ماذا حقق بلينكن من زيارته للصين؟

في الـ 19 من يونيو الماضي، أجرى وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن زيارة رسمية إلى الصين استمرت لثلاثة أيام، بعدما تم تأجيلها في وقت سابق على إثر حادثة المنطاد، في زيارة هي الأولى لمسئول أمريكي رفيع المستوى منذ 2018، منذ زيارة نظيره السابق مايك بومبيو، وعقد كثيرون الآمال على هذه الزيارة من أجل إذابة الجليد بين واشنطن وبكين، بعدما أرهقت حالة الاستقطاب العالية من قبل الطرفين العديد من الفاعلين الدوليين. فما أهم النتائج الإيجابية التي أسفرت عنها هذه الزيارة ؟، وأهم النقاط التي أخفق بلينكن في حسمها مع الجانب الصيني؟.

توقيت هام:

جاءت زيارة وزير الخارجية الأمريكي في ظروف اقتصادية سيئة تواجهها الصين بعد إزالة قواعد الإغلاق، إلا أن الاقتصاد الصيني لم يؤد الأداء المتوقع منه، مما ترك آثارا اقتصادية كبيرة قد تسفر عن مشكلات سياسية في الداخل الصيني، مثل صعود المعارضة الصينية وإثارة سخط المواطنين حال استمر الوضع الاقتصادي على ما هو عليه، مما قد يدفع الحكومة الصينية لإلهاء الداخل من خلال التحركات الخارجية تجاه ملف تايوان على سبيل المثال، مما يؤشر إلى أن الصين قد تصبح أكثر جرأة في التعامل مع ملف تايوان نتيجة لظروفها الاقتصادية، كما سبق وأعلنت الصين أنها ستقوم بتفتيش السفن التي تمر عبر مضيق تايوان، وبالتالي فإن الزيارة جاءت بمثابة تهدئة للوضع لأن الولايات المتحدة ليست في حاجة لفتح جبهة صراع جديدة إلى جانب أوكرانيا.

 كما جاءت الزيارة في توقيت يوجد فيه رئيس الوزراء الصيني في ألمانيا، لمناقشة مستجدات الحرب الأوكرانية، الأمر الذي قد يشير إلى احتمالية مناقشة اتفاقية سلام من أجل إنهاء الحرب، أو إعادة النظر سواء من جانب الولايات المتحدة أو حلفائها الأوروبيين في المبادرة الصينية التي سبق وعرضتها بكين لحل الأزمة.

وتحديدا بعد تقارير تشير إلى فشل الهجوم المضاد الأوكراني الذي بدأ منذ 4 من يونيو الجاري، بشهادة مسؤولين روس وأوكرانيين، وغربيين أيضا، وهو أمر قد تكون الإدارة الأمريكية واضعة رهان عليه لحسم المعركة بعد كم الأسلحة التي قدمتها إلى أوكرانيا.

خطوات مبشرة:

قد تكون إشادة بايدن بنتائج الزيارة وبوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الذي اعتبره أهم دبلوماسي لديه، ووصفه للزيارة بأنها ” ناجحة ” وأن بلينكن أدى مهمته بشكل ” رائع “، إشارة إلى أن نتائج الزيارة لم تأتي مخيبة للآمال تماما بالنسبة للإدارة الأمريكية، وأنها شملت عدة نقاط إيجابية، لعل أبرزها:

  1. ففي البداية تم استقبال بلينكن استقبالا باهتا لفت نظر وسائل الإعلام بوجه عام، حيث كان في استقباله مسئول ملف أمريكا الشمالية والأوقيانوس، وليس وزير الخارجية الصيني، الأمر الذي يشجع على التوقع بفشل الزيارة قبل بدئها، إلا أن الأمر اختلف كثيرا بعد ذلك، حيث نجح وزير الخارجية الأمريكي في عقد لقاء مع الرئيس الصيني تم الإعلان عنه قبل ٤٥ دقيقة فقط، مما يشير إلى أنه كانت هناك احتمالية لعدم إجراء اللقاء، وأن بلينكن نجح في إقناع الصين بشكل ما بمكاسب معينة شجعت الرئيس الصيني على لقائه، بما قد يمهد الطريق لإيجاد نقطة التقاء بين واشنطن وبكين في الملفات المشتركة خلال الفترة المقبلة، وأن الإدارة الأمريكية لديها ما تقنع به الحكومة الصينية من أجل التوصل إلى تسويات بينهما، بدرجة تسهم في عدم تحول التنافس بينهما إلى صراع حتمي.
  2. الإدارة الأمريكية أكدت أنها انتزعت تعهدا من الصين بعدم التدخل في الحرب الأوكرانية، وعدم إرسال أسلحة للجيش الروسي خلال الفترة المقبلة. إلا أن الفكرة تكمن في أن الحكومة الصينية لم ترسل المساعدات إلى روسيا عبر قنواتها الرسمية، وإنما من خلال شركات خاصة أخرى.إلا أنها بادرة قد تكون كافية مع تعهد أمريكي في المقابل بشأن تايوان.
  3. ويعتبر من أهم النتائج الإيجابية، وقف تدهور العلاقات بشكل متسارع بين واشنطن وبكين، حتى أن وزير الخارجية الأمريكي أكد على النجاح في تعزيز التواصل الدبلوماسي مع بكين بشكل مباشر وأفضل مقارنة بذي قبل، وتضمنت تصريحات المسؤولين الصينيين نفس النبرة التفاؤلية تقريبا.
  4. ووفقا لتصريحات وزير الخارجية الأمريكي لوكالة CBS News، التي أجرت حوارا معه عقب الزيارة مباشرة، إنه اتفق على زيارة للرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة في ولاية سان فرانسيسكو في نوفمبر المقبل، وهو ما يعبر عن تفاهم مقبل بين واشنطن وبكين، والعودة لسياسة التحكم في حالة التوتر الزائد مؤخرا.

