تحالف إسقاط المركز.. هل يتكرر سيناريو منجستو في إثيوبيا؟

تشهد الساحة الإثيوبية تطورًا جديدًا يعيد إلى الواجهة أزمة العلاقة بين المركز والأقاليم، بعد إعلان سبع جماعات إثيوبية معارضة ومسلحة تشكيل تحالف جديد تحت اسم “تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء”، بهدف إسقاط حكومة حزب الازدهار برئاسة آبي أحمد، وإقامة حكومة انتقالية وصياغة دستور جديد. وتنبع أهمية هذا التحالف من اتساع خريطته الجغرافية والقومية، إذ يضم قوى تنتمي إلى أقاليم وساحات صراع مختلفة، من جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات فانو الأمهرية وجيش تحرير أورومو، إلى فصائل أخرى في الإقليم الصومالي وعفار وبني شنقول-قمز.

ولا يأتي تشكيل هذا التحالف بمعزل عن التطورات التي شهدتها إثيوبيا خلال الفترة الأخيرة؛ فقد سبقه إعلان زعيم فانو، زيمين كاسي، في أغسطس الماضي، توحيد فصائل الحركة تحت قيادة واحدة، كما أكد جيش تحرير أورومو، في 17 سبتمبر، وجود تعاون أوسع بين قوى المعارضة المسلحة، مع تحفظه على وصف هذا التعاون بأنه اتفاق سياسي شامل. ويتزامن ذلك مع استمرار المواجهات في عدد من الأقاليم، بما يعكس اتساع نطاق الضغوط التي تواجهها الحكومة الفيدرالية وتعدد جبهات الصراع داخل الدولة.

غير أن أهمية التحالف الجديد لا تتوقف عند حدود التطورات العسكرية الراهنة، وإنما تطرح تساؤلًا يرتبط بتاريخ الدولة الإثيوبية نفسها؛ إذ يعيد المشهد إلى الأذهان التحالفات المسلحة التي أسهمت في إسقاط نظام منجستو هايلي ماريام عام 1991، قبل أن تدخل إثيوبيا مرحلة جديدة قامت على الفيدرالية الإثنية وإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والقوميات والأقاليم.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تبدو المفارقة في أن النظام الذي نشأ عقب سقوط منجستو بهدف إدارة التعدد الإثني لم ينجح في إنهاء أزمات المركز والأقاليم، بينما تعود قوى تنتمي إلى قوميات ومناطق مختلفة مرة أخرى إلى بناء تحالف واسع في مواجهة السلطة المركزية.

ومن هنا، لا تتعلق المسألة فقط بقدرة التحالف الجديد على ممارسة ضغط عسكري على حكومة آبي أحمد، وإنما بمدى قدرته على تجاوز اختلافات مكوناته وتحويل هدف “إسقاط المركز” إلى مشروع سياسي متماسك لما بعده. وهو ما يطرح التساؤل الرئيسي لهذه الدراسة: إلى أي مدى يمكن للتحالف الجديد أن يعيد إنتاج سيناريو 1991 في إسقاط السلطة المركزية؟ وهل تمتلك قواه تصورًا مشتركًا لإعادة بناء الدولة، أم أن اتساع التحالف يحمل في داخله عوامل هشاشته وتفككه؟

الفيدرالية الإثنية وأزمة المركز والأقاليم:

تأسست الدولة الإثيوبية الحديثة، منذ سقوط نظام منجستو هايلي ماريام عام 1991، على صيغة الفيدرالية الإثنية التي قسمت البلاد إلى أقاليم قائمة على الهوية القومية، في محاولة لاحتواء التنوع العرقي الذي تجاوز ثمانين قومية. غير أن هذه الصيغة، بدلًا من أن تحل معضلة التمثيل، أعادت إنتاجها في هيئة صراعات دورية على الموارد والسلطة والحدود الإدارية بين الأقاليم.

وانتهت تلك المرحلة إلى تبني دستور عام 1994، الذي أسس ما يعرف بالفيدرالية العرقية، إذ أعيدت هندسة الفضاء السياسي على أساس الهوية الإثنية، وقسمت إثيوبيا إلى تسع ولايات إقليمية وفق المادة 47 من الدستور، كما منح كل “شعب وقومية وأمة” حق تقرير المصير، بما في ذلك الانفصال، بموجب المادة 39 من الدستور ذاته. وقد أنتج هذا الترتيب الدستوري مفارقة مختلفة؛ فبدلًا من أن يصبح التعدد مصدرًا للثراء الوطني، تحول إلى آلية لمأسسة الانقسام وتسييس القبلية وتوليد الصراع.

وقد تجلى أثر هذه الفيدرالية العرقية في موجات متصاعدة من النزاعات والتطهير العرقي؛ فقد أجبر نحو مئة ألف من الأمهرا على النزوح من ولاية أوروميا، وطالت عمليات التهجير والقتل وسوء المعاملة مناطق عديدة من البلاد. كما شهدت إثيوبيا بين عامي 2020 و2022 حربًا مدمرة في إقليم تيغراي انتهت باتفاق بريتوريا، قبل أن تنتقل بؤرة التوتر إلى أمهرة وأوروميا، ثم تعود لتتصاعد مجددًا في تيغراي خلال عام 2026.

وهذا التذبذب المستمر بين الحرب والهدنة الجزئية يمثل مدخلًا مهمًا لفهم التحالف الجديد؛ فهو ليس تطورًا طارئًا بقدر ما يمثل تكثيفًا لنمط متكرر من التحالفات المناطقية المؤقتة التي تتشكل كلما بلغ الاحتكاك مع المركز الفيدرالي ذروته.

وعلى الرغم من الآمال التي صاحبت مرحلة ما بعد عام 1991، أخفقت الحكومات الإثيوبية المتعاقبة في إدارة التنوع الوطني إدارة ناجعة، واكتفت في معظم الأحيان بنقل مظاهر الأزمة من المستوى المركزي إلى المستويات المحلية. فبدلًا من النظر إلى الصراع بوصفه نتاجًا لاختلالات بنيوية تستلزم معالجة وطنية شاملة، جرى تقديمه باعتباره نتيجة لخلافات محلية أو قبلية أو إقليمية، الأمر الذي أسهم في إبعاد المسؤولية عن العوامل المركزية التي شاركت في إنتاجه واستمراره.

ومن هذا المنظور النقدي، لا يبدو نظام آبي أحمد مختلفًا بصورة جوهرية عن هذا المسار؛ إذ واصل التعامل مع الأزمات باعتبارها مشكلات محلية منفصلة، من دون معالجة الأسس الدستورية والسياسية التي كرست الفيدرالية القائمة على الانتماء العرقي، أو صياغة إطار وطني جامع يعيد تنظيم العلاقة بين مكونات الدولة. ونتيجة لذلك، ظل الدستور الإثيوبي عاجزًا عن تقديم إدارة مستقرة للتعدد، لأنه حول الهوية إلى أساس للتمثيل السياسي، وأقر حق الانفصال دستوريًا، وأسهم في ترسيخ الشك المتبادل بدلًا من تعزيز مفهوم المواطنة المشتركة.

وبذلك، بقيت إثيوبيا عالقة في دائرة متكررة من الصراعات الإثنية والنزوح وعدم الاستقرار السياسي، الأمر الذي حال دون تحويل التنوع السكاني والثقافي إلى مصدر للوحدة الوطنية والتنمية المستدامة.

التحالف الجديد بين اتساع الجبهة وهشاشة التماسك:

على الرغم من التقدم الذي أحرزته قوات التحالف على عدد من مواقع القتال، فقد أعلنت قوات جبهة تحرير تيغراي سيطرتها على مطارات ميكيلي وأكسوم وشاير، وهو ما دفع الخطوط الجوية الإثيوبية إلى تعليق رحلاتها إلى المطارات الثلاثة، بما يطرح تساؤلات حول مستقبل اتفاق بريتوريا.

إلا أن القراءة المتأنية لهذا التحالف تكشف عن العديد من الاختلافات الجوهرية بين مكوناته، وهو ما يظهر في بيان التأسيس الذي جرى إعلانه؛ إذ كشف البيان عن فجوة بين الإعلان السياسي والالتزام العملياتي، خاصة مع تحفظ جيش تحرير أورومو على وصف التحالف بأنه اتفاق سياسي شامل. وهو ما يشير إلى أن هذه الوحدة المعلنة أقرب إلى تفاهم على الحد الأدنى من التنسيق منها إلى بنية قيادة موحدة.

وتحتفظ كل جماعة بأجندتها ومطالبها وسياقها المحلي المختلف، وهو ما يبرز كذلك من خلال عدم الإعلان، حتى هذه اللحظة، عن هيكل قيادي واضح للتحالف. ومن هنا يصبح السؤال الجوهري: إلى أي مدى يمكن لأطراف التحالف، رغم تباين مصالحها، ترجمة هذا الإعلان إلى تنسيق عسكري وميداني فعلي؟

فالتجربة التاريخية لتحالفات المعارضة الإثيوبية تظهر أن الإعلان السياسي يسبق، في كثير من الأحيان، القدرة التنظيمية بفارق زمني قد يمتد لسنوات، وأن كثيرًا من هذه التحالفات تذوب أو تتفكك قبل أن تختبر قدرتها الفعلية على العمل المشترك.

أما إذا نجح هذا التحالف في زيادة مستوى التنسيق والوصول إلى اندماج أكبر بين قوات الحركات السبع، فإن المشهد الإثيوبي قد يشهد تحولًا جديدًا. وفي المقابل، إذا غلبت الخلافات بين مكوناته، فسيبقى التحالف إطارًا هشًا يعكس تعقيد الصراع أكثر مما يغير مساره.

تشابه إسقاط المركز واختلاف شروط إعادة بناء الدولة:

يعكس التحالف المسلح الذي تشكل في سبتمبر 2026 بعض أوجه الشبه مع التحالفات المسلحة التي أسهمت في إسقاط نظام منجستو عام 1991، وإن كانت المقارنة لا تعني تطابق بنية التحالفين. ففي الحالتين يظهر نمط الجبهة المسلحة العابرة للأقاليم والقوميات في مواجهة السلطة المركزية؛ إذ استطاعت الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية (EPRDF)، بقيادة جبهة تحرير شعب تيغراي، أن تجمع خلال المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية تنظيمات إثنية وسياسية متعددة، قبل أن تتولى السلطة في مايو 1991، وتشارك لاحقًا في تشكيل حكومة انتقالية ضمت قوى أخرى، من بينها جبهة تحرير أورومو.

أما التحالف المعلن في سبتمبر 2026، فيضم سبع قوى مسلحة وسياسية من تيغراي وأوروميا وأمهرا والإقليم الصومالي وعفار وبني شنقول-قمز، بما يجعله تحالفًا واسعًا جغرافيًا وإثنيًا، رغم التباين الكبير بين مكوناته.

ويتشابه الطرفان كذلك في الهدف المعلن المتمثل في إزاحة السلطة القائمة والانتقال إلى ترتيب سياسي جديد؛ ففي أعقاب سقوط منجستو أنشئت حكومة انتقالية، واعتمد الميثاق الانتقالي أساسًا لإعادة تنظيم الدولة، قبل الانتقال إلى صياغة الدستور الفيدرالي. وفي الحالة الراهنة، أعلن التحالف الجديد أن إسقاط حكومة آبي أحمد يرتبط بإقامة إدارة انتقالية شاملة.

غير أن الفارق المهم يتمثل في أن تحالف 1991 كان يتحرك تدريجيًا نحو بناء ترتيبات مؤسسية محددة، بينما لم تتبلور بعد بصورة واضحة طبيعة الترتيب السياسي والدستوري الذي يمكن أن يجمع القوى السبع في حال نجاحها في إزاحة الحكومة الحالية.

ويستند التشابه كذلك إلى تعدد الضغوط العسكرية الواقعة على السلطة المركزية؛ فالحكومة الإثيوبية تواجه في الوقت الراهن ضغوطًا متزامنة من فانو في أمهرا، وجيش تحرير أورومو في أوروميا، والتوتر المتجدد في تيغراي، الأمر الذي يفرض على القوات الفيدرالية توزيع مواردها بين أكثر من جبهة. غير أن ذلك لا يكفي وحده لإثبات وجود انقسامات داخل المؤسسة العسكرية، ومن ثم فإن الأدق النظر إليه بوصفه مؤشرًا على الضغط العملياتي وتعدد الجبهات، لا باعتباره دليلًا على قرب حدوث انشقاق عسكري.

وفي المقابل، تختلف البيئة الدستورية التي يتحرك فيها التحالف الحالي جذريًا عن تلك التي واجهتها قوى المعارضة عام 1991. فقد كانت إثيوبيا عند سقوط منجستو خارجة من نظام شديد المركزية، ولم تكن الفيدرالية الإثنية قد ترسخت بعد؛ إذ بدأ تأسيسها خلال المرحلة الانتقالية، ثم كرست في دستور 1994/1995.

أما الدولة الحالية فتقوم على نظام فيدرالي يمنح “الأمم والقوميات والشعوب” حق تقرير المصير، بما في ذلك الانفصال وفق إجراءات دستورية محددة بموجب المادة 39. ومن ثم، فإن انهيار السلطة المركزية اليوم لا يفتح فقط مسألة من سيحكم إثيوبيا، وإنما يثير أيضًا سؤالًا أكثر تعقيدًا يتعلق بقدرة النظام الفيدرالي على الحفاظ على وحدة الدولة في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة وتباين تصوراتها بشأن توزيع السلطة الإقليمية والمركزية.

ويختلف السياق الدولي كذلك بصورة جوهرية؛ فقد تزامن سقوط منجستو مع نهاية الحرب الباردة وتراجع الدعم السوفيتي للنظام، الأمر الذي أسهم، إلى جانب العوامل العسكرية والسياسية الداخلية، في إضعاف قدرته على مواصلة الحرب. أما حكومة آبي أحمد فتعمل داخل شبكة أكثر تعددًا من العلاقات الإقليمية والدولية، ولا تزال تتمتع بشراكات اقتصادية وسياسية وأمنية مع قوى خارجية متعددة، وإن كانت هذه العلاقات لم تخل من الضغوط والانتقادات الغربية، ولا سيما خلال حرب تيغراي.

وبالتالي، فإن قدرة المعارضة الحالية على تكرار مسار 1991 لا تتوقف فقط على قدرتها على التنسيق العسكري، وإنما أيضًا على قدرتها على التعامل مع بيئة إقليمية ودولية أكثر تعقيدًا من البيئة التي أحاطت بسقوط منجستو.

مفارقات إسقاط المركز:

أظهرت تجربة إثيوبيا منذ عام 1991 مفارقة بنيوية في ديناميات الإطاحة بالنظام المركزي؛ فكلما اتسعت الجبهة المسلحة المعارضة للمركز بفعل تعدد المكونات الإثنية والإقليمية، زادت قدرتها المحتملة على تحدي السلطة المركزية عسكريًا وسياسيًا، لكنها واجهت، في الوقت نفسه، صعوبة أكبر في الاتفاق على شكل السلطة التي ستنشأ بعد إسقاطها.

وهذه المفارقة ليست عارضة، بل هي نتاج لبنية الفيدرالية الإثنية ذاتها، التي حولت التنوع الإثني من مورد محتمل للتماسك إلى مصدر للصراع على الموارد والحدود والتمثيل.

وفي حالة عام 1991، نجحت الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية (EPRDF) في إسقاط نظام منجستو بفضل تحالف واسع قادته جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) مع حركات قومية أخرى. غير أن هذا التحالف، رغم انتصاره العسكري، لم يتحول إلى عقد وطني جامع، بل أعاد إنتاج الهيمنة الإثنية تحت غطاء فيدرالي، ما ولد صراعات دورية على مدى ثلاثة عقود.

وبعد عام 2018، عندما حاول آبي أحمد تفكيك هيمنة جبهة تحرير شعب تيغراي عبر حزب الازدهار، عادت الدينامية نفسها؛ فتحالفات مناطقية مؤقتة، من فانو في أمهرا، وجيش تحرير أورومو في أوروميا، وجبهة تحرير شعب تيغراي في تيغراي، تتشكل كلما بلغ الاحتكاك مع المركز ذروته، لكنها تعجز عن صياغة رؤية مشتركة لما بعد إسقاطه.

ويرتبط السبب الجوهري لهذه المفارقة بثلاثة عوامل رئيسية: أولها أن كل حركة في التحالف تحمل مشروعًا إثنيًا ومطالب خاصة بها، سواء فيما يتعلق بحق تقرير المصير أو السيطرة على الموارد أو الحدود الإدارية، ما يجعل التوافق على “دولة ما بعد المركز” عملية شديدة التعقيد. وثانيها غياب قيادة مهيمنة قادرة على فرض رؤية جامعة، كما فعلت جبهة تحرير شعب تيغراي عام 1991، وهو ما يحول التحالف إلى “ائتلاف سلبي” في مواجهة خصم مشترك أكثر منه “ائتلافًا إيجابيًا” لبناء بديل سياسي. أما العامل الثالث، فيتعلق بتعدد تأثيرات القوى الإقليمية والدولية في الأزمة الإثيوبية، وما يمكن أن يترتب على اختلاف مصالحها وعلاقاتها بأطراف الصراع من زيادة صعوبة الوصول إلى تسوية داخلية.

ويبرز اتفاق بريتوريا لعام 2022 باعتباره أحد النماذج الدالة على هذه الإشكالية؛ فبعد عامين من الحرب، لم يتحول وقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية شاملة لجميع القضايا العالقة، إذ استمرت الخلافات حول عدد من الملفات الجوهرية، من بينها وضع غرب تيغراي، ونزع سلاح القوى المسلحة، والعدالة الانتقالية.

واليوم، مع تحالف 2026، تتكرر المعضلة بصورة مختلفة؛ فسبع حركات تعلن هدف إسقاط حكومة آبي أحمد، بينما لا تزال تفاصيل شكل الدولة البديلة والترتيبات السياسية لما بعد إسقاط الحكومة غير واضحة، بما يشير إلى أن “الإطاحة” تمثل حتى الآن الحد الأدنى المشترك بين هذه القوى، وليس بالضرورة الاتفاق على مرحلة “البناء”.

وقد يقود استمرار هذه المعضلة إلى دخول إثيوبيا في مرحلة من “التفكك الوظيفي”، حتى من دون حدوث انفصال رسمي؛ أي بقاء الدولة موحدة اسميًا، في مقابل تعدد مراكز القوة الإقليمية على أرض الواقع. ومن ثم، فإن تجاوز هذا السيناريو يرتبط بقدرة القوى المختلفة على الانتقال من مجرد “تحالف للإطاحة” إلى صياغة إطار سياسي يعيد تنظيم توزيع السلطة والثروة والعلاقة بين المركز والأقاليم.

في النهاية، لا يبدو التحالف الجديد للمعارضة الإثيوبية مجرد تطور عسكري يستهدف حكومة آبي أحمد، وإنما يمثل اختبارًا جديدًا لقدرة الدولة الإثيوبية على إدارة التعدد الإثني والإقليمي، الذي ظل أحد مصادر أزمتها السياسية منذ سقوط منجستو. فثمة أوجه شبه واضحة مع عام 1991، أبرزها اتساع الجبهة المعارضة للسلطة المركزية، وتعدد مكوناتها القومية، وارتباط إسقاط النظام بفكرة الانتقال السياسي. غير أن اختلاف البيئة الدستورية والسياسية والدولية يجعل تكرار سيناريو 1991 بصورة كاملة أمرًا غير محسوم.

وتكمن المفارقة الأساسية في أن اتساع التحالف قد يعزز قدرته على الضغط على المركز، لكنه في الوقت نفسه يكشف صعوبة الانتقال من وحدة الهدف المتمثلة في إسقاط الحكومة إلى توافق سياسي حول شكل الدولة وإدارة السلطة بعدها. فالقوى السبع لا تتحرك بالضرورة وفق أجندة واحدة، كما أن النظام الفيدرالي الحالي أوجد مراكز قوة إقليمية وقومية أكثر رسوخًا مما كانت عليه إثيوبيا عند سقوط منجستو.

ومن ثم، فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: هل يستطيع التحالف إضعاف المركز؟ وإنما: هل يستطيع تحويل هذه الوحدة العسكرية المؤقتة إلى مشروع سياسي قادر على إعادة بناء الدولة والحفاظ على تماسكها؟

د. محمد فؤاد رشوان

خبير مشارك في شئون الدراسات الأفريقية، الباحث حاصل على دكتوراه الفلسفة فى الدراسات الأفريقية من جامعة القاهرة، وكان يعمل مساعداً رئيس تحرير مجلة الشئون الأفريقية خلال الفترة من 2013 – 2018، وعضو مؤسس فى رابطة التواصل الأفريقي، ومحاضراً لدى مكتب الاتحاد الأفريقي بالقاهرة خلال الفترة من 2015 وحتى تاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى