واجهات جديدة.. كيف تعيد جماعة الإخوان بناء حضورها في الغرب؟

تأتي التحركات الأخيرة للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين في العواصم الأوروبية ـ لاهاي وامستردام ـ لتكشف عن مرحلة جديدة من محاولة إعادة تموضع التنظيم بالخارج. فلم تكن الاستعدادات الجارية لاستضافة هولندا للمؤتمر الموسع للتنظيم والكيانات الموازية التابعة له ـ في مقدمتها ما يعرف بحزب أمل مصر وائتلافات حقوقية ومجتمعية مستحدثة ـ مجرد نشاط روتيني للمهجر الإخواني؛ بل ارتبطت بتصاعد لافت في مشاركة واستقطاب شخصيات أكاديمية، وسياسية، وحقوقية غربية، وأمريكية.
وقد تجلى هذا التحول في محاولة التنظيم في تمرير الرواية الإخوانية بشأن ملف حقوق الإنسان المكذوب المتعلق بالمعتقلين والبيئة السياسية في مصر داخل أروقة بعض المؤسسات والمنظمات الحقوقية الغربية، عبر صدور بيانات وتوصيات تتبنى سردية التنظيم بالكامل. هذا التنسيق الممنهج بين أجنحة التنظيم المتدفقة تحت مسميات مدنية وبعض الفاعلين الغربيين يعيد التذكير بالآليات المزدوجة التي تعتمدها الجماعة لتضليل الرأي العام العالمي والتغطية على طبيعتها الراديكالية وممارساتها السابقة.
من هذا المنطلق؛ يحاول هذا التحليل الإجابة عن مجموعة من الأسئلة المحورية: ما هي الآليات التي تعتمدها الكيانات الإخوانية المستحدثة لاختراق الأوساط الغربية؟، لماذا تنجذب بعض الشخصيات الغربية الأكاديمية والحقوقية لتبني وتصديق الرواية الإخوانية بشأن الأوضاع السياسية في مصر؟، ما هي دلالات اختيار هولندا ساحة أساسية لإطلاق هذه الفعاليات؟
تفكيك الواجهات:
يمكن القول إن إطلاق جماعة الإخوان لكيانات تحمل مسميات ذات صبغة مدنية أو ليبرالية، هو بمثابة استراتيجية مدروسة تعرف “التخفي المظلي”. حيث تسعى الجماعة من خلال تطبيقها إلى تفادي الوصم الأمني والسياسي المرتبط باسم “الإخوان المسلمين” بسبب تصنيف الجماعة أو كيانات تابعة لها في العديد من الدول الغربية تنظيمًا إرهابية، ومحاولة قانونية لبعض الدول الأخرى إحداث هذا التصنيف. ويقصد باستراتيجية “التخفي المظلي” المقتبسة من مناهج العلوم العسكرية، اعتماد تكتيك قائم على إنشاء واجهات موازية وعناوين براقة ذات صبغة حقوقية ومدنية، لإخفاء الهوية الأيديولوجية الأصلية وتسهيل اختراق المنصات الغربية.
إذ تكمن خطورة هذه الواجهات في قدرتها على توفير منصة مغسولة أيديولوجيًا تسهل على الشخصيات الغربية التعامل معها دون حرج سياسي أو أخلاقي. فاستخدام مصطلحات مثل “الأمل، الحقوق، العدالة، التحول الديمقراطي” يمثل جسرًا لغويًا يتلاقى مع أدبيات العلوم السياسية والحقوقية في الغرب، مما يمنح الجماعة فرصة للظهور بمظهر المعارضة المدنية الديمقراطية المضطهدة.
بالتالي؛ فإن انخراط شخصيات أمريكية وغربية في مؤتمرات الإخوان وتصديقهم للرواية المضللة المتعلقة بملف المعتقلين السياسيين المزعوم ووصفهم الممكذوب للأوضاع الداخلية بمصر، يرجع إلى تقاطع عدة عوامل استراتيجية وبنيوية تتمثل في:
(*) السطحية الأكاديمية والجهل بالطبيعة التنظيمية للجماعة: تعاني قطاعات واسعة من المراكز البحثية والنشطاء الغربيين من اختزالية حادة، حيث يتم تقييم الجماعات على أساس المظلومية المزعومة الظاهرة وليس بناء على التاريخ الأيديولوجي، أو الممارسة العملية في السلطة، أو الأدبيات التأسيسية للتنظيم التي تشرعن العنف.
يتمثل هذا في اصدار تلك الجهات الحقوقية تقارير تركز حصرًا على ظروف الاحتجاز المزعومة لعناصر الجماعة، مع اغفال سياق ارتكاب نفس الكوادر أعمال عنف كحرق مراكز الشرطة أو تشكيل لجان نوعية مثل “حسم” و”لواء الثورة”، رغم أن وجوه إخوانية ممن اسسوا تلك اللجان هم أبرز المشاركين في المؤتمر المزمع انعقاده وغيره من الفعاليات السابقة.
(*) استثمار الإخوان في شبكات العلاقات العامة: يمتلك التنظيم الدولي في أوروبا قدرات مالية وتنظيمية تمكنه من تمويل أبحاث إخوانية، وتنظيم مؤتمرات داخل جامعات ومراكز تفكير غربية، وتقديم شهادات وحالات إنسانية منتقاة لوسائل الإعلام الغربية، مما يخلق بيئة معلوماتية أحادية الجانب.
من أبرز الأمثلة على ذلك؛ عقد جلسات استماع في البرلمان الأوروبي حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وقيام منظمات “مجلس المبادرة المسلمة في أوروبا” بتقديم شهادات إنسانية مؤثرة أمام نواب غربيين دون حضور طرف يمثل وجهة النظر الاستراتيجية للأمن القومي المصري. رعاية فعاليات داخل مؤسسات وجامعات أوروبية مثلSOAS, Exeter، حيث يدعى باحثون غربيون لإلقاء محاضرات في مؤتمرات بتمويل مباشر من مؤسسات إسلامية أوروبية تابعة للتنظيم الدولي للإخوان.
(*) البرغماتية السياسية الغربية: تنظر بعض الدوائر الرسمية وغير الرسمية في الغرب إلى التيارات الإسلامية الحركية باعتبارها “أداة توازن” أو كارت ضغط جيوسياسي، يمكن استخدامه ضد الأنظمة الوطنية في الشرق الأوسط، للحصول على تنازلات سياسية أو اقتصادية.
من الأمثلة على ذلك؛ استخدام بعض حكومات أو برلمانات الاتحاد الأوروبي لملفات الجماعة والمظلومية الحقوقية، كأداة ضغط استراتيجية وسياسية أثناء المفاوضات الاقتصادية أو أزمات الهجرة غير الشرعية مع دول شرق المتوسط.
في هذا السياق؛ أظهر هذا الانخراط الغربي نجاح الإخوان في بناء حالة تحالف غير رسمي مع قطاعات من اليسار الليبرالي الغربي والمنظمات الحقوقية الدولية. هذا التحالف لا يقوم على التوافق الفكري، بل على التعاون ضد عدو مشترك، كلا الطرفين يستهدف الدولة الوطنية ومؤسساتها الأمنية والقضائية.
وتجدر الإشارة هنا؛ إلى أن سياسات هذا التحالف لا تتعارض مع التضيقات الأمنية والتشريعية التي تعرضت لها الجماعة في دول مثل فرنسا والنمسا وألمانيا في السنوات الأخيرة، إذ تقوم استراتيجية الغرب على سياسة توزيع الأدوار، والتي تتمثل في تعامل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية مع التنظيم كخطر يهدد السلم المجتمعي والهوية الغربية، في المقابل تتعامل بعض الدوائر البرلمانية والبحثية والحقوقية بمنطق مجرد يركز على حرية التعبير وحرية المعارضة ـ وفق زعمهم ـ بمعزل عن محددات الأمن القومي.
من هنا تستغل الجماعة هذا الانقسام البنيوي عبر “التخفي المظلي” للالتفاف على الرقابة الأمنية بالابتعاد عن المسميات التقليدية للجماعة، والتمدد داخل المساحات الحقوقية والأكاديمية المفتوحة لبناء شراكات، وتثبيت سرديتها لدى النخب الغربية.
الجغرافيا الاستراتيجية للمهجر:
يمثل اختيار هولندا لاستضافة المؤتمر القادم للجماعة اختيارًا مدروسًا، فقد جاء نتيجة دراسة للبيئة التشريعية والأمنية في الداخل الهولندي والأوروبي للعوامل التالية:
(-) المرونة التشريعية والتسهيلات: تتمتع هولندا ببيئة قانونية تمنح حرية واسعة لتأسيس الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية، فضلًا عن ضعف آليات الرقابة المسبقة على تمويلات ومصادر المؤسسات التابعة للكيانات الدينية.
(-) القرب من المراكز الحقوقية والقانونية الدولية: توفر الجغرافيا الهولندية (لاهاي كمقر للمحاكم والمؤسسات الدولية) ميزة استراتيجية للتنظيم لإضفاء صبغة قانونية دولية على فعالياته، واستغلال القرب الجغرافي لتقديم شكاوى وعرائض استعراضية ضد الدولة المصرية أمام المحاكم الأوروبية والدولية.
(-) سد الفراغ الناجم عن التضيق في ساحات أخرى: بعد التضييق الجزئي على نشاط الجماعة في بريطانيا وفرنسا وبعض دول الخليج، انتقل الثقل الإجرائي والتنظيمي إلى دول الساحل الشمالي والغربي لأوروبا (مثل هولندا وبلجيكا والنمسا) لإعادة بناء الشبكات وتجميع الموارد واستثمارها.
تشير هذه العوامل مجتمعة؛ إلى أن تحول هولندا إلى مركز عمليات إعلامي وحقوقي للإخوان ينذر بتحويل الشتات الأوروبي للجماعة إلى منصة تحريض دائم، تعتمد على الآليات الرقمية والمؤتمرات المباشرة كمحاولة لإرباك العلاقات المصرية ـ الأوروبية والتأثير على السياحة المصرية.
توظيف المظلومية حقوقيًا:
تعتمد الجماعة في فعالياتها الخارجية على استراتيجية الخطاب المزدوج؛ حيث توجه للداخل والإعلام العربي خطابًا ينطلق من أدبيات سيد قطب حول المظلومية، لشحن وتعبئة القواعد واستنفار التعاطف، بينما توجه للمنصات والمؤتمرات الغربية خطابًا ينطلق من مصطلحات “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، “حرية الرأي”، و “المعتقلين السياسيين”.
وتتجلى هذه الاستراتيجية في ممارسات التزييف الرقمي من قبل الجماعة، والسردية الانتقائية عبر ترويج بيانات غير دقيقة حول أعداد وظروف المعتقلين، مع إغفال تام للجرائم الإرهابية وأعمال العنف التي انخرطت بها عناصر الجماعة، وصدرت فيها أحكام قضائية باتة. كما تتجلى في اختراق حركات الشباب بالخارج من قبل جيل أبناء الإخوان في الخارج، واستغلال الوجوه الشبابية غير المعروفة أمنيًا أو تنظيميًا لتمثيل هذه الكيانات، لطمس أي صلة مباشرة بالقيادات التاريخية الموصومة بالتطرف.
في هذا السياق؛ يعد التوظيف الحقوقي للرواية الإخوانية خط الدفاع الأخير للتنظيم، لمنع انهياره الكامل بعد فقدانه للقواعد الشعبية في الداخل المصري والإقليمي. وهو محاولة لتعويض العجز السياسي الميداني بتحقيق “انتصارات رمزية” في المحافل الدولية.
في الأخير؛ تجدر الإشارة إلى أن مواجهة التمدد الإخواني تحت المظلات الحقوقية والغربية تتطلب الانتقال من رد الفعل التقليدي إلى المبادرة الاستراتيجية عبر آليات متعددة المستويات، تكون ملامحها كالتالي:
(*) الدبلوماسية العابرة للمؤسسات: إمداد مراكز التفكير والشخصيات النيابية والحقوقية الغربية بشكل دوري بملفات معلوماتية وقانونية موثقة تفكك الرواية الإخوانية، وتوضح طبيعة الأحكام القضائية الصادرة ضد قيادات وأفراد التنظيم، ومدى تورطهم في عمليات عنف وإرهاب.
(*) كشف السجل الأيديولوجي للواجهات الجديدة: تسليط الضوء الأكاديمي والإعلامي الدولي على شبكات المالكين والممولين والمؤسسين لكيانات مثل “حزب أمل مصر” و “حركة ميدان” وغيره من الجمعيات في هولندا، لإثبات التبعية الهيكلية والأيديولوجية للتنظيم الدولي للإخوان.
(*) تطوير خطاب حقوقي وطني مبادر: تعزيز التواصل المباشر مع المنظمات الدولية المستقلة، ونشر التحديثات المتعلقة باستراتيجية حقوق الإنسان والمبادرات الإنسانية الوطنية، لسحب البساط من تحت إستراتيجية المظلومية الإخوانية.
(*) الاستثمار في المؤشرات البحثية والمراصد الرقمية: تفعيل دور المراكز البحثية الوطنية في رصد وتحليل “التطرف الرقمي” والشبكات العابرة للحدود التي تستخدم هولندا وغيرها كمقر للتحريض، ونشر هذه الدراسات باللغات الأجنبية لإتاحتها للباحث والمسؤول الغربي.