دوافع متنوعة: لماذا تسعى إيران لاختراق الخليج؟

أعلنت السلطات الكويتية في مايو 2026 القبض على خلية من أربع أفراد حاولت التسلل إلى البلاد عن طريق البحر وأسفرت الاشتباكات بين القوات الكويتية وتلك الخلية مطلع الشهر الجاري عن إصابة أحد منتسبي القوات المسلحة في جزيرة بوبيان واعتقال 4 من المتسللين وفرار اثنين آخرين من بينهم قائد القارب، وقد أعلنت وزارة الداخلية في 12 من الشهر ذاته أن العناصر المتسللين اعترفوا بانتمائهم إلى الحرس الثوري وتراوحت رتبهم العسكرية بين ملازم أول بري وعقيد بحري.

يأتي ذلك عقب أيام من إعلان مملكة البحرين في 9 مايو 2026، القبض عن 41 شخصًا من التنظيم الرئيسي المرتبط بالحرس الثوري الإيراني وفكر “ولاية الفقيه”، والذي جرى الكشف عنه عقب تحقيقات في قضايا التخابر والتعاطف مع الاعتداءات الإيرانية على أمن البلاد.

تأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي جهود دول الخليج العربي في تفكيك خلايا الحرس الثوري الإيراني، وأبعاد المساعي الإيرانية الحثيثة لاختراق دول المنطقة رغم استمرار وقف إطلاق النار.

مؤشرات هامة:

من بين 12 خلية وتنظيمًا أعلنت السلطات الأمنية في 4 دول خليجية ضبطها خلال الشهرين الماضيين منها 11 خلية تعمل بالداخل وخلية متسللة، يبرز تطور مساعي طهران لاختراق دول الخليج العربي حتى مع وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، وتوضح مؤشرات الاختراق المعطيات التالية:

(*) توجيه التهديدات: تواصل الكشف عن الخلايا والتنظيمات التابعة لإيران والميليشيات الموالية لها في منطقة الخليج أثناء وبعد الحرب، ويشير الإحصاء السريع لتلك البيانات أن كثافة العمل الاستخباراتي كانت في شهر مارس بواقع 9 خلايا بواقع 3 خلايا في الكويت ومثلها في مملكة البحرين، أغلبها تنشط ميدانيًا في أعمال التجسس والتخريب، وبلغت تلك الحركة ذروتها في منتصف مارس الذي شهد الكشف عن 5 خلايا بواقع واحدة في دولة الإمارات حملت طابعًا ماليًا، وخليتين في دولة الكويت وخليتين في دولة البحرين.

وتتبين نوعية الاستهداف وطبيعة الفاعلين المهددين للأمن الداخلي لدول الخليج مما كشفت عنه بيانات السلطات الأمنية الخليجية ويأتي في مقدمتها دولة الكويت التي شهدت 3 خلايا مرتبطة بـ”حزب الله” وتراوحت مقوماتها بين استخدام معدات وأجهزة اتصال مشفرة بتقنيات قديمة (مثل أجهزة مورس) وأسلحة وأعلام وخرائط وتوفير تدريبات عسكرية في لبنان للعناصر المجندة شملت التجسس والتدريب على استخدام المسيرات وأعمال الاستهداف والاغتيالات لاستهداف رموز الدولة الكويتية، وهو ما يبرز مساعي الحزب المتكررة لاختراق المجتمع الكويتي في حوادث متكررة كان أبرزها خلية العبدلي التي جرى الكشف عنها في 2015. وتبدو الحادثة الأكثر خطورة هي دخول الحرس الثوري على خط أعمال الاختراق مطلع مايو الجاري حيث اشتبكت القوات المسلحة الكويتية من خلية إيرانية مكونة من 6 أفراد يحملون رتبًا متوسطة داخل بحرية الحرس الثوري، مما يظهر فشل تلك الخلية ووقوفها خلف مخطط أوسع لاستهداف منشآت أو رموز أو أهداف عالية القيمة في الداخل الكويتي.

(*) طبيعة الفاعلين: ارتبط معظم أعضاء تلك الخلايا بروابط تنظيمية أو أيديولوجية بنظام ولاية الفقيه، إذ من بين 12 خلية توجد 11 خلايا داخلية، منها شبكة مالية واحدة أعلنت عنها دولة الإمارات في 19 مارس 2026؛ وهي شبكة مكونة من 5 أفراد مدارة من إيران و”حزب الله” تورطت في عمليات غسيل أموال وتمويل أنشطة إرهابية تحت غطاء تجاري وهمي، بينما استهدفت 10 خلايا أخرى إيجاد بنية تحتية لتمدد فكر ولاية الفقيه ونشر الدعاية الإيرانية لاستقطاب الشباب الخليجي ودفعه للتطوع بالمال أولًا والنفس ثانيًا للدفاع عن إيران و”حزب الله”.

ويبلغ عدد تلك المجموعات إجمالًا 149 شخصًا، حيث ألقت سلطات الدول الأربعة القبض على 132 شخصًا مقابل 17 هاربًا. وبلغ إجمالي عدد المتورطين في مملكة البحرين 55 شخصًا من حاملي الجنسية البحرينية من بينهم شخص واحد هارب خارج البلاد، وتضمنت قضية التنظيم الرئيسي المرتبط بالحرس الثوري عدد من المشايخ المعروفين بدعم مواقف إيران على أساس مذهبي وتبني فكر “ولاية الفقيه”، بينما حلت دولة الكويت ثانيًا بإجمالي 52 شخصًا بواقع 36 مقبوضًا عليهم و16 هاربين، وتوزعت بيانات الخلايا بالكويت بين 3 خلايا محلية وخلية واحدة من متسللي الحرس الثوري اشتبكت مع القوات المسلحة في جزيرة بوبيان مطلع مايو الجاري. كما ضمت الخلايا 34 مواطنًا كويتيًا مقابل 8 إيرانيين و4 لبنانيين و6 أشخاص ممن سُحبت جنسيتهم، حسب بيانات وزارة الداخلية الكويتية.

دوافع متعددة:

تظهر بيانات الخلايا والتنظيمات الإيرانية تنوعًا في دوافع ومساعي الاختراق الإيراني لدول الخليج العربي، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:

(&) تمويل أنشطة الحرس والميليشيات الموالية: شملت أنشطة جذب التمويل بين استغلال البنية المالية للدولة المستهدفة من أجل تمويل أنشطة إرهابية على غرار الخلية التي كشفت عنها دولة الإمارات في 19 مارس 2026، مما يسهل في جذب مبالغ أضخم تلاءم أنشطة التسليح للحرس الثوري بصفة أساسية وأقل إثارة للشكوك الأمنية مقارنة بنموذج جمع أموال التبرعات التقليدي الذي يستدعي وجود كيان اجتماعي ذات انتماء أيديولوجي والذي يمكن تتبع شبكاته وتفكيكها. كما شملت أنشطة جمع التبرعات في البحرين والكويت والإمارات اجتماعات سرية رصدتها السلطات الخليجية وانضوت غالبها في صورة خلايا صغيرة من مستوى 5 وصولًا إلى 27 فردًا بحد أقصى، مما يظهر الاعتماد على أسلوب الشبكات لتجنب الرصد والحفاظ على قنوات التمويل المتاحة لأطول فترة ممكنة.

(&) الإضرار بالبنية التحتية: ساهمت الخلايا الإيرانية بأنشطة ميدانية للتجسس والرصد والمتابعة لأعمال القصف الإيراني وحتى توجيه المسيرات لإصابة أهدافها العسكرية والمدنية الحيوية مثل منشآت الطاقة والقواعد العسكرية والفنادق، بدقة أكبر. وتظهر المضبوطات أن الخلايا اعتمدت على وسائل اتصال مشفرة وخرائط وأرسلت إحداثيات للطرف المشغل وصورًا للمواقع عقب استهدافها للمساعدة في تقييم الأضرار ونشر الدعاية الإيرانية عبر منصات تحريضية ناطقة باللغة العربية.

(&) إثارة الفُرقة والتوترات الداخلية: استثمرت إيران وحزب الله بصورة مباشرة ومنظمة في اجتذاب الشباب الخليجي على أسس مذهبية وأيديولوجية من أجل خلق قاعدة شعبية لفكر ولاية الفقيه عبر الزيارات الدينية للحوزات الإيرانية، تمهيدًا لأدوار أكبر جرى التخطيط لها قبل الحرب، حيث أظهرت التحقيقات الخليجية أن العديد من تلك الخلايا تلقت تدريبات عسكرية مكثفة على أنشطة متعددة منها استخدام الطائرات المسيرة والتهريب واستخدام السلاح وتنفيذ عمليات اغتيال. إن دخول عناصر من الحرس الثوري على خط المواجهة خلال الاشتباك الأخير في جزيرة بوبيان الكويتية يمثل تصعيدًا خطيرًا لمحاولات الاختراق الإيرانية التي تستهدف المجتمعات بالدرجة الأولى من أجل تشكيل أجنحة مسلحة، كما يظهر نجاح السلطات الخليجية في تفكيك الشبكات التابعة لحزب الله والتي طالما اعتمدت على تهريب المواد المخدرة لتمويل عمليات التنظيم من جهة، وإغراق المجتمعات الخليجية بها من جهة أخرى.

إجمالًا؛ نجحت دول الخليج في التصدي لمساعي الاختراق الإيرانية أمنيًا وعسكريًا رغم كثافة الاستهدافات بالصواريخ والمسيرات والتي ربما راهنت إيران من خلالها على إضعاف السيطرة الأمنية وبث الفوضى في الداخل الخليجي، وهو ما يدفع للقول إن التجربة الخليجية تثبت أن تعزيز الصمود المجتمعي والحفاظ على وحدة النسيج الوطني هي سبيل الأمثل في التصدي للتهديدات الإيرانية.

ضياء نوح

ضياء نوح- باحث أول بمركز رع للدراسات الاستراتيجية وهو المنسق الأكاديمي للمركز. الباحث خبير بوحدة الدراسات الاستراتيجية بقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهو حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية، وباحث ماجستير في ذات التخصص، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية، متخصص في شئون الخليج وإيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى