تحالف مكة.. تكتل ردع إستراتيجي أم عامل جديد للتوتر الإقليمي؟

أثار توقيع “اتفاقية مكة للدفاع الثلاثي المشترك” في 7 أغسطس 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان- بمشاركة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف- سلسلة من التساؤلات الإستراتيجية حول أهداف هذا التحالف، والرسائل التي يريد أن يبعث بها، لا سيما وهو يأتي في ظرف إقليمي شديد التعقيد، واستمرار تسارع الأحداث التي تشدها المنطقة عقب اندلاع المواجهة الإيرانية-الأمريكية، والتي فرضت على القوى الإقليمية إعادة تموضعها لحماية مصالحها الحيوية في ظل بيئة أمنية متغيرة.

يحاول هذا التحليل الإجابة عن تلك التساؤلات وإلقاء بعض الإضاءات حول طبيعة تحالف مكة ومقوماته وفرص النجاح في تحقيق أهدافه.

لماذا هذا التحالف؟:

بالرغم من الأهمية الإستراتيجية للشرق الأوسط؛ لكن لا أحد يعتقد أن دوله – في ظل الظروف التي تمر بها- قادرة بقوتها الذاتية على اختراق التفاعلات والاختراقات الخارجية التي تغذي الأزمات وتستنزف القدرات وتهدد الأمن والاستقرار؛ وهو ما دفع الرياض للبحث عن صيغة أمنية جديدة.

ويبدو أن الحسم الأمريكي مع إيران لم يأتي وقته بعد، وبالرغم من أن الضربات الأمريكية ساهمت في إضعاف قدرات النظام الإيراني، ولم يعد يعد بإمكانه استعادة زمام الأمور كما كان سابقاً، إلا أن سقوط النظام في طهران يعنى حتما اشتداد الصراع على مختلف الجبهات، لوجود كيانات وعناصر موالية لإيران تمتلك قوة عسكرية، بعضها سيكون إرهابى الطبع والتسلح والأهداف، وهو ما يهدد آجلا أم عاجلا سلام واستقرار دول المنطقة، ويدفعها للبحث عن بدائل متاحة للحماية من مثل هكذا احتمال.

مثلث القوة .. وبيئة إقليمية معقدة:

يرتكز تحالف مكة على دمج ثلاث قوى إقليمية ذات ثقل متباين ومتكامل، فالسعودية: القوة الاقتصادية والغطاء المالي والديني، وتركيا: القوة العسكرية والتصنيع الدفاعي والتكنولوجيا المتقدمة، وباكستان: القوة العسكرية البشرية والردع النوي، كل ذلك يشكل تكتلاً يجمع بين القوة الاقتصادية تتجاوز 3 تريليونات دولار وعضوين في مجموعة العشرين، وأكبر دولة مصدرة للنفط، وقوة نووية تقدر بنحو 170 رأسا نوويا، وعضوا في حلف الناتو يمتلك أحد أكبر جيوشه، وقوات مسلحة تضم ملايين العسكريين، وترسانة من الطائرات والدبابات والسفن والغواصات، ما يعني أننا أمام منظومة عسكرية متكاملة، توحد جيوشاً وازنة وقدرات دفاعية متطورة، تمتلك القدرة على تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط .

لكن بالرغم من هذه المقومات، إلا أن ضبابية المشهد ومخاوف انفلات الفصائل الموالية لطهران- والتي قد يتحول بعضها إلى النمط الإرهابي الفوضوي- دفعت دول التحالف إلى بناء سياج أمني وقائي يُحيد سيناريوهات الفراغ الإستراتيجي؛ يظل التساؤل المفتوح: هل يملك هذا التكتل الدفاعي القدرة على فرض “تهدئة إجبارية” وكبح جماح وكلاء الحروب في المنطقة؟

أهداف معلنة وإشكالات هيكلية:

بلا شك تقوم التحالفات على الرؤى والأهداف المشتركة بين الدول، ولا يمكن الحديث عن تحالف بين دول متناقضة في السياسة الخارجية مهما امتلكت من عناصر القوة، لكن رغم الاستناد الرسمي إلى “التضامن الإسلامي” وبند “الاعتداء على دولة يعد اعتداءً على الجميع”، والذي يمثل التزاماً بالدفاع الجماعي لحمايةً المصالح الحيوية للدول الثلاث، نجد الاتفاق يعاني من ثغرات هيكلية وتكتنفه ضبابية إجرائية نتيجة غياب النص على الآليات والقواعد المعمول بها للتحرك العسكري الميداني، وكيفية التوافق مع الترتيبات الأقليمية القائمة، وما هو موقف التحالف من التوسع مستقبلاً لضم دول جديدة؟.

وإذا كان غياب مصر لا يعكس بالضرورة تناقضاً في الرؤوى مع الدول الثلاث، نجد أن مصر كقوة إقليمية؛ دائماً ما تلتزم بعدم الانضمام إلى أحلاف عسكرية قد تدفع إلى الاستقطاب، الأمر الذي يدفعها إلى الحفاظ على مصالحها وأمنها القومي، ودون المساس بأمن وسيادة الدول الأخرى.

التحالف ومواقف الأطراف :

يستمد مثلث القوة الإقليمي لتحالف مكة من الثقل التي تتمتع به أطرافه، من الجغرافيا والتاريخ والوزن السكاني والقوة العسكرية والاقتصادية، وإن تمكنت من التنسيق فيما بينها سيكون تحالف إستراتيجي فاعل، وسيكون له تأثير كبير على موازين القوى في المنطقة بأسرها؛ لا سيما في ضوء السياسة التركية التي تنسج علاقاتها بمهنية واحتراف شديدين، فهي عضو فى حلف الناتو وتطمح لدخول الاتحاد الأوروبي، ولديها علاقات اقتصادية مع كل القوى الكبرى، ولديها ارتباطات متعددة في المنطقة والعالم وتتحرك وفق حسابات دقيقة، وهذا يحول دون توظيف هذا التحالف عسكريا في المستقبل.

وترى أنقرة أن هذا التحالف دفاعي بحت، لكنه يبعث برسالة ردع واضحة ضد أي اعتداء يستهدف دول الحلف، لا سيما المملكة العربية السعودية التي تواجه تهديدات متواصلة من إيران ووكلائها، أما باكستان فترى تحالفها يهدف إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء على أي من الدول الثلاث، وسعي إلى تعزيز التعاون الدفاعي المشترك.

وتنطلق رؤى الدول الثلاث من إستراتيجية ثابتة قائمة على الحفاظ على أمن واستقرار دولها بعيداً عن التدخل في شؤون الدول الأخرى، إذ أن المنطقة لا تحتاج إلى المزيد من الاستقطابات، بقدر ما تحتاج إلى مساعي نبذ العنف والصراعات، والبحث عن حلول عملية لحل الخلافات، وهو أكثر ما يدفعها للبعد عن التورط في أي صراعات عسكرية.

في حين تنظر إيران إلى هذا التحالف بتشكك، وتصفه كما جاء على لسان مسؤوليه بأنه “اتفاق ورقي” لن يضمن أمن الخليج؛ إلا أن الاعتداءات الإيرانية المتكررة على دول المنطقة زادت من قناعة الشعوب الخليجية بضرورة وجود منظومة ردع جادة لتجنب استنزاف مواردها .

أما الولايات المتحدة فإلى الآن لم تعلن صراحة عن موقفها تجاه تحالف مكة، وإن كان هذا التحالف قد يشكل مكسباً إستراتيجياً لواشنطن، ويعزز من قدرتها على ضبط مسارات الصراع مع طهران، على اعتبار أنه لا يهدد المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية؛ بالنظر إلى العلاقات المتنامية مع أطراف التحالف.

بالأخير، يملك تحالف مكة مقومات الردع، إلا أن غياب التفاصيل التنفيذية قد يدفع أطرافاً خارجية للتعامل معه كتكتل مواجهة يزيد التوتر، بدلاً من كونه مظلة للردع والاستقرار، ومنع الحرب!!، ما يجعله يواجه خطر “التسييس المذهبي، حيث تتزايد المخاوف من محاولات إبراز الحلف كـ “تكتل سني” محاط بحساسية المكانة الدينية لمكة والمدينة، وهو ما قد تُستغل فيه الأبعاد المذهبية لتوريط التحالف في مواجهة استنزافية مستمرة تجبره على خوض معارك جانبية.

وإذا كانت التحديات التي تجابه الدول العربية قد فرضت على قادتها حسم خياراتهم أمام تردي الأوضاع فى المنطقة، لكن أمرأً مثيرا للاستغراب، هو ذلك التناسي لنظاما عربيا لا يزال قائما، حتى وإن أهملت مبادئه، لكنه لايزال بانتظار وجود إرادة حقيقة لتفعيله.

د. عبد الناصر سعيد

خبير مشارك- حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية , حاصل على في ماجستير الإعلام ,حاصل على ماجستير في العلوم السياسة , باحث مشارك في عدد من المراكز البحثية السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى