تفريغ السكان: كيف توظف إيران استراتيجية الإرهاب لتغيير ديموغرافيا العراق؟

يشهد العراق تعددية مفرطة لتنظيمات إرهابية تعمل تحت مظلة الولاء لإيران وخدمة المشروع التدميري في المنطقة العربية، حيث تزايدت وتيرة العمليات الإرهابية وكبرت المعاناة الإنسانية على خلفية تلك الأعمال التي أتسمت بنتائجها الإجرامية وانعكاسها الوخيم على حياة الناس، واتسعت الجغرافيا التي تمارس فيها التنظيمات المتطرفة والمجموعات الإرهابية أفعالها. ومما زاد من انتشار واستمرار هذه الأعمال الإرهابية، هو وجود دول ومؤسسات تدعم وتمول بشكل أو بآخر الأعمال التي تصدر عن هذه التنظيمات الدموية.

وإذا نظرنا إلى منطقة الشرق الأوسط نجد أن سياسة إيران منذ قيام ثورتها عام 1979 وحتى الآن، لم تمانع يوماً ما من دعم المتطرفين والمتشددين الإرهابيين في المنطقة. فمنذ أن وطأت قدما الخميني أرض إيران بدأ عصر جديد ، عصر لا يقوم إلا على إحداث الفتن والقلاقل، في الدول العربية بغية تنفيذ حلم تأسيس الإمبراطورية الفارسية، فلا تجد دولة فى منطقة الشرق الأوسط من المحيط إلى الخليج، يطولها الإرهاب والحروب الأهلية، إلا وتكون “طهران” راعى قوى الشر بالمنطقة وراء زرع تلك الفتن والنزاعات.

الواقع يشير إلى أن الأطماع الإيرانية، تعد ثابتة تجاه دول الجوار، فهي تبحث عن الزعامة على دول الإقليم، وبخاصة منطقة الشرق الأوسط من خلال استراتيجية توظيف الإرهاب لتدمير منافسيها والرافضين لسياستها الاستعمارية، وهذا الأمر جعل مصالحها وأهدافها تتعارض مع مصالح وأهداف الدول المجاورة، وبخاصة العراق.

ومع سعيها لإعادة إمبراطوريتها الفارسية، ظهرت مخالب المشروع الإيراني ، المتمثلة في ترسيخ الطائفية ونشر الإرهاب في العراق عبر التسليح و الدعم اللوجستي وتخليق جيوب موالية لها تقود الحرب الديموغرافية بتوظيف الإرهاب تارة وبالتهجير القسري تارة أخرى.

 شراكة رغم الاختلاف الأيديولوجي:

بداية استراتيجية توظيف الجماعات الإرهابية في الداخل العراقي كانت مع تنظيم القاعدة، فبعد مبايعة أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن نهاية التسعينيات؛ استغلّ علاقاته بإيران ليعقد اتفاقاً غير رسميّ بين تنظيم القاعدة الإرهابي وإيران، لتدريب أعضاء التنظيم، والحصول على مساعدات إيرانية لتنفيذ عمليات تستهدف الولايات المتحدة الأمريكية، وفي نفس الوقت تقدم خدمة للنظام الإيراني في المنطقة وقدّمت إيران بموجب هذا الاتفاق الدعم اللوجستي للقاعدة، ودرّبت أعضاءً في التنظيم، وكانت معبر الإرهابيين إلى العالم؛ إذ كان المقاتلون يعبرون الحدود الإيرانية العراقية دون ختم جوازاتهم، بتعليمات عُليا صادرة إلى حرس الحدود الإيراني. كما قامت إيران برعاية أبي مصعب الزرقاوي لنشر الفوضى في العراق ورفضت تسليمه للأردن، وفعلا تم تسهيل دخوله للعراق، وإمداده بالسلاح والخدمات اللوجستية وجعله في واجهة مقاومة الأمريكان.

وقد أثبتت الوثائق الأمريكية وجود تلك العلاقة –المعروفة أصلا-بين إيران وتنظيم القاعدة. ويمكن حصر استفادة إيران من وجود مثل تلك العناصر الإجرامية بالعراق في الآتي:

(*) دعمهم وإقامة التحالفات معهم حال وقوع أي خطر أمريكي على الحدود الإيرانية في العراق وهو ما حصل بالفعل.

(*) تشويه صورة الإسلام، في مقابل المشروع الفارسي الإيراني الذي يصدّر خطاب الاستضعاف والمظلومية.

ومع ذلك فإن إيران تتعامل مع تنظيم القاعدة الإرهابي، رغم التباين السياسي والأيديولوجي، وتجعلها محل تجارب لأسلحتها الصغيرة.

فعلاقة إيران بالقاعدة يحفظ لها:

(*) أوراق قوة وضغط داخل العراق وهذا مهم جدا للإيرانيين.

 (*) يحقق لها في الداخل العراقي نوعا من التوازن الأمني والاقتصادي.

(*) ضمان عدم وجود جار قوي، يصعب اختراقه أو التأثير في قراره.

(*) وجود سوق للسلاح الإيراني والبضاعة الإيرانية.

(*) الضغط على بعض الدول الإقليمية والدولية.

ورغم الإختلاف الأيديولوجي، بين إيران والقاعدة، إلا أنه سرعان ما كان يذوب في محيط ما يتشاركه الطرفان من أعداء مشتركين من دول عربية وغربية، فإيران دائما “قادرة على تجاوز خلافها الأيديولوجي في سبيل مصلحتها البرجماتية في الشرق الأوسط”- أي أنها سعت إلى التعامل والتعاون مع تنظيم القاعدة لتحقيق مصالح أساسية بالنسبة لها.

ورغم تصلب موقف إيران تجاه القاعدة في الآونة الأخيرة بسبب الملف النووي والتعاطي مع الغرب، إلا أنها تحرص على “عدم قطع حبلها الموصول مع التنظيمات الارهابية تحسبًا لأي طارئ في هذه العلاقة التي لا تزال هشة بين إيران والغرب خاصة. وعلى ما يبدو فإن إيران سعت لإمساك العصا من المنتصف، بمنح ومنع الخدمات بالتناوب للحفاظ على التبعية، هذه الاستراتيجية ساعدت في ضمان أن القاعدة لن تهاجم ايران، وسمحت لإيران بالحفاظ على خيار العمل مع الجماعة لتنفيذ هجمات ضد أهداف عربية وغربية في حال تعرض إيران للهجوم”.

تهجير قسري وإبادة الهوية: 

انصرفت الأعين عن الأطماع الإيرانية بسبب الانشغال بالدور الأمريكي كقوة احتلال مباشر. وقد استغلت طهران هذا الوضع ومدت نفوذها بقوة إلى الداخل العراقي حتى أصبحت هي اللاعب الأبرز على الساحة العراقية.

فمنذ بداية تصدير الثورة التفتت إيران إلى عسكرة الجيوب الشيعية لتنفيذ مخططاتها الإرهابية والعدوانية لذلك ظهر في العراق ما يزيد عن60مليشيا طائفية مدعومة من الحرس الثوري الإيراني وشكلت لاحقا هذه الميلشيات ما عرف بالحشد الشعبي، وقد ارتكبت أبشع المجازر الطائفية بحق المواطنين العراقيين. فكان نشوء قوات الحشد الشعبي العراقي الذي يفترض أن يضم جميع مكونات المجتمع العراقي لمساندة الجيش ضد تنظيم داعش، تحت مظلة “الحرب على الإرهاب”. لكن ما أن قامت المعركة حتى انكشفت بواطن “التقيّة الفارسية”، وتمثّلت بـ “جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الحشد الشعبي بحق “السنّة” المدنيين في المناطق التي كانت تتبع لسيطرة داعش.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحشد يضمّ العديد من القيادات الإيرانية من الحرس الثوري الذين يتسترون بلباس القوات الحكومية ليمارسوا دورًا تخريبياً في العراق. حيث يشكل الحشد النسخة العراقية لحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، فإيران تريد قوة عسكرية تهيمن تماما على العراق فهي لم تعد تكتفي بالقوة السياسية، كما أن الجمهور الشيعي العراقي بدأ يتذمّر ويتفلّت من التدخل والهيمنة الإيرانية؛ لذا تحاول إيران بواسطة الحشد الشعبي أن تهيمن على العراق.

انتهت مسرحية داعش في العراق، وأصبح الحشد الشعبي محرّر العراق ومنقذه، وانتهت قعقعة السلاح بتدمير المحافظات العراقية السُنية وتهجير أهلها، وظهور قوة شيعية إيرانية هي الحشد الشعبي، وهي القوة القادمة المعدّة عسكريا وسياسيا لحكم العراق؛ وهو تكرار لمسيرة حزب الله اللبناني: ومن ثم السيطرة السياسية على لبنان، وهذا ما تريد إيران استنساخه في العراق.

حرب الديموغرافيا على العراق:

يكمـن الهـدف الرئيسـي مـن الحـروب الديموغرافــية فــي تفكيـك المجتمعـات، وتفريـغ السَّـكان، لصالـح َّقـوة نافـذة علـى الأرض تسـعى للهيمنـة والتوسـع وإملاء القـرارات، فتقوم بتغيير ديموغرافيا السكان بـأن تسـتبدل مجموعـات شـعبية غيـر مواليـة لهـا، بمجموعات شعبية موالية لها ثقافيا وفكريا وسياسيا،-أي ذات تأثر بنفس الميراث الثقافي وربما العرقي، وهذا هو واقع السياسة الإيرانية تجاه بغداد. خاصة، وأن إيـران تـدرك ِّ محـددات أي صـراع إقليمـي وارتـكاز تلـك ِّ المحـددات علـى الموقع الجغرافي وعدد السكان . أيضـا ّ فـإن التغييـر الديموغرافــي يعتمـد تـارة علـى الإسـتبدال ّ التـام، ويعتمـد تـارة أخـرى علـى الإبقـاء علـى المجموعـات ُّ السكانية المحلية لكن مع تفكيكهـا ًمجتمعيـا عبـر سياسـة التجهيـل والإفقـار والحرمـان مـن الموارد َّالعامـة، وجعلهم مواطنين مـن الدرجـة الثانيـة. وقد يجمـع بين الطريقتين.

وتكمـن الأهـداف الإيرانية مـن التغييـر الديموغرافــي المرتكـز علـى الإقتتـال الطائفــي فــي العراق فــي:

1_تفكيك المجتمع العراقي من خلال تشـويه البنية الديموغرافــية، ومصـادرة المسـتقبل، مـن خلال القضـاء علـى جيـل كامـل، ودفعـه إلـى ُّ التطـرف والعنـف والإرهـاب، ومـن ّ ثـم تحويلـه مـن عامـل بنـاء وتنميـة إلـى ِمعـول هـدم وتدميـر، ثـم تأتـى أجيـال أخـرى أكثـر تخلفا وعنفا.

 2_.مارسـت إيران حربها الديموغرافــية من حيث الكم عن طريق التهجير القسـري، والتغييـر الديموغرافــي كمـا، ومـن حيـث الكيـف: بالقضـاء علـى أجيـال مـن الشباب وتحويلهم إلى التشرد والجهل والتخلف. من ثم فحروب العراق الطائفـية قابلـة للاستمرار والتمـدد لأنهـا تحقـق الأهـداف الديموغرافــية لإيـران بتدميـر الجيـوش الوطنيـة وإحلال المليشيات الطائفــية، وتدميـر النسـيج المجتمعـي وإحلال عنصـر وافـد جديد، تدرك إيران أن مشروعها التوسعي قد ينجح مرحليا وعلى المدى المتوسط إذا اكتفى بالتمدد السياسي، لذلك أرادت ضمان بقاءه وديمومته وهذا مرهون بالتغيير الهوياتي والديموغرافي على الأرض .

فإيران عملت على تغيير ديموغرافيا العراق لصالحها، عن طريق الكم بالتهجير القسري وخلخلة المعادلة السكانية والتوازن الديموغرافي وإستغلال الحرب ضد الإرهاب لتحقيق ذلك في المدن السنية، وعن طريق الكيف بحرمان أو تقليل الإنفاق على المحافظات السنية من المرافق العامة والبنية التحتية والتعليم والصحة ونحو ذلك من مقومات العقول والأبدان، فنشأ جيل أقل في إمكانياته التعليمية والثقافية من نظيره في الجنوب العراقي المسيطر على الحكم والثروة ، ومن نظيره في الشمال العراقي المتمتع بحكم ذاتي.

وكان التغيير الديموغرافي الذي تنفذه إيران في العراق أسهل بكثيير من نظيره في سوريا ، لأن العراق يدخل في الحزام المذهبي الإيراني، خاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق، لذلك استطاعت تجنيد وتأسيس ميليشيات تتكون من عشرات الآلاف تابعة رأسا للحرس الثوري والقيادة الإيرانية. وصنعت ولاءات مذهبية حوزوية، وولاءات عشائرية، بالإضافة إلى وجود حزب الدعوة المدعوم منها في الحكم، فاستطاعت أن تنفذ سياساتها الديموغرافية بغطاء شعبي طائفي، وسلطوي متحكم في مفاصل السلطة .

 في النهاية، يمكن القول إن إيران تتفاخر بجرائمها الإرهابية في مختلف مناطق العالم في ظل غياب الردع الدولي، ولعل إعلان الجنرال الإيراني قاسم سليماني “بأن مؤشرات تصدير الثورة الإيرانية باتت مشهودة اليوم في كل المنطقة من البحرين والعراق ولبنان إلى سوريا واليمن وحتى شمال أفريقيا”. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المقصود بتلك المؤشرات التي أشار إليها قاسم سليماني، هي تلك الميليشيات والتنظيمات الإرهابية التي تعيث فساداً في العراق خاصة، والمنطقة العربية عامة، حيث تخطط للتفجير والتدمير والتقتيل خدمة للمشروع الإيراني الإرهابي.

وعليه، التأكيد أن بصمات إرهاب إيران شاهدة عليها، والواقع والتاريخ والتقارير الكثيرة المتضافرة تشهد على أن إيران هي من أكبر الدول الراعية للإرهاب في العالم، فهي ترعى وتدعم التنظيمات الإرهابية المتعددة، وتقدم لها الأسلحة والأموال والمعلومات الاستخباراتية والمأوى و الآمن والدعم اللوجستي وتزودها بالخبراء والمقاتلين، وقد شهدت بذلك التقارير الدولية، ليكون أخرها تقرير الأمم المتحدة الذي ندد بتدخلات إيران العدائية ودعمها للميليشيات الإرهابية.

د.فريد خان

حاصل على دكتوراه العلاقات الدولية، وخبير الإستراتيجي وباحث الأكاديمي في الشؤون العربية والدولية، شارك في العديد من المجلات العلمية والأكاديمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى