الأساسي منصبًا فقط على مجريات الأزمة، ومواقف واشنطن وطهران وغيرها من الأسئلة المتعلقة بأطرافها، إلا إنه وبسبب وصول الهجمات إلى المجال الوطني الخليجي، قد تحولت الأولوية إلى أسئلة أكثر توجيهًا تخص الدول الخليجية ومواطنيها ومنها؟ هل تم اعتراض الهجوم؟ هل توجد إصابات؟ ما المناطق المتضررة؟ هل تعمل حركة الطيران والمطارات؟ هل توجد تعليمات بالإنذار أو الإخلاء؟ هل هناك خطر على المنشآت الحيوية؟ وهل توجد هجمات أخرى متوقعة؟
وبالتالي أصبحت القيمة الأساسية للمعلومة الإعلامية التي تُقدم إلى المواطن مرتبطة بقدرتها على تقليل حالة عدم اليقين، لأن الخطر في أثناء الحرب لا ينتج فقط عن الصواريخ أو المسيّرات، وإنما كذلك عن عدم معرفة الجمهور بما يحدث. فالفراغ المعلوماتي يمكن أن يتحول بسرعة إلى مساحة مفتوحة للشائعات والمعلومات المضللة، بينما تؤدي المعلومات الموثوقة إلى تقليص مساحة التخمين والخوف. ومن هنا يمكن تفسير التركيز المتزايد في التغطية الخليجية بشكل عام على بيانات الجهات الرسمية مثل وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والطيران المدني وغيرها من الجهات الأخرى. فحين أعلنت بعض دول الخليج المتضررة اعتراض الهجمات أو التعامل معها، لم يكن نشر هذه البيانات مجرد نقل رسمي للخبر، وإنما كان يؤدي وظيفة أوسع تتمثل في إبلاغ الجمهور بأن التهديد موجود بالفعل، ولكن في الوقت نفسه فإن مؤسسات الدولة تتعامل معه وتعمل على احتوائه. وهذا المعنى يظهر بوضوح أيضًا في خطاب مجلس التعاون الخليجي نفسه في بداية الحرب واستمرار نفس النبرة لاحقًا، إذ لم يقتصر على إدانة الهجمات، وإنما شدد على كفاءة أنظمة الدفاع الجوي التي تتصدى لها، وعلى حماية المواطنين والمقيمين في الخليج.
إدارة التداعيات:
تكمن أهمية التحول في الدور الوظيفي للإعلام العربي خلال هذه الأزمة في أن التأثير الحقيقي للهجوم لا ينتهي بمجرد اعتراض الصواريخ أو انتهاء الهجمات، فالعمليات العسكرية ينتج بعدها سلسلة من التداعيات المعلوماتية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية. وقد ظهر ذلك بوضوح عندما طالت الهجمات منشآت حيوية في بعض دول الخليج. ففي الكويت، على سبيل المثال، تحدثت تقارير عن إصابة منشآت لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، وهي مسألة ذات حساسية استثنائية في دولة تعتمد بدرجة كبيرة على تحلية المياه. كما تعرضت منشآت مرتبطة بالطاقة لأضرار في كل من قطر والإمارات والبحرين. ولم تعد المسألة مرتبطة باستهداف الدول فقط، بل امتدت إلى الملاحة في مضيق هرمز، وتعطيل الحركة فيه واستهداف السفن، إذ أدان مجلس التعاون استهداف ناقلة سعودية وأخرى قطرية أثناء عبورهما المضيق، محذرًا من تداعيات ذلك على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.
في هذه الحالة أصبح الإعلام أمام وظيفة تتجاوز مجرد نقل الأخبار عن أماكن سقوط الصواريخ، حيث أن استهداف منشأة مياه على سبيل المثال، يمكن أن يتحول إعلاميًا إلى مصدر هلع فيما يتعلق باحتمالات نقص المياه، واستهداف منشأة طاقة يمكن أن يولد مخاوف حول مستقبل الكهرباء أو الوقود، وكذلك اضطراب حركة الملاحة يمكن أن ينتقل إلى مخاوف بشأن الأسعار والإمدادات وحركة السفر والتنقل وغيرهم. لذلك فإن طريقة تقديم الحدث تصبح جزءًا من إدارة تداعياته. وهنا ظهر أحد أهم التحولات النفسية في الخطاب الإعلامي العربي، وهو الانتقال من التركيز على الحدث العسكري إلى التركيز على قدرة الدولة على احتواء آثاره وذلك ما حدث بالفعل في الدول المتضررة، عبر الاستعانة بالتصريحات الرسمية كمصدر أول للمعلومات الموثوقة، وأحيانًا الشخصيات الرسمية بعينها للتأكيد على دور الدول وقدراتها وقيادتها في حفظ أمن مواطنيها والوافدين أيضًا.
وقد كان لهذا التحول قيمة استراتيجية كبرى، لأنه منع الخصم من تحقيق مكاسب نفسية واقتصادية تتجاوز الأثر العسكري المباشر. فالدولة قد تنجح في اعتراض غالبية الصواريخ، لكنها تظل معرضة لخطر أن تحقق الهجمات هدفًا آخر، إذا أدت إلى انهيار الثقة أو خلق حالة من الهلع أو اضطراب السلوك الاقتصادي أو المجتمعي. لذلك كان الإعلام جزءًا هامًا من منظومة الثبات والتماسك الوطني داخل دول الخليج كافة، عبر التأكيد على قدرة المجتمع على استيعاب الأوضاع، والاستمرار في أداء وظائفه الأساسية على الرغم من اضطراب الحالة الأمنية، والانتباه أولًا وأخيرًا إلى دور الدولة والقيادة.
كما الصراع بين واشنطن وطهران كان يُقدم باعتباره مجرد مواجهة ثنائية فقط، وإن دول الخليج تظهر بوصفها مسرحًا ثانويًا للحرب، أما حينما أصبحت التغطية مركزة على استهداف الأراضي الخليجية، وحماية المواطنين، وأمن الطاقة، والملاحة، والمنشآت الحيوية، فهنا ظهرت دول الخليج باعتبارها أطرافًا أمنية لها مصالح وتهديدات مستقلة. ولهذا كانت مفاهيم مثل (السيادة، وحماية المدنيين، وأمن الملاحة، وأمن الطاقة، والتضامن الخليجي) حاضرة بقوة في الخطاب الرسمي الذي أعادت وسائل الإعلام العربية إنتاجه وتفسيره. ففي يونيو الماضي، أكد مجلس التعاون أن “الهجمات على البحرين والكويت والأردن تمثل اعتداءً على سيادة الدول وأمن شعوبها، وشدد في الوقت نفسه على أن أمن دول المجلس غير قابل للتجزئة وعلى كفاءة قدرات الدفاع المشتركة”.
وهذا الخطاب لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل وفر للإعلام إطارًا لتفسير الأحداث الراهنة، حيث أن الرسالة أصبحت أن الخليج ليس ساحة مفتوحة للحرب، وأن أمن دوله يمثل مصلحة جماعية، وأن استهداف دولة واحدة يخلق تهديدًا لبقية دول المجلس، ولعل هذا ما حاولت وسائل الإعلام العربي التأكيد عليه وهو فكرة “الإدراك الجماعي” للتهديد. فالهدف النهائي ألا يعرف مواطن من دولة خليجية معينة أن بلاده تتعرض لهجوم فحسب، وإنما الهدف أن يدرك أن الهجوم أو الاستهداف يقع ضمن سياق إقليمي أوسع، وأن هناك استجابة خليجية جماعية، وأن مؤسسات الدولة تعمل ضمن منظومة أمنية مشتركة.
مواجهة الشائعات والروايات المضللة:
مع اتساع نطاق وأمد فترة التصعيد في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا موازيًا للمعلومات، وهو ما خلق مشكلة إضافية أمام المؤسسات الإعلامية العربية. فالصور ومقاطع الفيديو يمكن أن تنتشر خلال دقائق، دون معرفة أماكن تصويرها أو توقيتها، كما يمكن إعادة استخدام محتوى قديم باعتباره حدثًا جديدًا، فضلًا عن توليد مقاطع باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي. ومن هنا تصبح سرعة الإعلام التقليدي أقل أهمية من قدرته على التحقق. كما أن المواطن يحتاج إلى معرفة ما إذا كان الخطر حقيقيًا، وما إذا كان هناك إجراء مطلوب منه، وليس إلى روايات عديدة متضاربة أو معلومات مضللة.
من هنا اتبعت الدول الخليجية والعربية استراتيجية استباقية ركزت على النفي الفوري وتوحيد السردية والرواية لمنع استغلال الشائعات في بث الذعر والمساس بالأمن الوطني، وذلك عبر العديد من الوسائل، مثل سرعة إصدار البيانات الرسمية العاجلة وسرعة نفي الشائعة، وتفعيل منصات التحقق العاجل في الوزارات المعنية (الدفاع، الداخلية) واستخدام حساباتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، كما حدث في الإمارات والبحرين وقطر.
كما أن الإعلام الخليجي اتجه لتوحيد الجبهة السياسية والإعلامية الخليجية عبر اعتماده بشكل كبير على السردية الموحدة والبيانات المشتركة وتفنيد الروايات الموجهة. كذلك نشر البيانات الموثقة فيما يتعلق بالعمليات اللوجستية نظرًا لأن الشائعات استهدفت أسواق النفط والطاقة بشكل كبير من أجل إلحاق الضرر بالوضع الاقتصادي وحركة التجارة والشحن، لذلك حرص الإعلام الخليجي على نشر أرقام محدثة ودقيقة لحركة الناقلات والسفن عبر مضيق هرمز، بالتعاون مع منصات للملاحة الدولية مثل (مارين ترافيك). بالإضافة إلى سعي الإعلام للتوعية من التهديدات السيبرانية التي تستهدف إثارة الذعر في المجتمعات الخليجية. والأهم أن التغطيات الإخبارية قد اشترطت استقاء المعلومات من المتحدثين العسكريين والأمنيين فقط لضمان مواجهة الأخبار المزيفة والروايات الموجهة.
الإعلام وإدارة الحالة النفسية:
يُشار إلى أن أحد الأبعاد التي لا تحظى عادةً بالاهتمام الكافي في تحليل الإعلام أثناء الحروب والصراعات، هو البعد النفسي، فالصواريخ التي يتم اعتراضها قد لا تترك خسائر بشرية كبيرة، لكنها قد تترك أثرًا نفسيًا كبيرًا لدى السكان، خصوصًا عندما تتكرر الهجمات أو الإنذارات. وفي هذه البيئة، يمكن للإعلام أن يضخم الإحساس بالخطر أو أن يساعد في احتوائه. والفرق هنا لا يتعلق بإخفاء الواقع عن المواطنين، بل بطريقة بناء الرواية نفسها، فالتغطية التي تركز بصورة متكررة على مشاهد الانفجارات والخوف والدمار، دون تقديم سياق عن حجم الضرر والإجراءات المتخذة، يمكن أن تزيد من أثر الصدمة، بينما التغطية التي تنقل الحدث ثم تقدم المعلومات الرسمية وفقًا لسياسة الدولة وتشرح الإجراءات وتوضح حجم الضرر الفعلي تساعد المواطن على وضع الخطر في إطاره الصحيح.
وهنا تظهر أهمية خطاب الطمأنة الواقعية الذي ظهر فعليًا في التغطية الخليجية في الدول التي تضررت جراء الهجمات الإيرانية، فالخطابات الرسمية تحديدًا لم تنكر وجود الخطر ولا تقلل منه، لكنها منعت تحوله إلى شعور دائم بالعجز والخوف وشل حركة المجتمع، كذلك الدعم الفعلي من القيادات الخليجية لطمأنة السكان، ولعل في دولة الإمارات العربية المتحدة كانت القيادة مثالًا واضحًا على ذلك، حينما تواجد الشيخ محمد بن زايد والشيخ محمد بن راشد في الأماكن العامة في إمارة دبي، والتأكيد على أن كل من على أرض الإمارات هم سوا، وحمايتهم واجبة مواطنين أو مقيمين. وكان هذا جزءًا هامًا من إدارة السلوك المجتمعي والحالة النفسية للأفراد أثناء الأزمة.
الإعلام ومنظومة الأمن الخليجي:
لقد أنتج التصعيد الأمريكي-الإيراني في المنطقة خطابًا خليجيًا مشتركًا يربط بين أمن دول الخليج، ولم يعد الخطاب الإعلامي متمركزًا حول حدود كل دولة فقط، بل في أحيان كثيرة أدانت بعض الدول الخليجية تعرض أشقائها من الخليج للهجمات الإيرانية أو اعتراض سفنها في الممرات المائية أو تعطل مصالحها الاقتصادية. والإعلام العربي هنا ساهم في تحويل هذا المبدأ من صياغة سياسية إلى إدراك مجتمعي أوسع. فعندما يتابع المواطن السعودي هجومًا على البحرين، أو يتابع المواطن الإماراتي هجومًا على الكويت أو قطر، فإن التغطية التي تربط هذه الأحداث بسياق أمني خليجي واحد تساعد في تشكيل الإدراك بأن أمن الخليج ليس منفصلًا، وإنما شبكة مترابطة مجتمعيًا، سياسيًا، وأمنيًا.
كما أظهرت الحرب أيضًا أن البنية التحتية الخليجية نفسها مترابطة في العديد من القطاعات والمرافق مثل (الطاقة، الملاحة، المطارات، المياه، سلاسل الإمداد، والأسواق). وبالتالي فإن استهداف مرفق في دولة واحدة يمكن أن ينتج تداعيات إقليمية تتجاوز حدودها. والتطورات الاقتصادية في المنطقة في ذلك الحين تؤكد ذلك، ففي أغسطس الماضي أشار تقرير لوكالة رويترز إلى أن “استمرار المخاطر على إمدادات الطاقة وحركة الشحن بسبب اضطرابات مضيق هرمز”، وكذلك “تعرض الاقتصاد القطري لضغوط مرتبطة بالحرب وتراجع إنتاج الطاقة في الربع الأول”.
وختامًا، فإن التصعيد الأمريكي–الإيراني في 2026، قد أعاد تعريف موقع الإعلام العربي داخل البيئة الأمنية والمجتمعية للشرق الأوسط. وفي ظل الواقع الذي عاشته دول المنطقة وبخاصة الخليجية، لم يعد الإعلام العربي يؤدي وظيفة واحدة تتمثل في نقل الأخبار، وإنما أصبح يعمل عبر آلية أكثر تعقيدًا عبر رصد الحدث، التحقق من المعلومة، نقل البيانات الرسمية، تفسير التطورات، مواجهة الشائعات، حملات التضليل، إدارة الإدراك والوعي العام، ووضع التهديد في سياق يسمح للمجتمع باستيعابه دون الوقوع في الذعر أو الإنكار.
كما أن التحول الأهم، أن الإعلام أصبح يتعامل مع الحرب باعتبارها منظومة من التداعيات، وليس مجرد مجموعة من الضربات. فالهجمات قد تستهدف منشآت الدولة بالفعل، لكن تأثيرها يمكن أن يمتد إلى ثقة المواطنين والأسواق والملاحة والمياه والطاقة والحالة النفسية للمجتمع ككل. وبالتالي أصبحت مواجهة هذه التداعيات جزءًا من الوظيفة الاستراتيجية والنفسية الحالية للإعلام في المنطقة.
وهكذا كشفت هذه الأزمة عن تحول أعمق من مجرد تغير في أسلوب التغطية، فقد انتقل الإعلام من مجرد ناقل للأخبار إلى موقع الفاعل في إدارة آثارها على الدولة والمجتمع. ومع استمرار تحول الصراعات الإقليمية إلى حروب متعددة المجالات، سيصبح امتلاك القدرة على إدارة المعلومة والإدراك المجتمعي جزءًا متزايد الأهمية من عناصر القوة وحفظ الأمن القومي في دول المنطقة.