مستقبل العلاقات المصرية الصينية فى ظل توترات الشرق الأوسط

استندت العلاقات المصرية- الصينية منذ بدايتها إلى مجموعة من المرتكزات الراسخة، في مقدمتها الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والسعي المشترك لتحقيق التنمية والاستقرار. كما أسهمت الرؤية المتقاربة للعديد من القضايا الدولية والإقليمية في توفير قاعدة صلبة لتطور هذه العلاقات عبر العقود المتعاقبة.
وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت العلاقات بين القاهرة وبكين زخما متزايدا نتيجة التغيرات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، وبرزت عدة اتجاهات كبرى أصبحت تشكل ملامح الشراكة بين البلدين ، وقد حلت الذكرى السنوية السبعون لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية في الثلاثين من مايو 2026 .
التعاون الاقتصادى بين مصر والصين :(1)
نبع عمق التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر من التوافق بين الجانبين في خمسة أبعاد، وهي:
(*) التوافق في الرؤى التنموية الذى يمثل الأساس الفكري للتعاون بين البلدين. حيث تؤكد “الخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية” التي تنفذها الصين على وضع الشعب في المقام الأول وتحقيق التنمية العالية الجودة، بينما تسعى “رؤية مصر 2030” لتحقيق التنمية الشاملة وضمان حياة كريمة للمواطنين، ويعكس هذا التقارب في فلسفة التنمية درجة عالية من التوافق بين البلدين، إذ يتمحور التعاون الثنائي دائما حول تحسين معيشة الشعب وتحقيق المزيد من المنافع للمواطنين.
(*) يتجلى التوافق الإستراتيجي في مواءمة مبادرة “الحزام والطريق” مع “رؤية مصر 2030”. أصبح البرج الأيقوني في منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر، والذي يبلغ ارتفاعه 385,8 مترا، “أطول مبنى في أفريقيا”، وتم بناؤه بواسطة شركة صينية، واكتمل الهيكل الرئيسي له في عام 2021؛ كما دخلت المرحلتان الأولى والثانية من مشروع سكة حديد مدينة العاشر من رمضان المكهرب الخدمة في عام 2022، ليربط وسط القاهرة بالمدن الجديدة الواقعة شرق العاصمة. وفي مدينة العلمين الجديدة، شيد مجمع أبراج وسط المدينة وفق خطة عمرانية متكاملة، ليصبح من المعالم الحضرية الجديدة على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط. إن تنفيذ هذه السلسلة من المشروعات الرائدة على المستوى الوطني يعكس بشكل واضح الثقة الكبيرة التي توليها مصر لشركائها الصينيين.
(*) يعد التكامل في القدرات الإنتاجية أحد أبرز مظاهر التعاون العملي بين البلدين، ويتجلى ذلك في منطقة “تيدا السويس”. تم تدشين هذه المنطقة في عام 2008 على أرض صحراوية، وبحلول نهاية عام 2025 جذبت أكثر من مائتي شركة، وبلغ الحجم التراكمي للاستثمارات فيها حوالي 3,8 مليارات دولار أمريكي، فيما تجاوزت قيمة الضرائب التي سددتها 310 ملايين دولار أمريكي، وخلقت آلاف فرص العمل المباشرة في مصر، ووصلت نسبة العمالة المحلية بها إلى أكثر من 95%. تشكل المنطقة نظاما صناعيا يعرف بنموذج “8+1” يتمحور حول اللوجستيات المعفاة من الرسوم الجمركية، ويغطي ثمانية صناعات رئيسية مثل مواد البناء الجديدة ومعدات النفط ومعدات الكهرباء العالية الضغط والمنخفضة الضغط والنسيج والطاقة الجديدة والأجهزة المنزلية، وغيرها، وتتجمع في المنطقة شركات رائدة مثل شركة جيوشي ومجموعة شيديان الصينية وشركة ميديا وشركة هايسنس، والتي تشكل سلسلة صناعية متكاملة تبدأ باستيراد المواد الخام وتنتهي بالتوزيع في الأسواق العالمية. وفي ديسمبر عام 2025، بدأ سريان عقود تخصيص الأراضي في منطقة التوسع الغربي لمنطقة “تيدا السويس”، ليتجاوز إجمالي المساحة المطورة في المنطقة عشرة كيلومترات مربعة. وقد نجحت المنطقة في تحويل مخاطر التوسع الخارجي التي كانت تتحملها كل شركة بمفردها إلى مزايا تنافسية تقوم على تكامل سلاسل الصناعة، من خلال نموذج “الانطلاق الجماعي إلى الأسواق الخارجية”. وبذلك، حققت نقلة نوعية من تصدير المنتجات الصينية إلى بناء منظومة صناعية متكاملة في الخارج.
(*) يرتبط التوافق في مجال التنمية الخضراء ارتباطا وثيقا بأهداف مصر في التوسع في استخدام الطاقة المتجددة. ففي نهاية عام 2024، بدأ تشغيل المرحلة الأولى من مشروع “الطاقة الكهروضوئية+ تخزين الطاقة” (محطة “أبيدوس 1”) في كوم أمبو، الذي تنفذه شركة الصين لهندسة الطاقة، فيما تمضي المرحلة الثانية من المشروع بوتيرة متسارعة. وعند اكتماله، سيصبح أكبر مشروع للطاقة الشمسية المزودة بأنظمة تخزين الطاقة في أفريقيا. وفي يوليو عام 2025 دخلت مزرعة رياح رأس غارب بمحافظة البحر الأحمر، بقدرة إجمالية تبلغ 650 ميجاوات، مرحلة التشغيل، لتكون أكبر مزرعة رياح في الشرق الأوسط وأفريقيا. وبذلك، أصبحت تقنيات تخزين الطاقة الصينية خيارا مهما لدعم استقرار شبكة الكهرباء في مصر.
(*) أما التوافق في مجال التحول الرقمي، فيواكب طموحات “مصر الرقمية”. في إبريل عام 2024، تم افتتاح مركز البيانات والحوسبة السحابية للحكومة المصرية باستخدام التقنيات الصينية؛ وفي ديسمبر عام 2023، تم إطلاق القمر الصناعي “مصرسات- 2” المخصص للاستشعار عن بعد، الذي تم تطويره بالشراكة بين الصين ومصر، لتصبح مصر أول دولة افريقية تمتلك القدرة الكاملة على التجميع والاختبار النهائي للأقمار الاصطناعية. لقد توسع التعاون بين الصين ومصر من مشروعات البنية التحتية التقليدية إلى مجالات التكنولوجيا العالية مثل قدرة الحوسبة للذكاء الاصطناعي والفضاء.
ويعكس التزايد المستمر في عدد المشروعات الملموسة والتعمق المتواصل للتعاون الاقتصادي والتجاري في اقتصادي البلدين، تحول الصين ومصر إلى شريكين أساسيين لا غنى لأي منهما عن الآخر في مسيرة التنمية.
بالنظر إلى المستقبل، يتحول محور التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر من التركيز على تنفيذ كل مشروع على حدة إلى تنمية النظام البيئي الصناعي بشكل مشترك.
ويعد قطاع الطاقة الجديدة وتخزين الطاقة أبرز مثال على هذا التحول وأكثر مسارات التعاون نضجا. فقد استثمرت الشركات الصينية أكثر من 1,5 مليار دولار أمريكي في مشروعات الطاقة الكهروضوئية في مصر، وفي بداية عام 2026 بدأ تشغيل قاعدة تصنيع الطاقة الكهروضوئية لشركة بودا لتقنيات الطاقة الجديدة المحدودة في منطقة “تيدا السويس”، وفي عام 2026 تم توقيع مجموعة جديدة من اتفاقيات التعاون. وقد بدأت تتشكل في مصر سلسلة الصناعة الكاملة لطاقة الرياح والطاقة الكهروضوئية وتخزين الطاقة وحتى الهيدروجين الأخضر. تأتي بعد ذلك مباشرة سيارات الطاقة الجديدة. في 17 يونيو عام 2026، وقعت شركة بيستون التابعة لمجموعة الصين الأولى لصناعة السيارات اتفاقية تعاون إستراتيجي مع شركة النصر للسيارات المصرية في العاصمة الإدارية الجديدة، لإنتاج سيارات تحمل علامة “نصر” التجارية. وبحلول عام 2025، كانت حصة العلامات التجارية الصينية في سوق سيارات الركاب في مصر قد اقتربت من 40%. تخطط مصر لاستثمار حوالي 1,5 مليار دولار أمريكي في توسيع صناعة السيارات الكهربائية المحلية وتطوير شبكة الشحن، والهدف هو زيادة إنتاج السيارات المحلية إلى أكثر من مائة ألف سيارة سنويا بحلول عام 2030، والتجميع المحلي وشبكات الشحن وإعادة تدوير البطاريات كلها مجالات يمكن للطرفين التوسع فيها. إلى جانب ذلك، من المتوقع أن تصبح مجالات مثل الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطيران والفضاء، الجبهة الجديدة لترقية التعاون.
مرتكزات العلاقات المصرية الصينية:
ترتكزُ العلاقة بين مصر والصين على عددٍ من المُرتكزات والعوامل الحاكمة التي دفعت في اتجاه التقارب والشراكة الاستراتيجية بين البلدين، حيث يُمكن إجمالُ ذلك في عددٍ من المُحدّدات والتي أهمها: (2)
1- المُحدد الحضاري والتاريخي: تُعدّ المحدّدات التاريخيةُ والحضاريةُ من أبرز العناصر التي تشكّل قاعدةً صلبةً للعلاقات المصرية–الصينية، حيث تتمتعُ كلٌ من مصر والصين بجذورٍ حضاريةٍ عميقةٍ تمتد لآلاف السنين، وهو ما خلقَ مجموعةً من القيم والمبادئ المشتركة التي أسهمت في تعزيز الثقة والاحترام المتبادل بين الشعبين والدولتين. هذه الخلفيةُ الثقافيةُ أعطت العلاقاتٍ الثنائيةَ دفعةً قويةً منذ بداياتها، إذ ينظرُ قطاعٌ واسعٌ من المصريين إلى الصين بإيجابيةٍ، لا ترتبط بأي تاريخٍ استعماريٍ أو سيطرةٍ خارجيةٍ، ما يعزّز الانطباعَ الإيجابيَ تجاه الشراكة مع بكين. في السنوات الأخيرة، تحولت هذه المحددات الثقافية إلى عنصرٍ استراتيجيٍ في صياغة السياسة الخارجية المصرية، حيث يُنظر إليها كوسيلةٍ لتعزيز الدور المصري على الساحة الدولية، واستثمار القواسم الثقافية المشتركة لتوسيع التعاون في المجالات الاقتصادية والتعليمية والتكنولوجية والثقافية.
2- احترام السيادة والخصوصية الوطنية: تبرزُ مجموعةٌ من المبادئ والمُرتكزات التي تشكل دافعًا قويًا لتعميق التعاون المصري–الصيني. فالمصالحُ المشتركةُ لكلا البلدين تتمثّل في رفْضِ فكرة “القطب الأوحد”، والسعي إلى بناءِ نظامٍ عالميٍ أكثر عدالةً وتوازنًا، قائمٍ على احترام سيادة الدول ومبادئ الدولة الوطنية، كما يشتركُ البلدان في موقفٍ موحّدٍ تجاه التعامل مع الفاعلين المسلحين غير الدوليين، ودعم الاستقرار الإقليمي دون التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مع رفض تسييس قضايا حقوق الإنسان في السياسة الدولية، وهو ما يعكسُ توافقَ الرؤى حول ضرورةِ احترام الخصوصية الوطنية والحسابات الداخلية لكل دولة. هذه المحدّدات الاستراتيجية جعلت من مصر شريكًا موثوقًا للصين، خاصة في القضايا الإقليمية والشرق أوسطية.
3- الموقف الصيني الداعم تجاه القضية الفلسطينية: شكّلت الأزماتُ الإقليميةُ، وعلى رأسها الحرب على غزة في أكتوبر 2023، اختبارًا حقيقيًا للعلاقات المصرية–الصينية، حيث تحركت الصين بشكّلٍ فعّالٍ على الصعيد الدبلوماسي للضغط من أجل وقْفِ إطلاق النار ومعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة. استخدمت بكين خطابًا صارمًا ضد الجرائم الإسرائيلية، وأدانت العقبات التي فرضتها الولايات المتحدة على تمرير قراراتِ وقْفِ النار في مجلس الأمن، مؤكدًا دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامةِ دولةٍ مستقلةٍ والحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة (3).
لعبتْ مصر دور الوسيط والميسر للجهود الصينية، حيث انعقدت في بكين دورتان للحوار الوطني بين فتح وحماس خلال أبريل ويونيو 2024، وأسفرت عن “إعلان بكين لإنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية” الذي تضمن ثماني نقاط رئيسية(4)، من بينها تشكيلُ حكومةٍ وطنيةٍ مؤقتةٍ وقيادة فلسطينية موحدةٍ وإجراء انتخابات لمجلسٍ وطنيٍ جديد. هذه المبادرةُ عكست قدرة الصين على الانخراط في المفاوضات الإقليمية بهدوء وحياد، وتأكيد مصر على أهمية تعزيز الدور الدبلوماسي الصيني في المنطقة، مع الاعتراف بأن التنفيذ الواقعي يظل تحديًا بسبب الخلافات التاريخية والأيديولوجية بين الفصائل الفلسطينية.
4- سياسةُ البراغماتية الصينية: تنطلقُ السياسةُ الخارجيةُ الصينية في التعامل مع الأزمات الإقليمية من مبدءٍ راسخٍ يقوم على البراغماتية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ويظهر ذلك من خلال ما يلي:
(-) الأزمة السودانية: تحرصُ بكين على تجنّبِ الانخراطِ المباشر أو اتخاذ مواقف منحازة، مفضلةً اعتمادَ خطابٍ رسميٍ يتّسم بالاتزان والدعوة إلى الحوار السلْمي وضبط النفس، ويعكسُ هذا التوجّه حِرصَ الصين على الموازنة بين حماية مصالحها الاستراتيجية في القارة الأفريقية، والحفاظ على صورتها كقوةٍ دوليةٍ مسؤولةٍ تسعى إلى دعم الأمن والاستقرار عبر آلياتٍ متعددةِ الأطراف، لاسيَّما من خلال التعاون مع الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية.
(-) الأزمة الليبية: عمّقت الصين علاقاتها الدبلوماسية والتجارية على أسسٍ من الاحترام المتبادل والوجودِ الناعمِ بعيدًا عن أي تدخلٍ في السيادة الوطنية وذلك انطلاقاً من مبدأ “عدم الانحياز الاستراتيجي”(5)، وقد أكدت مواقفها الرسمية باستمرار على أن حلَّ الأزمة يجبُ أن يكونَ سلميًا قائمًا على الحوار، وأن وِحدةَ الأراضي الليبية أولويةٌ لا يمكنُ المسَاسُ بها. هذا النهْجُ منحَ بكين مساحةً لتعزيز حضورها الاقتصادي والتنموي في ليبيا، مع الحفاظ على موقعها كطرفٍ مقبولٍ من مختلف الفاعلين، بعيدًا عن الاستقطابات الحادة التي طبعت تدخلات قوى أخرى في الأزمة الليبية.
(-) سد النهضة الإثيوبي: فقد دعمت الصين بشكلٍ واضحٍ الحقوق المشروعة لمصر في حماية أمنها القومي المائي، مُؤكدةً في الوقت نفسه على ضرورةِ تجنّب التدخل الخارجي والاحتكام إلى طاولة المفاوضات(6)، ويكشف هذا الموقفُ عن خصوصية السياسة الصينية القائمة على الجمْعِ بين حماية مصالح الشركاء الاستراتيجيين وبين الالتزام بمبدأ عدم الانحياز. بذلك، تترسخ صورة الصين كقوةٍ دوليةٍ براغماتيةٍ تستند إلى أدوات “القوة الناعمة” والدبلوماسية الهادئة.
5- المُبادرة الصينية للحزام والطريق: تُمثّل مبادرةُ الحزام والطريق ركيزةً استراتيجيةً محوريةً في تعزيز البعد الاقتصادي للعلاقات المصرية–الصينية، ليس فقط كإطارٍ للتعاون بين دولتين، بل كأداةٍ لتشكيل نموذجٍ متكاملٍ للتنمية المستدامة والتكامل الإقليمي. المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تعدُّ قلبَ هذه الاستراتيجية، إذ توفّر بنيةً تحتيةً حيويةً تسمح بإنشاء مشاريعَ صناعيةٍ وتجاريةٍ ضخمة، وتسهّل الربط بين الأسواق العربية والأفريقية. وقد تبنت مصر المبادرة ليس فقط كمستقبِل للاستثمارات الصينية، بل كرؤية وطنية متكاملة لتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا، تشمل مجالات متقدمة، وقد ساهم ذلك في تعزيز القدرات التنافسية للاقتصاد المصري، ويخلق آليات للاستفادة المزدوجة من الخبرات الصينية والبنية التحتية الوطنية، ما يجعلُ من مصر نقطةً محوريةً ضمن شبكة الحزام والطريق، ويؤكد على دورها الجيواقتصادي كحلقةِ وصلٍ حيويةٍ بين آسيا، أفريقيا، والعالم العربي. هذا البعدُ الاستراتيجيُ يجعل من المبادرة عاملًا محددًا رئيسًا في صياغة العلاقات الثنائية، إذ يرتبطُ مباشرةً بالأهداف الاقتصادية الوطنية لمصر وخططها التنموية المستقبلية، ويعزز من مكانتها كشريكٍ رئيسيٍ للصين في المنطقة.
6- انضمام مصر لـ تجمع البريكس: حيث شكّلَ انضمام مصر إلى تجمّع البريكس منذ أوائل 2024 خطوةً استراتيجيةً لتعزيز التمركز الاقتصادي والدبلوماسي في النظام الدولي الجديد كصوتٍ لدول الجنوب العالمي، هذا الانضمامُ يمنحُ العلاقاتِ المصريةَ–الصينية بعدًا متعدد الأطراف، ويُتيح لمصر الاستفادة من مظلةٍ جماعيةٍ لتنسيق الجهود في مجالات التمويل والتكنولوجيا والتجارة بالعملات المحلية، علاوةً على ذلك، يعزّز البريكس قدرةَ الدول النامية، بما فيها مصر، على التأثير في أدوات العولمة الاقتصادية وآلياتها المستحدثة، ما يعكسُ توافقَ الرؤى بين القاهرة وبكين بشأن شمول دول الجنوب في صياغة النظام الدولي الجديد وتحقيق التعددية الاقتصادية والمالية.
التواجد الصيني في الشرق الاوسط (7)
تدير الصين، حضوراً لوجستياً في الشرق الأوسط عبر استراتيجية بعيدة المدى تنطوي على استخدام الموانئ المدنية لأغراض عسكرية، بغية حماية مصالحها واستثماراتها، مع التحرك تدريجياً نحو ترسيخ وجودها الاستراتيجي طويل الأمد في المنطقة.
ويشهد الشرق الأوسط، تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقات الدولية تزامناً مع تنامي الدور الصيني، ويمكن تحليل نطاق وبنية وأهمية هذا الانخراط الصيني في المنطقة من خلال دراسة حجم وهيكل المشاركة الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط.
وتعتمد الاستراتيجية الصينية، بمقتضى هذا السياق، على ثلاث ركائز: اقتصادياً، من خلال ترسيخ مبادرة الحزام والطريق، وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية والتكنولوجيا، وتأمين إمدادات الطاقة، إذ أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر للعديد من دول المنطقة. ودبلوماسياً، من خلال إطلاق مبادرات ووساطات في القضايا الإقليمية (مثل الوساطة السعودية الإيرانية)، ومثل طرح خطة رباعية النقاط لتعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط في أبريل/نيسان 2026.
أما من الناحية الأمنية والعسكرية، فإن التوجه نحو تعميق التعاون الدفاعي ونقل التكنولوجيا العسكرية يعكس انتقالاً واضحاً من الحياد الاقتصادي الصيني إلى الانخراط الأمني المقصود. وخلال الفترة من 2025 إلى 2026، شهدت منطقة الشرق الأوسط نمواً في الشراكات الدفاعية والأمنية مع الصين، من خلال زيادة مشاركاتها في التدريبات والأنشطة العسكرية في المنطقة، وهي أنشطة تندرج ضمن دبلوماسية بكين العسكرية الرامية إلى تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع دول في المنطقة.
كما تبني الصين شراكات أمنية وتعزز التعاون الدفاعي مع دول محددة في الشرق الأوسط، متحوّلة من مجرد مورد أسلحة إلى شريك استراتيجي في تحديث الجيوش ونقل التكنولوجيا، إذ تركز بكين على شراكات استراتيجية شاملة مع قوى إقليمية رئيسية مثل (السعودية، والإمارات، ومصر، وإيران)، مستفيدة من رغبة هذه الدول في تنويع مصادر السلاح وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، خصوصاً في قطاعات الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي.
إن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تأتي في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، وتتجاوز في دلالاتها حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين، حيث يمثل مفهوم «الاتزان الاستراتيجي» المدخل الأوضح لفهم الزيارة.
ويمثل هذا المفهوم، أحد المرتكزات الأساسية في السياسة الخارجية المصرية، التي تقوم على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، من دون النظر إلى الشراكة مع الصين بوصفها بديلاً عن العلاقات مع الولايات المتحدة أو غيرها.
وعلى هذا الأساس، لا ينبغي تفسير الحفاوة المصرية باستقبال الرئيس الصيني بوصفها انحيازاً إلى بكين في مواجهة واشنطن، حيث أن العلاقات المصرية الصينية تطورت على مدى 7 عقود، حتى بلغت مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بالتوازي مع حرص القاهرة على الحفاظ على علاقاتها وشراكاتها مع الولايات المتحدة وسائر القوى الدولية.
وعلى ماسبق، يمكن القول إن المسألة لا تتعلق بالاختيار بين الصين والولايات المتحدة، بقدر ما ترتبط بواقع أن التنافس بين القوتين امتد إلى مجالات الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والأمن الدولي، الأمر الذي يجعل هامش المناورة أكثر تعقيداً وتكلفة. (8)
—-‐—————-المصادر———————-
1-http://arabic.china.org.cn/txt/2026-08/28/content_118669224.htm
2- https://shafcenter.org/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%8C-%D8%A7/
3- السيد صدقي عابدين، محددات موقف الصين تجاه تجدد الحرب على غزة، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تاريخ النشر: ٢٣ مارس ٢٠٢٥، متاح على الرابط: https://share.google/NFkvVF4NDTVSqRxv3
4- فتح وحماس وقعتا “إعلان بكين”، العربية، تاريخ النشر: ٢٣ يوليو ٢٠٢٤، متاح على الرابط: https://share.google/qrR4uLYD1w1G4u7EE
5- خالد خميس السحاتي، الصين والأزمة الليبية بين المصالح الاقتصادية والسياسات الحذرة، مجلة السياسة الدولية، تاريخ النشر: ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٢، متاح على الرابط: https://share.google/8cLR3RjxugfjA5VDO
6-بيان مشترك بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية بشأن تعميق علاقات الشراكة الاستراتيجية، الموقع الرسمي لرئاسة جمهورية مصر العربية، تاريخ النشر: ٢٩ مايو ٢٠٢٤، متاح على الرابط: https://share.google/XKDcXiv1xnYzhuNZj
7-https://www.bbc.com/arabic/articles/c0m2y9lj7wgo
8- https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/5312157-%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%B4%D9%8A-%D9%84%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D9%84%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7