إخفاق متوقع:

رغم المؤشرات الجيدة التي أظهرتها زيارة بلينكن إلى الصين، إلا أن الأمر لم يخلُ من بعض الإخفاق الذي عاد به بلينكن إلى واشنطن، حيث رفضت الصين فتح الخطوط العسكرية بين الجيشين الأمريكي والصيني، وهو أحد الأهداف الرئيسية من الزيارة في الأساس، حيث تعتبره الإدارة الأمريكية مهما لإعادة إنشاء وتقوية خطوط الاتصال بين الحكومتين، وذلك لأن حوادث الاعتراض من قبل الجيش الصيني للأمريكي بدأت تزداد في الفترة الأخيرة، في ظل المناورات الصينية المتكررة حول جزيرة تايوان، كما هو الحال في حادثة اعتراض مقاتلة صينية لطائرة مراقبة أمريكية الشهر الماضي، وقبل ذلك بأسابيع كادت سفينة حربية صينية أن تصطدم بأخرى أمريكية، وبالتالي فإن فتح الخطوط العسكرية مهم جدا بالنسبة للإدارة الأمريكية من أجل الاستفسار بشأن الحوادث المشابهة.

كما أعلن وزير الخارجية الأمريكي خلال لقاء متلفز عقب لقائه الرئيس الصيني، أن الإدارة الأمريكية لا تدعم استقلال تايوان بل تعارض ذلك، ولا تدعم التصرفات الأحادية من أي جانب، وأنها ما زالت متمسكة بمبدأ الصين الواحدة، وهو ما اعتبره البعض، ومنهم نواب في الكونغرس الأمريكي، ضعفا في الموقف الأمريكي بشأن تايوان وتنازل غير مبرر، بل واعتبره البعض بمثابة ضوء أخضر أمريكي للصين للتصرف في ملف تايوان كما تشاء.

حتى أن الإعلام الأمريكي وبعض نواب الكونجرس شنوا هجوما شديدا على بلينكن عقب انتهاء زيارته للصين، ممن أرادوا توجهه إلى جزيرة تايوان بعد ذلك.

ولكن بالرغم من ذلك، فإن واشنطن هي أكبر مورد سلاح وداعم سياسي لتايوان، وبالتالي فإن حوار وزير الخارجية الأمريكي لا يخرج عن كونه عبارات دبلوماسية لتلطيف الأجواء مع بكين، خاصة وأن واشنطن تعهدت بإرسال طائرات إف 16 إس وجافلير ومسيرات إلى تايوان.

وقد يكون السبب في قول وزير الخارجية الأمريكي لتصريحات تخالف السياسة الحقيقية لبلاده، هو أنه تعهد أمريكي بعدم إرسال أسلحة لتايوان مقابل التعهد الصيني السابق بعدم إرسال أسلحة لروسيا في أوكرانيا، لأنه منذ مجيء جو بايدن إلى البيت الأبيض وواشنطن تصعد ضد الصين، بدليل زيارة رئيسة تايوان إلى الولايات المتحدة، ولقاء كيفن مكارثي ومن قبله نانسي بلوسي برئيسة تايوان. وبالتالي فإن الأمر لا يخرج عن كونه مجرد خفض للتصعيد ليس إلا.

ختاما، يمكن القول أن زيارة بلينكن إلى الصين لم تسفر عن أية حلول جذرية لأحد الملفات العالقة بين الجانبين، بعدما فشلت الإدارة الأمريكية في ضمان فتح القنوات العسكرية كهدف رئيسي من الزيارة. وما قد يشير إلى أن نتائج الزيارة جاءت على عكس ما توقعه المسئولون الأمريكان هو وصف بايدن للرئيس الصيني ب “الديكتاتور ” بعد يوم واحد من الزيارة.

ومع ذلك، فإنها تمثل مؤشرا جيدا لوقف التصدع المتزايد في العلاقات الصينية الأمريكية خلال الآونة الأخيرة، بطريقة تسمح للتوصل إلى تسويات مقبلة، بالذات بعد إعلان وزير الخارجية الأمريكي عن زيارة للرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة، وموافقة وزير الخارجية الصيني أيضا على إجراء زيارة قريبة.

وردة عبد الرازق

باحثة في الشئون الأوروبية و الأمريكية، كانت تعمل في مركز رع للدراسات رئيسة لبرنامج الدراسات الأوروبية والأمريكية. الباحثة حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى