حدود توغل القوات الإسرائيلية في غزة

في السابع والعشرين من أكتوبر الماضي، بدأت القوات الإسرائيلية التوغل بريًا في قطاع غزة من عدة جهات، على شكل هلالي أو نصف دائري، بهدف تطويق مقاتلي حماس. وعليه، يطرح السؤال، وهو: لماذا لجأت إسرائيل إلى مثل هذه التحركات؟، وكيف نفذتها؟، وهل ستكتفي القوات الإسرائيلية بالتواجد على الأطراف فقط؟

سياسة الحزام الناري:

بداية، الحزام الناري أو العاصفة النارية، هو وصف استخدم للإشارة إلى الأماكن التي يحاول أي جيش إخلائها، وهو ما يحدث حاليا في قطاع غزة. فكلمة الحزام الناري هي كلمة قديمة ترجع أصولها للحرب العالمية الثانية، وهو أحد الأساليب العسكرية لقصف المدن الكبيرة، وكان أول من استخدمه هتلر في الحرب العالمية الثانية في قصف مدينة وارسو البولندية، وهي أول مدينة يتم قصفها في الحرب العالمية الثانية بهدف الاحتلال والإخلاء.

 إلا أن أول من لجأ لسياسة الحزام الناري نفسه أو العاصفة النارية كان سلاح الجو الملكي البريطاني في الحرب العالمية الثانية، بعد ما تناقلوا الفكرة عن هتلر، ثم طورتها بريطانيا والولايات المتحدة بعد ذلك، وتم تطبيقها في أبشع قصف شهدته الحرب العالمية الثانية وهو قصف مدينة دريسدن الألمانية،والواقعة في منتصف ألمانيا بعيدا عن الجبهتين الشرقية والغربية في الحرب، وكانت تعتبر عاصمة الثقافة الألمانية حتى من قبل النازية، نظرا لأنها مدينة تاريخية ومقدسة عند الألمان، ولأن قصف المقدسات هو أحد الأساليب الأمريكية والبريطانية في إخضاع الدول، وجدوا المبرر لقصف مدينة دريسدن، بحجة أن تقاطع خط السكة الحديد في ألمانيا يمر من خلال هذه المدينة، الأمر الذي يمكن الألمان من نقل الجنود من الجهة الشرقية إلى الغربية والعكس.

في يوم القصف، توجهت نحو٨٠٠ طائرة مقاتلة إنجليزية ونحو 500 طائرة أمريكية، ونتيجة لاستبعاد الألمان قصف هذه المدينة تحديدا لم يضعوا بها أية مضادات للطائرات، ولهذا تمكن الإنجليز من تنفيذ سياسة الحزام الناري لأول مرة على دريسدن بدقة شديدة وبدون مقاومة من الألمان.

فالحزام الناري هو أسلوب قصف يعتمد على قصف أطراف المدينة بشكل دائري على موجتين؛ الأولى بقنابل تدميرية للمباني، والثانية بقنابل حارقة موجهة نحو المباني والأطراف لخلق دائرة نار حول المدينة، هي ما تسمى الحزام الناري. ومهمة الحزام الناري أنه يمتص الأوكسجين من داخل المدينة حتى تتغذى النار على الأطراف، مما يخلق عاصفة نارية عبارة عن هواء ساخن يسحب كل ما يتواجد أمامه داخل النار، ومن ثم يتحول الهواء مع الوقت إلى ما يشبه الإعصار الناري الذي يبتلع قلب المدينة التي تحاوطها النار من جميع الاتجاهات، لأن قوة الرياح التي يسببها الحزام تكون شديدة لدرجة أنها تخلع الأشجار وتحرك العربات وتدخلها داخل النار،فماذا على البشر !.

الرواية الأمريكية أكدت أنها كانت تقصف أهدافا عسكرية ولا علاقة لها بالمجزرة التي راح ضحيتها نحو 200 ألف ألماني، ووجهت الاتهامات لسلاح الجو البريطاني، حتى أنه تم تهميش قيادته بعد الحرب حتى يتجنبوا المسائلة والحرج في المجتمع الدولي، باعتبار أن الحزام الناري هو أحد أساليب الدمار الشامل بما يوازي القنابل النووية، وبالتالي فإن هذا الأسلوب من القصف محرم دوليا.

حصار مشدد:

سعى الاحتلال الإسرائيلي لدخول غزة بريا من عدة محاور، بالنظر إلى الأحزمة النارية التي يحاول الاحتلال الإسرائيلي فرضها حول القطاع من أجل تطويق المقاومة، أهمها:

(*) محور الشمال: عبر أحياء الكرامة والشيخ رضوان والأطراف الشمالية الغربية في مخيم الشاطئ، ففي هذه المنطقة تدور الاشتباكات العنيفة من المسافة صفر بين مقاتلي المقاومة والقوات الإسرائيلية. إلى جانب القصف الذي يحدث على منطقة جباليا وبيت لاهيا في المنطقة الشمالية، والقصف في مستشفى الشفاء حيث تزعم إسرائيل أن كتائب القسام موجودة أسفل المستشفى في قلب المناطق المأهولة، حتى اقتحامه بالفعل.

هذا كله يتزامن مع قصف متواصل في المناطق الشمالية من مناطق بيت حانون وبيت لاهيا والشجاعية، حي وأبراج الكرامة شهدت أيضا قصفا عنيفا حيث توغلت القوات الإسرائيلية من شارع الرشيد جنوبا حتى وصلت إلى محيط مسجد الخالدي لتدور الاشتباكات من المسافة صفر.

إذا هذا المحور؛ الكرامة والنصر وأطراف الرمال والأطراف الشمالية لمخيم الشاطئ، يدور بها قتال من المسافة صفر، ولهذا القوات الإسرائيلية تحاول الضغط على غزة من الجهة الشمالية الشرقية، إلا أن القتال لا زال بطيئا أيضا، وهذا يعني أن القوات الإسرائيلية عاجزة عن تجاوز منطقة مسجد الخالدي وأحياء الكرامة، ولم تستطع الدخول جنوبا.

حتى أن القوات الإسرائيلية التي دخلت من الجهة الشمالية الشرقية لبيت حانون وتمركزت بها، لكنها ووجهت أيضا بمقاومة عنيفة واستهداف للجنود الإسرائيليين المحصنين بالمباني المدمرة في شمال شرق بيت حانون. حتى أنها تستهدف المستشفيات تحديدا، حيث تزعم إسرائيل أن حماس تستخدمها كمقرات عسكرية، ولهذا تواصل القوات الإسرائيلية قصف المستشفى الإندونيسي والعودة في شمال القطاع، بعد دخول مستشفى الشفاء واحتجاز مرضي وطواقم طبية كدروع بشرية.

خريطة توضح مناطق القصف والمعارك بين القوات الإسرائيلية والمقاومة

المصدر: الإندبندنت

(*) محور الجنوب: تقدمت القوات الإسرائيلية نحو الجنوب في حي الشيخ عجلين ومناطق تل الهوا، هذه المنطقة شهدت قصفا عنيفا خلال الأيام الماضية، لأنها تقدمت قبلها من الأطراف الجنوبية لحي الزيتون وحي الصبرة وذلك تمهيدا للضغط الذي سيمارسه الاحتلال على مدينة غزة من الجهة الجنوبية بالتزامن مع القصف والتوغل من الجهة الشمالية الغربية.

ومن حي تل الهوا ينتقل إلى الداخل نحو شارع ١٠ وصلاح الدين بعد دخولها من الجنوب، وتوغلت من شارع صلاح الدين وصولا إلى مستشفى الصداقة التركي الذي خرج عن الخدمة في وقت سابق. وتكمن أهمية هذه المنطقة في أنها تفصل مدينة غزة عن المناطق الجنوبية، هذا الفصل بدأه جيش الاحتلال منذ الأيام الأولى للاقتحام البري.

كتائب القسام تقول أنها تصدت للقوات الإسرائيلية في هذه المنطقة من المسافة صفر،وسبق أن نشرت فيديو لأحد مقاتليها وهو يضع قنبلة على دبابة إسرائيلية، لتبدأ بعدها الاشتباكات من المسافة صفر في حي الزيتون، وبالتالي فإن التقدم الإسرائيلي في هذه المنطقة متباطئ لأنه مصحوب بقتال من المسافة صفر، بالإضافة إلى أن حرب المدن في الأصل صعبة على الجيوش النظامية.

وخلال الـ ٤٨ ساعة الماضية، عاودت القوات الإسرائيلية أعمال القصف العنيف في جنوب القطاع على خان يونس وحي النصيرات، باستهداف المواقع المدنية هناك.

إذا، قطاع غزة يشهد حصارا مشددا على المنطقة الشمالية الشرقية من مدينة غزة، وقصفا عنيفا من المنطقة الجنوبية الغربية من المدينة، وحصارا بالآليات وقتالا من المسافة صفر في المنطقة الجنوبية الشرقية، مع كثافة نارية على الأحياء الشمالية الشرقية والشرقية من مدينة غزة.

وعلى ما يبدو أن القوات الإسرائيلية قد لا تكتفي بتطويقها لأطراف غزة، حيث بدأت خلال الساعات القليلة الماضية في التوغل حتى وسط غزة،فبعدما اقتحمت مستشفى الشفاء حاولت اختراقها إلى وسط غزة، ولكنها تتواجه مع كتائب القسام في مناطق بين جباليا والزيتون، بما يحد من التوغل الإسرائيلي إلى وسط القطاع. إلى جانب الغارة التي شنها جيش الاحتلال على مخيم البريج وسط القطاع.

جدير بالذكر أن سياسة الحزام الناري استخدمها الجيش الإسرائيلي للمرة الأولى في الحرب على غزة في عام 2021، وهي عبارة عن قصف عنيف ومتواصل لساعة كاملة باستخدام الصواريخ الثقيلة بهدف مسح أحياء بأكملها. وتسعى إسرائيل إلى فرض الحزام الناري في عمق ٥ إلى 7 كم شمال القطاع، وعرض ٩ إلى 10 كم بداية من السياج الحدودي.

أهداف غير واضحة:

لم تقدم إسرائيل هدفا واضحا من عملياتها البرية، الآخذة في الاتساع مع مرور الوقت، ففي البداية أعلنت عن أولويتها القضاء على حركة حماس، وهو هدف فضفاض وغير واقعي. ومع الضغوطات الداخلية والغربية، قالت إسرائيل أن هدف العملية هو العثور على الأسرى الذين احتجزتهم حماس منذ السابع من أكتوبر الماضي، حيث رجحت تواجدهم في مكان ما أسفل مستشفى الشفاء.

حتى عاد موقع ” واللا ” الإسرائيلي، وأكد نقلا عن مسئول في الجيش الإسرائيلي، أن الهدف من الاقتحام البري هو الوصول إلى الأنفاق الغامضة التي تستخدمها حماس، والتي يعتقد أن بها مقر قيادة حماس.

وقد يكون السبب في هذا الارتباك الإسرائيلي هو تخوف الحكومة والجيش من إعلان هدف واحد ورسمي قد تفشل القوات الإسرائيلية في تحقيقه أمام الرأي العام الإسرائيلي والمعارضة، إلى جانب الدول الغربية. فإسرائيل قد لا تتحمل اهتزاز صورتها مرة أخرى بإخفاق جديد عقب فشلها في صد أو توقع هجوم السابع من أكتوبر.

ولكن الواقع قد يشير إلى أن الهدف الإسرائيلي هو عمل حزام ناري حقيقي وليس مجرد تطويق لقطاع غزة، وفقا لشهادة بعض الأطباء في مستشفيات غزة، ومنها المستشفى الإندونيسي، حول بداية وصول حالات إصابات بحروق من الدرجة الرابعة ( حروق بسمك الجلد بالكامل ). وهي إصابات لم يتم الإبلاغ عنها منذ بداية القصف على غزة إلا بعد أن تحركت إسرائيل بشكل دائري.

وفي النهاية، يمكن القول إن حرب غزة دخلت مرحلة عض الأصابع، فمن يصرح أولا سيخسر ويقدم تنازلات، فبعد مرور أكثر من أربعين يوما لم تستطع قوات الاحتلال أن تحقق نصرا، ولا يوجد أى مؤشر على قرب هزيمتها لحماس، خاصة بعد أن تم تضخيم دور مجمع الشفاء وأثبتت الوقائع أنه ليس أكثر من مجمع طبي كما روجت إسرائيل.

وبالتالي ستستمر المعارك ولكن بضغوطات على كلا الجانبين، فإسرائيل تحت ضغط الشارع وتراجع الدعم الغربي، وحماس تحت ضغط الإمكانات المحدودة وتردي الوضع الإنساني ووحشية القصف وقصور الدور الإقليمي. هذه كله مع استمرار التقدم المتباطئ لقوات الاحتلال ودون هدف محدد وواضح.

وردة عبد الرازق

باحثة في الشئون الأوروبية و الأمريكية، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى