تحولات المشهد الإثيوبي.. كيف تتعامل مصر مع الأزمة؟

إثيوبيا لا تقف اليوم أمام أزمة واحدة، وإنما أمام مشهد تتقاطع فيه أزمات الداخل مع السودان والبحر الأحمر والنيل، في توقيت لا يسمح بالنظر إلى أي ملف منها بمعزل عن الآخر. والسؤال الذي يجب أن يشغل مصر الآن ليس فقط: ماذا يحدث داخل إثيوبيا؟
السؤال الأهم هو: إلى أين يمكن أن يقود هذا التصعيد إذا استمر؟ وهل تملك القوى المعارضة القدرة على تغيير موازين القوة داخل الدولة؟ وماذا يمكن أن يصل من تداعيات هذه الأزمة إلى السودان ودول حوض النيل والبحر الأحمر؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية.
فالمشهد الإثيوبي شهد خلال الأيام الأخيرة تصعيدًا عسكريًا جديدًا في الشمال، مع توسع المواجهات في إقليم تيغراي وامتدادها إلى مناطق في أمهرة وعفار، بينما أعلنت سبع جماعات مسلحة تشكيل تحالف جديد يضم قوى كانت، في مراحل سابقة، على خلاف وصدام فيما بينها. وهنا يجب التوقف، لأن وجود تحالف مسلح واسع ضد الحكومة لا يعني تلقائيًا أن هناك جبهة سياسية وعسكرية موحدة قادرة على السيطرة على الدولة.
من تيغراي إلى أزمة الدولة:
إثيوبيا دولة كبيرة متعددة القوميات والمناطق، وتاريخها السياسي الحديث شهد صراعات عميقة حول توزيع السلطة والثروة والنفوذ. وما يحدث الآن يعيد إلى الواجهة سؤالًا أكبر من حدود تيغراي: هل تستطيع الدولة الإثيوبية احتواء خلافاتها الداخلية داخل الإطار السياسي، أم أن السلاح سيصبح مرة أخرى وسيلة لإعادة تشكيل موازين السلطة؟
تشير التطورات الحالية إلى أن الأزمة دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا. القوى المسلحة المعارضة أصبحت قادرة على فتح أكثر من مسار للمواجهة، لكن بينها أيضًا اختلافات سياسية وجغرافية ومصلحية، وهو ما يجعل قدرتها على العمل ككتلة واحدة أمرًا يحتاج إلى اختبار حقيقي على الأرض. ومن هنا، فإن القول بسقوط الحكومة أو انتقال السلطة في إثيوبيا سيكون سابقًا لأوانه.
وفي المقابل، فإن تجاهل حجم التصعيد سيكون خطأً استراتيجيًا، فالخطر ليس فقط في من يسيطر على مدينة أو مطار، وإنما في أن يتحول الصراع إلى حالة استنزاف طويلة تُضعف مؤسسات الدولة، وتفتح الباب أمام تدخلات إقليمية، وتعيد رسم خريطة النفوذ في القرن الأفريقي.
الانتخابات لا تصنع وحدها توافقًا وطنيًا:
الانتخابات، مهما كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء الاستقرار إذا ظلت الخلافات السياسية والمجتمعية والأمنية خارج إطار التسوية. وهنا تكمن إحدى مشكلات المشهد الإثيوبي، فالدولة تحتاج إلى أكثر من عملية انتخابية؛ تحتاج إلى مساحة سياسية تسمح بوجود الخصوم داخل النظام السياسي بدلًا من دفعهم إلى البحث عن بدائل خارج مؤسسات الدولة.
وعندما تغيب هذه المساحة، يصبح السلاح أكثر إغراءً لبعض القوى، ويصبح الخلاف السياسي قابلًا للتحول إلى صراع أمني. وهذه ليست مسألة إثيوبية فقط، بل درس مهم لكل دولة متعددة القوميات والأقاليم. ماذا يريد الاتحاد الأفريقي؟ موقف الاتحاد الأفريقي مهم لأنه يضع الأزمة داخل إطار أفريقي، وليس باعتبارها مجرد صراع داخلي. وقد دعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي إلى أقصى درجات ضبط النفس، والوقف الفوري للتصعيد، والعودة إلى الحوار المباشر في إطار اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022، كما دعا دول الجوار إلى تجنب أي خطوات يمكن أن تزيد التوتر. والأهم أن الاتحاد الأفريقي أعاد التأكيد على أن اتفاق بريتوريا يمثل أساسًا للسلام والاستقرار والمصالحة في إثيوبيا. لكن السؤال الحقيقي هو: هل تكفي الدعوة إلى الحوار إذا استمر القتال على الأرض؟
التجربة الأفريقية نفسها تقول إن نجاح الوساطة لا يتوقف على وجود وسيط فقط، وإنما على قدرة الأطراف المتصارعة على الوصول إلى نقطة تجعل الحوار أقل تكلفة من استمرار الحرب. وهنا تظهر أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه الاتحاد الأفريقي، خصوصًا من خلال إعادة بناء الثقة، وفتح قنوات اتصال مباشرة، ومنع اتساع دائرة الصراع.
إريتريا والسودان البحر الأحمر في موقع الأزمة:
لا يمكن قراءة ما يحدث في شمال إثيوبيا بعيدًا عن الجغرافيا المحيطة. إريتريا تقع على حدود تيغراي، والبحر الأحمر يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، بينما تتقاطع في القرن الأفريقي مصالح دول إقليمية وقوى دولية عديدة. ولهذا، فإن أي توسع للصراع الإثيوبي قد يرفع منسوب الحساسية في منطقة تعاني أصلًا من أزمات متشابكة. ولا يعني ذلك افتراض وقوع مواجهة إقليمية، لكنه يعني أن استمرار الحرب يرفع عدد الأطراف التي قد تتأثر بها أو تحاول حماية مصالحها. وهنا يصبح ضبط الحدود، ومنع انتقال السلاح والمقاتلين، والحفاظ على خطوط الاتصال بين دول المنطقة، مسألة تتجاوز إثيوبيا نفسها.
بالنسبة لمصر، يظل السودان من أكثر الملفات حساسية، فالحدود وحركة السكان والأمن والتجارة والمياه وأمن البحر الأحمر كلها ملفات تجعل أي اضطراب واسع في إثيوبيا قابلًا لأن تكون له انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على السودان. وكلما طال أمد الصراع، زادت احتمالات الضغط على الحدود والمجتمعات المحلية، واتسعت مساحة الاقتصاد غير الرسمي وحركة السلاح والجماعات المسلحة. وهنا يجب أن تكون الأولوية الإقليمية هي منع تحول القرن الأفريقي إلى مساحة أزمات متجاورة لا توجد بينها حواجز حقيقية.
تداعيات الحرب في أزمة سد النهضة:
قد يعتقد البعض أن الحرب الداخلية في إثيوبيا يمكن أن تجعل ملف سد النهضة أقل أهمية، والواقع أن العكس قد يكون صحيحًا من زاوية إدارة المخاطر، فأي تغير في طبيعة السلطة أو في أولويات الدولة أو في البيئة الأمنية المحيطة بالسد يستحق المتابعة الدقيقة، ليس من باب التهويل، وإنما لأن الأمن المائي لا يحتمل المفاجآت. وقد أكدت مصر رسميًا، في الأيام الأخيرة، تمسكها بكل الخيارات المتاحة وفق القانون الدولي لحماية أمنها المائي، مع استمرارها في التأكيد على أهمية التعاون في حوض النيل. وهنا يجب أن نفرق بين أمرين: حق إثيوبيا في التنمية وحق دول المصب في حماية مصالحها المائية.
فالتنمية لا ينبغي أن تكون خصمًا للأمن المائي، كما أن حماية الأمن المائي لا ينبغي أن تتحول إلى رفض لتنمية دول حوض النيل. المطلوب هو إدارة الخلاف داخل إطار قانوني وفني وسياسي واضح، يمنع فرض الأمر الواقع، ويتيح في الوقت نفسه مشروعات تنمية حقيقية لشعوب المنطقة. هل تستطيع المعارضة السيطرة على المشهد؟ الإجابة الدقيقة: حتى الآن لا توجد معطيات كافية للجزم بذلك، لكن في المقابل أصبح واضحًا أن القوى المعارضة تملك قدرة أكبر على إرباك الحكومة، وفتح أكثر من جبهة، واستنزاف الموارد الأمنية والعسكرية، وفرض نفسها طرفًا لا يمكن تجاهله. والتحدي الحقيقي أمام هذه القوى ليس فقط قدرتها على القتال، بل قدرتها على الاتفاق على شكل الدولة، وحدود السلطة المركزية، وتقاسم النفوذ، ومستقبل الأقاليم، والعلاقة بين المكونات الإثيوبية المختلفة. فإسقاط حكومة شيء، وإدارة دولة متعددة القوميات والأقاليم شيء آخر تمامًا. وهنا ستكون وحدة المعارضة نفسها أمام اختبار صعب. ماذا لو استمر التصعيد؟ هناك أكثر من مسار ممكن، ولا ينبغي التعامل مع أي منها باعتباره نتيجة محسومة.
(*) المسار الأول،- احتواء التصعيد والعودة إلى التفاوض، وهو المسار الذي يمكن أن يعيد تفعيل اتفاق بريتوريا ويمنع اتساع الحرب.
(*) المسار الثاني،– استمرار الاستنزاف العسكري، بما يطيل الأزمة دون أن يؤدي بالضرورة إلى حسم سريع لأي طرف.
(*) المسار الثالث،- انتقال الأزمة إلى محيطها الإقليمي إذا ارتبط الصراع بحركة السلاح أو الحدود أو مصالح أطراف خارجية.
وهذا المسار الأخير هو الأكثر حساسية بالنسبة لدول الجوار، لأن الأزمة عندما تتجاوز حدود الدولة يصبح احتواؤها أكثر صعوبة. ماذا تعني الأزمة لدول حوض النيل؟ أزمة إثيوبيا لا تخص إثيوبيا وحدها، فالاستقرار في حوض النيل يرتبط بالاستقرار السياسي والأمني في دوله، وأي دولة كبيرة مضطربة داخليًا يمكن أن تتأثر بها حركة التجارة والطاقة والاستثمار والحدود والهجرة والأمن الإقليمي، كما أن الصراع الممتد قد يعيد ترتيب أولويات دول الحوض، ويزيد من اهتمام القوى الدولية بالمنطقة. ومن هنا، فإن حماية أمن النيل لا يجب أن تُختزل في ملف السد فقط.
الأمن المائي أصبح جزءًا من الأمن القومي والاقتصادي والغذائي، وأصبح مرتبطًا أيضًا باستقرار دول المنبع والمصب معًا.
ماذا يمكن أن تفعل مصر؟
المطلوب هنا ليس الدخول في الصراع الإثيوبي، ولا الانحياز إلى طرف إثيوبي ضد آخر. المصلحة المصرية ترتبط باستقرار الدولة الإثيوبية وعدم تحولها إلى مصدر اضطراب إقليمي، وفي الوقت نفسه حماية الأمن المائي المصري بكل الوسائل المشروعة. وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى أربعة مسارات متوازية كالتالي:
١- المسار الدبلوماسي: تعزيز التواصل مع الاتحاد الأفريقي ودول حوض النيل ودول الجوار، ودعم أي مسار أفريقي جاد لخفض التصعيد والحفاظ على قنوات الحوار بين الأطراف الإثيوبية.
٢- المسار المعلوماتي والاستراتيجي: إنشاء أو تفعيل آلية مصرية دائمة تجمع المعلومات السياسية والأمنية والاقتصادية والمائية الخاصة بالقرن الأفريقي، بحيث لا تكون قراءة الأحداث رد فعل على خبر عاجل، وإنما متابعة مستمرة للمؤشرات والسيناريوهات.
٣- المسار المائي والقانوني: الحفاظ على التحرك المصري داخل الأطر القانونية والدبلوماسية الدولية، مع تطوير أدوات الرصد الفني والتنبؤ بتدفقات النيل وتبادل المعلومات والاستعداد لمختلف الاحتمالات، دون تهويل أو تقليل من حجم المخاطر.
٤- مسار العلاقات الأفريقية والتنمية: فمصر لا تحتاج فقط إلى الحديث عن حقوقها، بل إلى بناء شبكة أوسع من المصالح المشتركة مع دول حوض النيل، من خلال مشروعات التنمية والتدريب والطاقة والمياه والصحة والبنية الأساسية. فكلما زادت المصالح المشتركة، أصبحت فرص الحوار أكبر، وأصبح الاستقرار الإقليمي مصلحة مشتركة وليس مجرد مطلب لدولة واحدة.
في النهاية، لا نريد إثيوبيا ضعيفة، ولا نقبل مصر بلا أمن مائي. هذه هي المعادلة التي يجب ألا تغيب. مصر ليست معنية بانهيار إثيوبيا، كما أنها ليست مستعدة للتفريط في أمنها المائي، والتعامل مع الأزمة لا يحتاج إلى انفعال، وإنما إلى قراءة دقيقة، ومعلومات مستمرة، وتحرك دبلوماسي، واستعداد قانوني وفني، ورؤية أفريقية أوسع.
فإثيوبيا ليست مجرد دولة مجاورة، والسودان ليس مجرد دولة حدودية، والبحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي، والنيل ليس مجرد نهر. إنها حلقات متصلة في منظومة واحدة، وأي خلل كبير في إحداها يمكن أن ينعكس على الأخرى.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لمصر ليس: ماذا سيحدث في إثيوبيا؟ بل: كيف نكون مستعدين لكل ما يمكن أن يحدث في إثيوبيا؟ هنا تبدأ الاستراتيجية: أن نقرأ المؤشرات قبل أن تتحول إلى أزمات، وأن نبني السيناريوهات قبل أن تفرض نفسها، وأن نتحرك في الوقت الذي يكون فيه التحرك قادرًا على منع الخطر، لا بعد أن يصبح واقعًا.
فالحدود قد تكون بعيدة، لكن النيل ليس بعيدًا، والسودان ليس بعيدًا، والبحر الأحمر ليس بعيدًا. والأمن القومي المصري لا ينتظر وصول الخطر إلى الحدود حتى يبدأ في التحرك.
________________________________________
دروس لا يمكن إغفالها:
١- الدولة القوية ليست فقط التي تمتلك جيشًا قويًا، وإنما التي تمتلك قدرة سياسية على إدارة اختلافاتها قبل أن تتحول إلى صراع مسلح.
٢- الأزمات الداخلية الكبرى لا تبقى داخل حدودها دائمًا.
٣- المياه في القرن الأفريقي لم تعد ملفًا فنيًا فقط، وإنما أصبحت جزءًا من معادلات الأمن والاستقرار والتنمية.
٤- التحالفات التي تتشكل في أوقات الصراع قد تجمع أطرافًا مختلفة ضد خصم واحد، لكنها تحتاج إلى مشروع سياسي مشترك حتى تتحول إلى قوة قادرة على إدارة الدولة.
٥- من يراقب الأحداث بعد وقوعها يدفع ثمنًا أكبر ممن يقرأ مؤشراتها قبل وقوعها، ويُعتبر هذا الأكثر خطورة.