التحديات الـ5: هل تُحد الحرب الدائرة في إثيوبيا من طموح آبي أحمد في الوصول للبحر؟

أكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، خلال الدورة العادية العاشرة لمجلس نواب الشعب في فبراير 2026، أن أي محاولة لمنع إثيوبيا من الوصول إلى البحر الأحمر تتعارض مع القانون الطبيعي والروابط التاريخية العميقة، متسائلا: إن من يقول إن إثيوبيا لا ينبغي لها دخول البحر ينتهك قانون الطبيعة، معتبرا أن العلاقة بين إثيوبيا والبحر الأحمر حقيقة راسخة تمتد منذ نشأة البلد والمنطقة. وقبل هذا التاريخ، وبالتحديد في أكتوبر 2023، شدد آبي خلال محاضرة بثتها وسائل إعلام إثيوبية على أن البحر الأحمر وإثيوبيا لا يمكن أن يعيشا منفصلين إلى الأبد، مؤكدا أن الوصول للبحر هدف استراتيجي لبلاده. وحذر أثناء كلمته من أن الفشل في تأمين حصول إثيوبيا على منفذ للبحر الأحمر قد يؤدي إلى صراع.
وفي ظل ارتباط مشروع رئيس وزراء إثيوبيا في الوصول للبحر بالصراع الحادث والمتسارع في الداخل الإثيوبي، يبقى السؤال: ما تداعيات الصراع في إثيوبيا على طموح آبي أحمد للوصول إلى البحر الأحمر؟
معادلة معقدة:
الواقع المحيط بمشروع آبي أحمد منذ 25 سبتمبر الجاري، سواء صراعات الداخل التي تمتد من تيغراي إلى أمهرة وأوروميا وعفر، أو التوتر المتصاعد مع إريتريا، الدولة التي يقع على أراضيها ميناء عصب، أحد أهم المنافذ التي ارتبط بها الخطاب الإثيوبي بشأن العودة إلى البحر الأحمر، يرسم معادلة رياضية صعبة الحل، خاصة أن المشكلة الراهنة أمام آبي أحمد لم تعد في كيفية الوصول إلى البحر فقط، وإنما في قدرة الدولة الإثيوبية نفسها على توفير البيئة السياسية والعسكرية والإقليمية اللازمة لتحقيق هذا الطموح. فمع تجدد القتال في الشمال، وسيطرة قوات تيغراي في سبتمبر 2026 على مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري، وامتداد الاشتباكات إلى مناطق أخرى، أصبح الصراع أكثر قربا من المسارات التي تربط إثيوبيا بالبحر وموانئ الجوار. كما جاء ذلك بعد إعلان سبع قوى مسلحة، بعضها كان يقاتل بعضها الآخر قبل سنوات قليلة، تشكيل تحالف هدفه المعلن إسقاط حكومة آبي أحمد.
بالتالي، تفرض معادلة الصراع الدائر في إثيوبيا تراجعا واضحا في طموح آبي أحمد في الوصول إلى البحر بالحلول التي أعلنها قبل اندلاع الحرب الدائرة، بالتحديد في 5 فبراير 2026، وهي تقاسم الاستثمارات في سد النهضة والخطوط الجوية الإثيوبية، أو استكشاف خيارات تبادل الأراضي. ومن ثم فإن انتقال الصراع إلى عفر أو محيطها يعني أن الجبهة الداخلية بدأت تلامس الجغرافيا التي يقوم عليها المشروع البحري الإثيوبي. وبالتالي فإن طموح الوصول إلى البحر لم يعد يواجه حاجز الحدود الإريترية فقط، وإنما يواجه أيضا سؤال السيطرة والأمن داخل الأراضي الإثيوبية نفسها.
التحديات الـ5:
ثمة تحديات فرضتها معادلة الصراع بين الأطراف في إثيوبيا ومع بعض دول الجوار، تحد من طموح آبي أحمد في الوصول إلى البحر، وتحجم مقولته المعتادة، وهي أن إثيوبيا والبحر الأحمر كيانان لا ينفصلان، وهي كالتالي:
(*) التحدي الأول، “مأزق آبي أحمد مع إريتريا- الجغرافيا المستهدفة”: وهنا يمكن القول إن رئيس الوزراء الإثيوبي وقع في مأزق حاد، ويمثل جسما صلبا مانعا لطموحه في الوقت الراهن وربما مستقبلا، خاصة بعد اتهام إريتريا بدعم قوى تعمل ضد حكومته. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تغيرت فيه طبيعة العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة بصورة شبه كاملة. فإريتريا التي قاتلت إلى جانب الحكومة الإثيوبية ضد جبهة تحرير شعب تيغراي خلال حرب 2020-2022 أصبحت اليوم موضع اتهام إثيوبي بدعم خصوم الحكومة.
(*) التحدي الثاني، انتقال “عصب” من نقطة للتفاوض في السابق إلى دائرة احتكاك بين الدولتين: كل تقدم يحققه التحالف السباعي المنافس لآبي أحمد على الأرض، ستنظر أديس أبابا بدرجة أكبر إلى إريتريا من زاوية الأمن والتهديد، بينما ستقرأ أسمرة التحركات العسكرية الإثيوبية قرب حدودها في ضوء الخطاب المتكرر عن عصب والبحر الأحمر. وهذا يعني أن عصب سيكون ضلعا رئيسيا في شكل الصدام المقبل. وهنا تجدر الإشارة إلى أن اتهام الحكومة الإثيوبية لدولة إريتريا بدعم التحالف أفقد جزءا من الثقة المتبقية في علاقة البلدين. وعليه يمكن القول إن الصراع الداخلي في إثيوبيا وملامسته لجغرافيا الطموح البحري الإثيوبي تحول إلى عامل مباشر في إضعاف فرص التسوية البحرية.
(*) التحدي الثالث، تراجع قدرة آبي أحمد على توظيف القوة التي يدعيها بين الحين والآخر: بعد تعثر الخيارات الدبلوماسية والشكوك في حلول آبي أحمد التي طرحها، فقد كرر رئيس وزراء إثيوبيا أكثر من مرة للدعاية السياسية أن “سعي بلاده للوصول إلى البحر لم ينبع من طموحات عسكرية، بل من رغبة في «حوار عادل ونمو تعاوني»”، وهذا ربما يتنافى مع الأطراف الدولية والإقليمية التي بدأت تتشكل مساندة له في مواجهة التحالف السباعي، وهي دول بالأساس ذات مصلحة في تنفيذ الطموح البحري لآبي أحمد أو غير ذلك. توضيحا ووفقا لما سبق ذكره، فإن تعثر الخيارات الدبلوماسية، وانكفاء القدرات العسكرية الإثيوبية على مواجهة أطراف الداخل، وتحرك الجيش الإثيوبي في أكثر من جبهة، ومواجهة الحكومة الإثيوبية لخصومها في أقاليم متباعدة، يعني أن فتح حكومة آبي أحمد لمواجهة خارجية واسعة مع إريتريا سيكون أكثر كلفة في ظل جبهة داخلية غير مستقرة. بالتالي، لا يستطيع الجيش الإثيوبي بسهولة أن يخوض مغامرة عسكرية على حدود إريتريا دون أن يخاطر بتشتيت قواته وفتح مساحات جديدة أمام خصومه.
(*) التحدي الرابع، تزايد المهددات الأمنية للممرات البرية الإثيوبية المؤدية للموانئ: الصراع الداخلي في الدولة الإثيوبية، خاصة بعد اتساع المساحة التي يسيطر عليها التحالف السباعي، يشكل مهددا أمنيا قد يحد من طموح رئيس الحكومة الإثيوبية، خاصة بعد تهديد رئيس قوات إحدى الجبهات العفرية المقاتلة، حاج إبراهيم، بأن قواته ستعمل على إغلاق الطريق الذي يربط إثيوبيا بجيبوتي. بالتالي، استقرار الممرات البرية المؤدية إلى الموانئ يصبح في حد ذاته جزءا من حسابات الحرب، خاصة أن إثيوبيا تعتمد بدرجة كبيرة على ممر جيبوتي، الذي يمثل بوابتها البحرية الأساسية، وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن ميناء جيبوتي يتعامل مع نحو 95% من الواردات والصادرات الإثيوبية.
(*) التحدي الخامس، مخاطر انتقال الصراع إلى “عفر”: انتقال الصراع إلى عفر أو محيطها يعني أن الجبهة الداخلية بدأت تلامس الجغرافيا التي يقوم عليها المشروع البحري الإثيوبي. وبالتالي فإن طموح الوصول إلى البحر لم يعد يواجه حاجز الحدود الإريترية فقط، وإنما يواجه أيضا سؤال السيطرة والأمن داخل الأراضي الإثيوبية نفسها. تجدر الإشارة إلى أن إقليم عفر يمثل بوابة إثيوبيا الشرقية باتجاه جيبوتي، كما أنه الأقرب إلى ميناء عصب الإريتري الذي ظل حاضرا في النقاش الإثيوبي بشأن البحر.
في النهاية، يمكن القول إن طموح آبي أحمد البحري من المحتمل أن يتحرك خلال المرحلة المقبلة في اتجاهين متعاكسين، الأول أن تجبر الصراعات الداخلية الحكومة على تأجيل طموحاتها البحرية والتركيز على حماية الدولة واستعادة الاستقرار. والثاني أن تدفع هذه الأزمات آبي أحمد إلى رفع سقف الخطاب بشأن البحر باعتباره قضية قومية قادرة على حشد قطاعات من المجتمع حول هدف خارجي مشترك. وفي الحالتين، أصبحت جغرافيا الجوار أكثر صعوبة بالنسبة إلى أديس أبابا. فالصومال ينظر بحساسية إلى أي ترتيبات تمس سيادته، وإريتريا تعتبر الحديث عن عصب مسألة مرتبطة مباشرة بسيادتها.