حسابات الحرب.. كيف تفكر الدول المُستثمرة في إثيوبيا في حماية رؤوس أموالها؟

شهدت إثيوبيا خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في جذب الاستثمارات الأجنبية، رغم ما واجهته من تحديات سياسية وأمنية واضطرابات داخلية. وقد عكس منتدى “استثمر في إثيوبيا 2026″، الذي اختتم أعماله في مارس الماضي، استمرار الرهان الإثيوبي على الاستثمار باعتباره أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد، بعدما أسفر عن عدد من الاتفاقيات الاستثمارية، خاصة مع الصين والهند، إلى جانب استثمارات أخرى في قطاعات الطاقة والتعدين والصناعة والبنية التحتية.
غير أن تطورات الحرب الراهنة تضع هذا المسار أمام اختبار مختلف؛ إذ لم يعد التساؤل مرتبطًا فقط بقدرة إثيوبيا على جذب استثمارات جديدة، وإنما بمدى قدرة الاستثمارات القائمة على الاستمرار في بيئة تتزايد فيها المخاطر الأمنية والسياسية، ومدى ارتباطها باستقرار النظام الحالي أو بشخص رئيس الوزراء آبي أحمد، فضلًا عن موقف الدول والشركات المستثمرة إذا شهدت البلاد تغيرات سياسية خلال الفترة المقبلة.
وتأسيسًا على ذلك، يتناول هذا التحليل أبرز مؤشرات الاستثمار الأجنبي في إثيوبيا، وحجم الاستثمارات وتوزيعها وأهم الدول المنخرطة فيها، قبل الانتقال إلى استشراف مستقبل هذه الاستثمارات في ضوء تطورات الحرب، وما إذا كانت مرشحة للتراجع أو التوقف المؤقت، أم يمكن أن تستعيد زخمها وتتوسع مع عودة الاستقرار.
مؤشرات دالة:
يمكن الاستدلال على حجم ونوعية الاستثمارات في إثيوبيا من خلال النقاط التالية:
الشكل (1): حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في إثيوبيا خلال الفترة من 2021 إلى 2025
المصدر: البنك الدولي
(-) حجم الاستثمارات: تنامت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في إثيوبيا خلال العام المالي 2025/2026، كما يوضح الشكل (1)، إذ ارتفعت من 4.26 مليار دولار في عام 2021 إلى 4.32 مليار دولار في العام المالي 2025/2026، أي ارتفعت بنسبة 1.4%، كما ارتفعت بنسبة 32.5% بالمقارنة بما سجلته في عام 2023، حيث سجلت نحو 3.26 مليار دولار، وارتفعت بمعدل نمو 8% بالمقارنة بعام 2024. ومن الجدير بالذكر أن منتدى “استثمر في إثيوبيا 2026” جذب إلى إثيوبيا استثمارات ضخمة بقيمة 13.1 مليار دولار، عبر عقد سلسلة من الاتفاقيات، توزعت على قطاعات اقتصادية رائدة مثل الطاقة المتجددة، والتعدين، وصناعة الأمونيا الخضراء.
(-) الدول المستثمرة ونوعية الاستثمارات: ازدادت العلاقات الاستثمارية بين إثيوبيا وعدد من الدول، كما يوضح الشكل (2)، وذلك على النحو التالي:
الشكل (2): أهم الدول المستثمرة في إثيوبيا وحجم استثماراتها (بالمليار دولار)

(1)- الاستثمارات الصينية: على مدى العقدين الماضيين، ارتبط مسار التنمية في إثيوبيا ارتباطًا وثيقًا بشراكتها الاقتصادية المتنامية مع الصين، ويُعد خط السكك الحديدية الرابط بين أديس أبابا وجيبوتي واحدًا من أكثر المشروعات إحداثًا للتحول؛ فهو أول خط سكة حديد عابر للحدود في إفريقيا يعمل بالطاقة الكهربائية.
ومن ناحية أخرى، شكّل التصنيع ركيزة أساسية أخرى في استراتيجية التنمية في إثيوبيا، ولعبت الاستثمارات الصينية دورًا محوريًا في هذا التحول؛ إذ تُعد الشركات الصينية من بين أكبر المستثمرين الأجانب في البلاد، حيث استثمرت ما يزيد على 8.4 مليار دولار، تركزت بشكل خاص في قطاعات التصنيع والتشييد وتطوير المجمعات الصناعية. وقد نجحت مجمعات صناعية، مثل “المنطقة الصناعية الشرقية”، في استقطاب شركات تصنيع صينية ودولية.
وامتد الدعم الصيني ليشمل البنية التحتية للطيران والخدمات اللوجستية؛ فقد عززت التوسعات في مطار أديس أبابا بولي الدولي دور إثيوبيا كمركز طيران قاري، مما دعم نمو عدد المسافرين وقدرة مناولة الشحن. وتُكمل مرافق المطار المحسّنة شبكات السكك الحديدية والطرق، مما يجعل إثيوبيا بوابة استراتيجية بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. وقد تصدرت الشركات الصينية المشهد بإبرام اتفاقيات استثمارية بقيمة 10.5 مليار دولار خلال فعالية “الاستثمار في إثيوبيا 2026″، حيث سلطت الاتفاقيات المبرمة الضوء على مجالات إنتاج الأمونيا الخضراء وتصنيع المعدات الكهربائية.
(2)- الاستثمارات الهندية: بجانب الصين، هناك أكثر من 675 شركة هندية مسجلة لدى هيئة الاستثمار الإثيوبية، باستثمارات إجمالية تتجاوز 6.5 مليار دولار أمريكي، لا سيما في قطاعي التصنيع والأدوية الحيويين، مما ساهم في توفير أكثر من 75 ألف فرصة عمل محلية. فقد أشارت الوكالة الإثيوبية إلى أن الاستثمارات الهندية تتركز في قطاعات مثل زراعة الأزهار والهندسة والتصنيع والقطن والمنسوجات وإدارة المياه والتعليم والأدوية والرعاية الصحية وغيرها.
فضلًا عن ذلك، ازداد الوجود الاستثماري الهندي في إثيوبيا بعد زيارة رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” إلى إثيوبيا يومي 16 و17 ديسمبر 2025، وقد ارتقى البلدان بعلاقاتهما الثنائية إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية”، مما يمثل مرحلة جديدة من التعاون، إذ أكد رئيس الوزراء الهندي أن العلاقات بين البلدين مرشحة لمزيد من التعزيز، لا سيما في مجالات التجارة، والتكنولوجيا، والتعدين، والزراعة، والتعليم، بما يخدم المصالح المشتركة للجانبين.
(3)- الاستثمارات التركية: تحتل تركيا موقعًا بارزًا في الاستثمارات الموجودة في إثيوبيا، إذ أصبحت من أكبر المستثمرين الأجانب فيها، بإجمالي استثمارات تقارب 2.5 مليار دولار أمريكي، وبأكثر من 260 شركة تغطي قطاعات استراتيجية تشمل المنسوجات والأعمال الزراعية والبنية التحتية الرقمية.
(4)- الاستثمارات الإماراتية: تبلغ الاستثمارات الإماراتية في إثيوبيا نحو 2.9 مليار دولار، وتتوزع المشروعات الاستثمارية الإماراتية في إثيوبيا بواقع 38% في قطاع التصنيع، و27% في العقارات، و23% في الزراعة، و4% في التعليم، و4% في مقاولات البناء، و4% في مجالات أخرى.
وقد قدمت الإمارات حزمة استقرار حيوية بقيمة 3 مليارات دولار أمريكي، تضمنت صناديق منخفضة الفائدة، ومبادلات عملات، واستثمارات مباشرة لتخفيف نقص العملات الأجنبية في إثيوبيا. وبالإضافة إلى ذلك، تعمل أكثر من 100 شركة إماراتية في قطاعات تشمل الكيماويات، والأغذية والمشروبات، والألومنيوم، والأدوية، والعقارات.
(5)- الاستثمارات المغربية: يرتبط المغرب بعلاقات استثمارية كبيرة مع دولة إثيوبيا، ففي عام 2021 تم توقيع اتفاقية بين الطرفين، بتكلفة تتجاوز 6 مليارات دولار، لتنفيذ مشروع مشترك لتطوير الأسمدة، فالاستثمارات في المشروع ستبلغ نحو 2.4 مليار دولار أمريكي خلال المرحلة الأولى، و3.7 مليار دولار أمريكي في المرحلة الثانية.
(6)- الاستثمارات السعودية: استهدف مجلس الأعمال السعودي الإثيوبي استغلال الإمكانات غير المستغلة، فالمجلس يُعتبر منصة مهمة لدعم الصادرات السعودية واستهداف قطاعات حيوية في إثيوبيا؛ حيث يركز على جاذبية المناخ الاستثماري في إثيوبيا ودورها الاستراتيجي كمركز تجاري لمنطقة وسط إفريقيا. وفي السياق ذاته، تمول السعودية مشروعًا لتوسعة فندق في العاصمة الإثيوبية بتكلفة 116 مليون دولار، حيث أتمت مؤسسة التمويل الدولية استثمارًا بقيمة 80 مليون دولار، وذلك في إطار سعي أديس أبابا لتعزيز بنيتها التحتية في قطاع الضيافة.
مستقبل الاستثمارات:
في ظل الحرب الراهنة في إثيوبيا، فإن الحديث عن مستقبل الاستثمارات يُعتبر من الأهمية بمكان، وذلك على النحو التالي:
(-) إمكانية استمراريتها: بالرغم من أن رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” أحدث حالة من الرواج الاستثماري داخل دولته، من خلال هيكلة نظام الاستثمار الإثيوبي، بأن جعل جميع قطاعات الاقتصاد مفتوحة أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، ما لم ينص قانون أو لائحة أو توجيه محدد صراحة على تقييد أو حظر مشاركة الأجانب في قطاع معين، بالإضافة إلى إجراء مزيد من خطوات التحرير الاقتصادي المهمة خلال عامي 2024 و2025، حيث فُتحت قطاعات كانت مقتصرة سابقًا على المواطنين الإثيوبيين؛ فإنه مع ذلك لا يمكن الجزم بأن استمرار الاستثمارات مرتبط بوجوده في الحكم.
وما يفسر ذلك أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في إثيوبيا لم يكن ارتباطها كاملًا بشخصية “آبي أحمد”، بل إن الاستثمار داخل أي دولة يحمل مصالح للدولة المستثمرة؛ فمثلًا يُعتبر استثمار الهند والصين داخل إثيوبيا جزءًا من توسعهما داخل قارة إفريقيا بشكل أساسي، وهو ما يشير إلى أن هذه الاستثمارات لن تهرب إذا رحل “آبي أحمد”، ولكن يمكن القول إن الاستثمارات من الممكن أن تتوقف حتى عودة الاستقرار إلى الدولة، ومن الممكن أيضًا أن تواجه مرحلة من إعادة التقييم والتباطؤ الملحوظ حتى تتناغم العلاقات بين الدولة المستثمرة والسلطة الجديدة.
(-) إمكانية توسعها: يقيس هذا المعيار إمكانية توسع الاستثمارات في إثيوبيا إذا لم يوجد “آبي أحمد” في الحكم، ويُستدل عليه من التجربة السورية التي أُطيح فيها بـ”بشار الأسد” وجاء بدلًا منه “أحمد الشرع”. وعقب انتقال السلطة وسقوط النظام السابق، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن سوريا نجحت في تأمين استثمارات أجنبية بقيمة 28 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، حيث بلغ إجمالي التعهدات الرأسمالية الإقليمية والدولية لذلك العام نحو 56 مليار دولار، بالمقارنة بمعدلات صافي استثمار سالبة خلال الفترة من 1999 إلى 2011 (في عهد بشار الأسد)، وهو الأمر الذي يوضح أن هناك احتمالية لتوسع الاستثمارات بشكل أكبر بسبب مصالح الدول المستثمرة.
وللاستدلال بشكل أكبر على هذا التحليل لمستقبل الاستثمارات في إثيوبيا في ظل الحرب الأهلية الحالية، يمكن الاستعانة بنموذجي ليبيريا وسيراليون، اللذين أوضحا أن تغيير السلطة عقب الحروب الأهلية لا يؤدي تلقائيًا إلى هروب الاستثمارات الأجنبية، ولكن العامل الأكثر تأثيرًا هو مستوى الاستقرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة الجديدة على توفير بيئة أعمال مستقرة.
ففي نموذج ليبيريا، التي شهدت حربًا أهلية بين عامي 1989 و2003، تضررت الاستثمارات أثناء فترة الحرب، ولكن بعد الحرب تزايد اهتمام المستثمرين بليبيريا، ولا سيما في قطاعات الزراعة والتشييد والصناعات الاستخراجية والسياحة. وقد رُفعت عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على صادرات الأخشاب في عام 2006، وعلى صادرات الماس في مطلع عام 2007، وقد أدى رفع العقوبات إلى فتح الباب أمام الأنشطة الاستثمارية في تلك القطاعات.
ومنذ ظهورها لأول مرة في عام 2007 ضمن تصنيف “ممارسة أنشطة الأعمال” الصادر عن مؤسسة التمويل الدولية، ومؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حققت ليبيريا تقدمًا سنويًا مستمرًا. كما سجلت اللجنة الوطنية للاستثمار استثمارات أجنبية جديدة تجاوزت قيمتها 16 مليار دولار منذ عام 2006، تركزت في المقام الأول في الصناعات الاستخراجية.
وفي نموذج دولة سيراليون، التي شهدت حربًا أهلية حتى عام 2002، حدث اضطراب في الاستثمارات أثناء الحرب، إذ خرجت شركات مثل Metal Company وSierra Leone Ore من البلاد بسبب الحرب، ولكن بعد انتهائها بدأت الاستثمارات في العودة؛ فوفقًا للبنك الدولي، ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من نحو 59 مليون دولار في عام 2006 إلى 715 مليون دولار في عام 2011.

في النهاية، يمكن القول إن الحرب الحالية في إثيوبيا تفرض مجموعة من التداعيات على الاستثمار الأجنبي داخل الدولة، فلا يمكن لهذا الاستثمار أن يستكمل مشروعاته الاستثمارية بالوتيرة نفسها في ظل حالة عدم الاستقرار؛ حتى لا يتحول العائد على الاستثمار إلى المعدلات السالبة. ولكن الجزم بأن هذه الاستثمارات مرتبطة بشخصية “آبي أحمد” لا يُعد صحيحًا، وهو ما اتضح من التجارب التي تم الاعتماد عليها؛ فالاستثمار يتأقلم مع أي تطورات حتى يحقق الأهداف العليا منه، إذ إنه يتراجع بعض الشيء أثناء الحرب، ثم يعود إلى معدلاته الآمنة بعد عودة الاستقرار.