تداعيات حل مجلس الأمة الكويتي 2024

في يوم الجمعة الموافق 10 مايو الجاري لهذا العام 2024، صدر مرسوماً أميرياً، من أمير الكويت مشعل الأحمد الجابر الصباح، تم بموجبه حل مجلس الأمة الكويتي ووقف العمل ببعض مواد الدستور لمدة لا تزيد عن أربع سنوات. وقد جاء في الأمر الأميري في خطاب متلفز أنه: “بناء علي ما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد، فقد أمرنا بحل مجلس الأمة، ووقف العمل ببعض المواد من الدستور، وذلك لمدة لا تزيد عن أربع سنوات يتم خلالها دراسة الممارسة الديمقراطية في البلاد وعرض ما تتوصل إليه الدراسة علينا لاتخاذ ما نراه مناسبا، كما أمرنا بتولى الأمير ومجلس الوزراء الاختصاصات المخولة لمجلس الأمة، وأن تصدر القوانين بمراسيم قوانين، وعلى رئيس مجلس الوزراء والوزراء كل في ما يخصه تنفيذ أمرنا هذا ويعمل به من تاريخ صدوره وينشر في الجريدة الرسمية للبلاد”. وقد جاء في تعليل الأمير الكويتي لقراره بحل المجلس، أن “طبيعة الأوضاع المتأزمة في الكويت مؤخراً بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، باتت تُحتم علي الدولة أن تأخذ موقفاً حاسماً منها بالوقوف علي أسبابها وإيجاد سُبل للتعامل معها وحلها”.

ومن منظور سياسي ديمقراطي، يُعد مجلس الأمة الكويتي تجربة ديمقراطية ذات أبعاد فريدة وخاصة، سيما أن الكويت بلد يتمتع بحياة سياسية نشطة ويحظى برلمانه بسلطات تشريعية واسعة ويشهد مناقشات حادة في كثير من الأحيان، كما تعتبر التجربة البرلمانية في الكويت من أقدم التجارب الخليجية، إذ تشكّل أول مجلس نيابي مُنتخب عام 1963 بعد حصول دولة الكويت على الاستقلال عام 1961. لذا قرار حل المجلس بهذه الكيفية، يعتبر من القرارات التي أثارت جدلاً واسعاً وتساؤلات عدة في الأوساط السياسية ليس فقط في الداخل الكويتي، وإنما علي المستويين الإقليمي والدولي، خاصة أنه قرار بالحل وليس بإجراء عملية انتخابية جديدة.

استنادا إلي ما سبق، ما هو شكل العلاقة بين الحكومة والمجلس في الآونة الخيرة؟ وهل هذا القرار الأميري ناتج عن إساءة استخدام الديمقراطية من قبل المجلس في الحياة السياسية الكويتية كما يتضح من المرسوم أم أن هنالك أسباباً أخري تقف خلف اتخاذ هذا القرار، وما هي أبعاده وتداعياته علي شكل الحياة السياسية في الكويت؟

توتر وصدام مستمر:

اتخذت العلاقة بين الحكومة ومجلس الأمة، خاصة في الآونة الأخيرة مسار التوتر والصدام المستمر، ويرجع السبب في هذا التوتر وتكراره إلى كوابح بين الطرفين، أدت خلل في العلاقة بينهما تحملها الشعب الكويتي، الذي تأثر سلبيا بسبب انعكاسات تأجيل بعض القوانين. ومع تكرار الصدام في السنوات الماضية، كان يتم حل المجلس وإجراء انتخابات جديدة، ولكن هذه المرة يبدو أن الوضع بين السلطتين قد تفاقم إلي حد يصعب معه الاحتواء بالسُبل الاعتيادية، فكما ذكر الأمير الكويتي في قراره أن “تجاوز مجلس الأمة لصلاحياته الدستورية بتدخل النواب في قضايا بالغة الحساسية هي من صميم الصلاحيات الدستورية لأمير البلاد فقط، وليس من حق المجلس إقحام نفسه فيها”، ويقصد بذلك الجدل حول ولاية العهد التي ما تزال شاغرة وتثير لغطاً شديداً في أوساط نواب المجلس، كما في الأوساط السياسية في الكويت بشكل عام، وهو ما يتصور نواب مجلس الأمة أن لهم صلاحية فيه.

ويتضح من العلاقة المتأزمة الدائمة بين البرلمان والحكومة، وحل الأول لمدة أربع سنوات أن تركيبة البرلمان، وسلطاته، قد أودت بالحياة السياسية والديمقراطية إلي سُبل معقدة إلي حد ما، والتي قد تضر بالكويت ومستقبلها السياسي، وهنا علي ما يبدو أنه جاء تعامل أمير البلاد مع هذا الأمر بما يراه ضرورياً وحتمياً للحفاظ علي كيان الدولة واستقرارها وأمنها، وكما يبدو أيضاً أنه لم يجد سبيلاً لاحتواء الوضع الحالي سوي هذا القرار الصعب وربما يعد الخيار الوحيد أمامه في ظل الوضع المتأزم.

التوقيت والأسباب:

جاء المرسوم الأميري بحل مجلس الأمة قبل أيام قليلة من موعد افتتاح أعمال المجلس الذي تم انتخابه في أبريل الماضي 2023، وبعد صعوبة تشكيل الحكومة، نظراً لرفض نواب المجلس المشاركة فيها، وبحسب الخبراء والباحثين في هذا الشأن، فإن الخلاف على تشكيل الحكومة كان أحد الأسباب المهمة لهذا القرار، فبعض النواب رفض الدخول في التشكيل، وبعضهم فرض إملاءات على رئيس الوزراء والسلطة السياسية. وطبقاً لدستور دولة الكويت، فإنه لابد أن يتولى نائب واحد على الأقل حقيبة وزارية حتى يكتمل تشكيل الحكومة، لكن رئيس الوزراء المكلف لم يستطع إقناع أياً من النواب بالمشاركة في التشكيل ما أدي إلي تعطيل الأمر برمته. كما وصف الأمير مشعل قراره هذا بأنه “قراراً صعباً لإنقاذ البلاد وتأمين مصالحها العليا”، ولن يسمح على الإطلاق بأن تُستغل الديمقراطية لتحطيم الدولة”. ما يعني هناك عراقيل عدة في مسار الحياة السياسية وأن التجربة البرلمانية الديمقراطية في الكويت يبدو أنها سلكت طريقاً يبتعد عن الأهداف الدستورية، ولا تُستثني الحكومة الكويتية من ذلك أيضا، طبقاً لما صرح به أستاذ القانون الدستوري في جامعة الكويت محمد الفيلي.

ويُذكر أن هذا القرار، هو التعليق الثالث لمجلس الأمة في تاريخ الحياة السياسية الكويتية، حيث اتُخذ إجراء سابق ومشابه له لأول مرة في عام 1976، ومرة أخرى في عام 1986. ما قد يؤدي إلي شلل مؤقت يؤثر علي شكل الحياة السياسية الكويتية، وغياب مجلس الأمة يعني أنه لن يكون هنالك برلمان يحاسب ويراقب ويشرّع لمدة أربعة عوام، وهي مدة طويلة جداً بالنسبة لهذا المجتمع ونمط الحياة السياسية التي لطالما تمتع بها.

تداعيات إيجابية:

مما لا شك فيه أن قرار حل مجلس الأمة هذا تم اتخاذه بعناية شديدة وفي ظروف غاية في التعقيد وبالطبع لم يكن سهلاً علي أمير البلاد اتخاذ مثل هذا القرار الهام، لذا من المرجح أنه نظراً إلي كثرة حالات الصدام المستمر بين نواب مجالس الأمة وأعضاء الحكومات المتعاقبة، وما تسببت فيه من تعطيل الحياة سواء السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية من خلال تعطيل القرارات والملفات الهامة، بما يؤثر سلباً علي المجتمع الكويتي بشكل عام. ويبدو أن الخلافات تفاقمت بشدة مؤخرا نظراً لاختلاف المصالح وأحياناً شخصنتها، إلي جانب ذكر الطابع القبلي أو المجتمعي الذي قد يؤدي إلي وضع الصدام في بعض الأوقات. كما أن بعض الحكومات التي تم تشكيلها كانت غير مؤهلة للمساءلة من قبل المجلس. لذلك يمكن النظر إلي هذا القرار الهام علي أنه شكل من أشكال إعادة التوازن والاستقرار للحياة السياسية وفك جمودها.

ولقد قُوبل قرار أمير البلاد بتأييد شعبي كبير، نظرا لأن الشعب الكويتي عاني في السنوات الأخيرة نتيجة حالات الصدام المستمرة بين الحكومة والبرلمان، وكذلك تكرار الانتخابات في فترات زمنية قصيرة وتعطيل الحياة السياسية والقوانين والإصلاحات في المجتمع، كما أن الشعب الكويتي بطبيعة الحال وعلي مر التاريخ لطالما وثق في قيادته بشكل كبير وراهن علي ذلك.

وختاما، يبدو أنه في ظل الحرية السياسية الكبيرة التي تمتع بها مجلس الأمة الكويتي، ما كان يبدو مؤخرا أنه شكل من أشكال الهيمنة والتدخل في صلاحيات أمير البلاد، وكذلك التمدد علي كل النواحي في المجتمع بشكل مبالغ فيه وتركيز النشاط السياسي داخل أروقة المجلس فقط ، لذا فمن الضروري والعاجل توفير بيئة سياسية مستقيمة يلتزم فيها البرلمان بحدوده وصلاحياته كما تلتزم الحكومة أيضا بالأمر ذاته، لأنه بالطبع لا يستقيم المجتمع بدون حياة برلمانية سليمة ونزيهة، فهي صمام الاستقرار السياسي في البلاد. وربما هذا هو المأمول من هذا القرار الأميري في هذا التوقيت الحرج.

سارة أمين

سارة أمين، الباحثة حاصلة علي ماجستير في العلوم السياسية، شعبة العلاقات الدولية، متخصصة في دراسة شئون الشرق الأوسط والخليج العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى