الرئيس “قيس سعيد” في القاهرة .. التوقيت ورسائله

أصدرت الرئاسة التونسية أمس الخميس الثامن من أبريل بياناً أكدت فيه أن الرئيس “قيس سعيد” يزور القاهرة اليوم الجمعة في زيارة تستغرق 3 أيام من 9 إلى 11 أبريل الجاري، وذلك بدعوة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وتعد زيارة “قيس” للقاهرة، هي الأولى له منذ توليه السلطة في 23 أكتوبر 2019. كما تعد تلك الزيارة، هي الثانية لرئيس تونسي منذ أحداث عام 2011، حيث زار القاهرة الراحل الباجي قائد السبسي في العام  2015. وتأتي هذه الزيارة في ظل أزمة سياسية تعيشها تونس منذ نحو شهرين، وخلاف سياسي أعمق بين رأسي السلطتين التنفيذية والتشريعية، مما حمّل هذه الزيارة أبعادًا أخرى أكثر من أبعاد العلاقات التونسية المصرية.

أصداء زيارة “قيس سعيد”  لمصر:

قد تكون زيارة الرئيس التونسي لمصر واضحة الدلالات في كافة التفاصيل المتعلقة بها، حيث أشادت القوى السياسية التونسية بهذه الزيارة الأولى التي يقوم بها قيس سعيد إلى مصر معربين عن قناعتهم بقدرة البلدين على الذهاب بعلاقتهما لمستوى أفضل في ظل وجود رغبة حقيقية وصادقة في تطوير العلاقات بين الطرفين، مدركين حقيقة التاريخ الذي لم تستطع الجغرافيا والخرائط الاستعمارية الوهمية أن تغيّر فيه الكثير، حيث يمتد التواصل بين مصر وتونس إلي جذور تاريخية فعاصمة الفاطميين انتقلت من المهدية في تونس إلى القاهرة، ونقلت معها الآثار الإسلامية والعمارة الفاطمية المميزة إلى مصر، وبذلك تواصل الفكر الإسلامي المعتدل المستنير بين جامع الزيتونة بتونس والأزهر الشريف.

في حين هاجم أنصار حركة النهضة الإخوانية الرئيس قيس سعيد واصفين الزيارة  بالمفاجئة و الصادمة والمخيقة، خاصة وأنهم يرون أن هذه الزيارة تم ترتيبها فجأة وبصورة مستعجلة ولها رمزيتها السياسية. كما اعتبروا عبر تصريحاتهم المتداولة عبر صفحاتهم الإلكترونية أن الهدف الوحيد من هذه الزيارة هو بعث رسالة لتيار الإسلام السياسي في تونس فحواها الطلاق النهائي معها. ومن المؤكد فإن زيارة سعيد إلى القاهرة هي بيان واضح لاتساع الهوة بين الرئيس والإخوان الذين ساندوه في البداية.

لكن قيس سعيد ،الخبير في القانون الدستوري الذي يتوق إلى لعب دور مباشر في ملفات مختلفة، يجد أن الإخوان في بلاده بسياساتهم العدائية، يجرون تونس نحو طريق مسدود، وعزلة دولية كبيرة انعكست بالسلب على اقتصادها وصورتها أمام المجتمع الدولي”. ولعل هذه الزيارة هي بداية إنهاء دور الإخوان في تونس ومحاولة من الرئيس عزل حركة النهضة داخلياً وخارجياً وما زيارته إلى القاهرة إلا إعلان عن محاصرة تهديدات حركة النهضة.

الإمساك بزمام السياسة الخارجية:

تعتبر السياسة الخارجية  في تونس أحد أسباب الأزمة القائمة بين الرئيس التونسي وزعيم حركة النهضة الإخوانية رئيس البرلمان الحالي، حيث بدأت الخلافات على إثر قيام رئيس البرلمان ببعض التحركات والجولات التي نازعت قيس سعيد في اختصاصاته الدستورية الخاصة بالسياسة الخارجية. ومن أهم هذه التدخلات كان اتصاله في مايو 2020 بفايز السراج لتهنئته على سيطرة الميلشيات التابعة لحكومته على قاعدة الوطية العسكرية. وهو ما فُسّر بأنه محاولة من حركة النهضة ممثلة برئيسها  لخلق اصطفاف تونسي مع الأطماع التركية في ليبيا.

ومن المنتظر أن يناقش الرئيس قيس سعيد والرئيس عبد الفتاح السيسي العديد من القضايا الثنائية والإقليمية على رأسها الملف الليبي، والتي سعت تركيا منذ مدة لسحب تونس لأجنداتها في ليبيا وجعلها حديقة خلفية لعملياتها العسكرية من أجل خلق الفوضى في منطقة شمال إفريقيا، وتأتي  هذه الزيارة في وقت صعدت فيه مصر من مواقفها من الأجندات التركية في ليبيا بهدف دعم الاستقرار الداخلي في الأراضي الليبية.

  شراكة اقتصادية قابلة للتطور:

تتمنى القوى السياسية في تونس أن تتوج زيارة قيس سعيّد إلى مصر بتقديم حزمة من الاستثمارات الاقتصادية إلى تونس لتساعدها على التخلص من الانخراط في الأجندة التركية التي تعتمد على الدعم المالي للاقتصاد التونسي الهش لاختراق الموقف التونسي من ليبيا وغيرها.

ففي تصريحات سابقة، قال وزير الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار التونسي علي الكعلي إن بلاده ومصر تجمعهما علاقات أخوية عريقة على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي علاقات تستند إلى آليات تعاون عديدة ومتنوّعة. مضيفا أن آفاق حجم التبادلات التجارية وحجم الاستثمارات تبقى واعدة، والنتائج قابلة للتطوّر على الرغم من أن حجمها بين البلدين الشقيقين دون الطموحات والإمكانيات المتاحة. وأفاد بأن صادرات تونس إلى مصر عام 2019، بلغت قرابة 60 مليون دولار، في حين سجّلت الواردات نحو 500 مليون دولار. وفي نهاية العام 2019، بلغت الاستثمارات المصرية في تونس حوالي 2.5 مليون دولار، والاستثمارات التونسية في مصر قرابة 35 مليون دولار، وهي تنشط في قطاعات منها الخدمات والسياحة والصناعات الغذائية والاتصالات

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن زيارة الرئيس التونسي لمصر أوجدتها التحديات الداخلية والإقليمية، أبرزها إذابة الجليد الذي اتسمت به العلاقة بين البلدين خلال حكم الترويكا والإخوان لتونس، ولعل قيس سعيد يعول على أن يلعب الرئيس السيسي دورا مهما في إعادة الدفء للعلاقات التونسية المصرية، وكذلك العلاقات التونسية الخليجية، بخاصة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. فالجميع يعلم موقفهما من حركة النهضة والإسلام السياسي، لذا فلمصر الدور المهم لإنقاذ تونس من أزمته الاقتصادية  من خلال الاستثمارات الاقتصادية  وحث الدول للوقوف بجانب تونس في حربها ضد الإرهاب والإسلام السياسي الذي تموله وتفرضه تركيا من خلال حركة النهضة. ووفقاً للمقربين من الشأن التونسي فإن تونس قد حسمت أمرها وتنوي مشاركة الجهد الدولي في الحرب على إرهاب الإسلام السياسي في ظل المتغيرات الدولية على الساحة حاليا”.

ليبيا .. عمقً أمني و استراتيجيً للبلدين:

إلى جانب الأزمة التونسية والعلاقات الثنائية التي تفرض نفسها في مقدمة الملفات المهمة سيكون الملف الليبي حاضر بقوة في زيارة الرئيس التونسي، فليبيا تشكل عمقًا أمنيا واستراتيجيًا مهمًا للغاية بالنسبة لمصر وتونس على كافة الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية، وكذلك الاجتماعية. لذلك حرص الرئيس التونسي على الانخراط في الملف الليبي من الزاوية العربية والرؤية المصرية لحل الأزمة. لا سيّما وأن التطورات في ليبيا والسيولة الأمنية بها لها آثار كبيرة على تونس، فأمنيًا معظم الهجمات الإرهابية الكبيرة التي ضربت تونس في السنوات الأخيرة أُعدت في ليبيا أو أتت عبر الحدود بين البلدين الممتدة بنحو 461 كيلو مترًا. فضلًا عن تزايد وتيرة محاولات التسلل إلى التراب التونسي مع حالة الحرب التي تشهدها ليبيا وتدفق السلاح والمرتزقة، وبحسب إفادة المرصد السوري بتاريخ يوليو 2020 فإن الاستخبارات التركية نقلت أكثر من 2500 من عناصر تنظيم داعش الذين يحملون الجنسية التونسية نحو ليبيا، وهذا من شأنه أن يفرض على الرئيس قيس سعيد إعادة التموقع والاصطفاف مع المشروع المصري الرافض للتواجد التركي في ليبيا.

 في النهاية، يمكن القول إن زيارة الرئيس التونسي للقاهرة في هذا التوقيت سيكون لها العديد من الدلالات والأبعاد على المستويين القريب والبعيد، حيث تمثل  تلك الزيارة محاولة لإعادة بوصلة السياسة الخارجية التونسية إلى مسارها الصحيح ولا سيّما في ملف العلاقات الخارجية العربية العربية في مواجهة اصطفاف الإسلام السياسي الذي أوقع تونس في مستنقع الإرهاب والفساد  وأرست نواميس جديدة للدبلوماسية الإخوانية، مكنتها من مد جسور التواصل مع تركيا وبعض الدول الداعمة لها. فهذه الزيارة أيضاً تمثل رسالة قوية للإسلام السياسي، وهي استكمال لرسالة الرئيس قيس سعيد القديمة للحركة بأن “الدولة التونسية واحدة ولها رئيس واحد في الداخل والخارج على السواء”.

د.فريد خان

حاصل على دكتوراه العلاقات الدولية، وخبير الإستراتيجي وباحث الأكاديمي في الشؤون العربية والدولية، شارك في العديد من المجلات العلمية والأكاديمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى