مذكرة تفاهم.. إلى أين وصلت جهود وقف حرب إيران؟

فيما تتأرجح المواقف الأمريكية بين الذهاب لتسوية وشيكة والتصعيد العسكري المحدود تجاه زوارق ومنصات إطلاق صواريخ بحرية على السواحل الجنوبية الغربية الإيرانية، يحتفظ المسار التفاوضي ببعض زخمه خلال الأسبوع الجاري مع بروز تحولين رئيسيين؛ أولهما تأكيد الأطراف على وجود مسودة لمذكرة تفاهم تشمل إنهاء الحرب ووضع أفق زمني بنحو 60 يومًا لتسوية الملفات العالقة والمعقدة. وثانيهما وجود تنسيق وتفاهمات إقليمية لمعالجة الشواغل الخليجية بإشراك قطر بصورة علنية في المفاوضات مع تبادل الزيارات الإيرانية القطرية لبحث ملفات فتح مضيق هرمز ومعالجة وضع المواد النووية عالية التخصيب.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل الحالي فرص ومعوقات المسار التفاوضي الراهن للوقوف على مدى التقدم في إيجاد تسوية نهائية للحرب.

ملامح الاتفاق المحتمل:

على الرغم من تقدم المحادثات بين الجانبين تجاه إنهاء الحرب بصورة كاملة على مختلف الجبهات وفق الرؤية الإيرانية، لا يزال اختلاف الصياغات محددًا رئيسيًا لصعوبة مسار المفاوضات غير المباشرة باعتبارها انعكاسًا لانعدام الثقة من جهة، ورغبة الطرفين في تحقيق مكاسب رمزية أو الترويج لها داخل قاعدته الشعبية من جهة ثانية، وإمكانية تأويل أو إعادة صياغة بعض البنود دون التأثير على نقاط الاتفاق الأساسية التي يجري التفاهم بشأنها بوساطة ورعاية إقليمية من جهة ثالثة.

(*) وقف الأعمال العدائية: شملت بنود مذكرة التفاهم المحتملة وقف إطلاق النار على كافة الجبهات بما في ذلك الحرب في لبنان، وتعهدين متبادلين من واشنطن وحلفائها بعدم مهاجمة إيران وحلفائها من جهة، ومن طهران بعدم شن هجوم استباقي على الولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى.

(*) إزالة القيود على الملاحة البحرية والنفط: تصدر مضيق هرمز أهداف ومبررات التوصل لاتفاق بين إيران والولايات المتحدة باعتباره شأنًا دوليًا يؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، بجانب تأثيره الحيوي على اقتصادات دول الخليج العربي، حيث نص الاتفاق المحتمل على الرفع الكامل للقيود الإيرانية على حرية تدفق الملاحة عبر مضيق هرمز مقابل رفع الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية خلال مهلة 30 يومًا، بينما لم يتناول أي صيغة للرسوم التي اعتزمت إيران فرضها على السفن التجارية المارة عبر المضيق. كما تضمنت البيانات الإعلامية إلغاء العقوبات الأمريكية على النفط الإيراني.

(*) العقدة النووية والأموال المجمدة: جرى في إطار المذكرة التي لا تزال تشهد مداولات بين إيران والولايات المتحدة والوسطاء في باكستان وقطر، إرجاء التوصل لاتفاق بشأن الملف النووي الإيراني خلال عملية تفاوضية تمتد لنحو 60 يومًا، إلا أن التفاهم بشأن المواد عالية التخصيب قد يمثل بادرة أو بوابة تمهد الطريق للاتفاق الشامل المأمول خلال المهلة المذكورة. ويشير تحول ثقل المفاوضات بشأن تجاوز عراقيل الاتفاق المرحلي إلى قطر، لاهتمام الجانب الإيراني بحلحلة ملف الأموال المجمدة ولو بصورة جزئية –حيث كانت الدوحة محطة مهمة لنقل عائدات نفط إيراني من كوريا الجنوبية تقدر بحوالي 6 مليارات دولار في 2023 في إطار اتفاق جزئي بين طهران وإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن شمل تبادلًا للسجناء قبل أن يتعثر نقل الأموال تحت وطأة الانتقادات الداخلية لنهج الإدارة مع طهران واندلاع الحرب على غزة أكتوبر 2023 – مقابل إبداء مرونة في ملف المواد عالية التخصيب. ويبدو أن حل المسألة النووية يعد جزءًا من النقاشات الأمريكية مع روسيا والصين، خاصة خلال قمة شي-ترامب الأخيرة في بكين وتضمنت حسب التصريحات الأمريكية الالتزا بعدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا. ومن اللافت في تصريحات ترامب الحديث عن “تدمير الغبار النووي” بطريقة موثوقة وفعالة وقابلة للتحقق وعدم السماح بتحولها إلى أداة ابتزاز إيرانية-روسية أو حتى أمريكية تجاه القوتين النوويتين المناوئتين (الصين وروسيا).

مضامين غامضة:

يصمت الاتفاق عن معالجة بعض القضايا الملحة أو يتناولها في صيغة اقتصادية وفنية، وهو ما يمثل دفعة يجابية لتجاوز تعقيدات الصراع من جهة، إلا أن يهدد بعرقلة بعض استحقاقات الاتفاق ويدفع بعبء حلها على القوى الضامنة والوسيطة.

(&) إنهاء الحرب: يمثل الدفع بإنهاء الحرب بادرة إيجابية قد تحقق الأثر المطلوب في تفكيك التعقيدات أمام مسار السلام الأمريكي الإيراني في نهاية المطاف، إلا أن ذلك الطرح يتجاهل تباين التسريبات الأمريكية والإيرانية لطبيعة وقف إطلاق النار؛ فبينما تربط الولايات المتحدة أي استحقاق عسكري على غرار سحب القوات التي جرى نشرها في المنطقة خلال الصراع حتى إنجاز اتفاق نهائي شامل يتضمن الملف النووي، أشارت وكالة تسنيم القريبة من “الحرس الثوري” إلى أن الصياغات المطروحة في وسائل الإعلان الأمريكية حول “تمديد” وقف إطلاق النار غير موجودة في نص مسودة مذكرة التفاهم والتي نصت حسب الوكالة الإيرانية على “نهاية الحرب”. كما يرتبط إلغاء القيود على الملاحة عبر مضيق هرمز بتفاهمات فنية بين الجانبين لحلحلة الخلافات حول الخطوة الأولى لفك الحصار المتبادل، وقد أشارت الوكالة (تسنيم) من جهتها على أولوية رفع الحصار الأمريكي كاملًا خلال 30 يومًا قبل أن تجري إيران أي تغييرات في حركة المرور عبر المضيق أو إزالة الألغام. ويفسر ارتباط هذا البند بإنهاء حالة الحرب والمواجهة بين الجانبين واعتبار المضيق ساحة اختبار رئيسية لتفاهمات الجانبين وحدود قوتهما، الهجمات الأمريكية في 25 مايو 2026 على جنوب إيران والتي استهدفت زوارق كانت تحاول زرع ألغام ومنصات صواريخ بحرية حسب بيان القيادة المركزية، باعتبارها إظهارًا للقوة الأمريكية في منع إيران من اتخاذ إجراءات إضافية لتعزيز السيطرة على المضيق. وفي المقابل تسعى إيران للاحتفاظ بورقة المضيق كأداة لمساومة دول المنطقة على ترتيبات أمن المنطقة وإعادة فتح ملف الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وهو ما يفسر جزئيًا تراجع إيران عن المطالبة بـ”رسوم مرور” ولجوئها لتدشين هيئة لتنظيم الملاحة عبر المضيق وحصر حق العبور في الحصول على إذن السلطات الإيرانية، بالتوازي مع محاولة استمالة الجانب العُماني لرؤية إدارة الملاحة والحصول على تكاليف مقابل خدمات للسفن وحماية البيئة البحرية على جانبي المضيق.

(&) تضمين إسرائيل: يمثل تضمين إسرائيل في الاتفاق المرحلي عبر وقف حرب لبنان من جهة، وربط التسوية النهائية بتوسيع “الاتفاقيات الإبراهيمية” من جهة أخرى، معرقل محتمل لإنهاء الحرب، بالنظر لرغبة إسرائيل في تفكيك البرنامج النووي الإيراني كاملًا وإسقاط النظام الإيراني، وبالتبعية إسقاط وكلائه في لبنان، وهو ما يعني أن أي نتيجة معاكسة تعد هزيمة كبرى لإسرائيل وحكومة بنيامين نتنياهو خاصة. وعلى الصعيد الإقليمي يمثل توسيع الاتفاقات العربية الإسلامية مع إسرائيل تحديًا رئيسيًا للعديد من الاعتبارات وأهمها ربط مسار التطبيع بحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية وبالتالي فإن إقامة علاقات في غياب أي مسار موثوق لقيام الدولة الفلسطينية يمثل تراجعًا عن ثوابت لبعض الدول تبنت تاريخيًا ذلك المسار في إطار “المبادرة العربية للسلام” في قمة بيروت 2002. ومن تلك الاعتبارات أيضًا أن إعطاء تلك الورقة للحكومة الأكثر تطرفًا في إسرائيل لا يعني بالضرورة نهاية الحرب في الشرق الأوسط، وإنما يعزز دورها المزعزع للاستقرار في عموم المنطقة، وهي رؤية بدت تنضج تدريجيًا خلال حرب إيران واتباع إسرائيل خطوات تصعيدية على غرار قصف منشآت وحقول الطاقة الإيرانية خاصة تلك التي تشترك فيها الأخيرة مع دول الخليج مثل منشأة الغاز في عسلوية الواقعة في حقل بارس الجنوبي (حقل الشمال القطري).

(&) العقوبات والأموال المجمدة: ترغب إيران في الإفراج التدريجي عن أموالها المجمدة في إطار الاتفاق، وهو أمر تتحسب له إدارة ترامب في إطار التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي حول الامتيازات المالية التي منحتها إدارة أوباما وبايدن لإيران خاصة عقب توقيع اتفاق 2015 بشأن البرنامج النووي. وبالتالي تناولت التسريبات الأمريكية أن الولايات المتحة منفتحة على “التفاوض” بشأن رفع العقوبات وإزالة التجميد عن الأصول المالية الإيرانية في الخارج “كجزء من الاتفاق النهائي” وفق موقع أكسيوس. وقد يرتبط رفع الجمود في هذا الملف بدور أكبر للوسيط القطري حول تقديم تنازلات من إيران حول المواد المخصبة مقابل نقل جزء من الأموال الإيرانية في صورة أصول أو استثمارات أو مساهمات في إعادة الإعمار.

وإجمالًا؛ لا تزال المسألة الإيرانية تراوح بين التفاوض المرحلي والتصعيد المحدود نظرًا لانعدام الثقة بين الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع أو المؤثرة على مساراته، كما تمثل طموحات إيران ونشاطها المزعزع للاستقرار من جهة ونزوع إسرائيل لتخريب التفاهمات الإقليمية في ظل الغطاء والدعم الذي توفره الإدارة الأمريكية الحالية من جهة أخرى مهددات محتملة لمسار التسوية الإقليمي عبر مزيد من التصعيد في لبنان والتدمير الممنهج للبنية التحتية بما يتجاوز مواجهة حزب الله، أو عبر العودة الكاملة للحرب على نطاق إقليمي مع تداعيات مدمرة للاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة العالمية. ومن الممكن القول إن وجود مسارات إقليمية تتقاطع حول منطقة الخليج العربي يدعم جهود الوساطة للوصول إلى وقف مستدام للحرب رغم صعوبات وتعقيدات الصراع.

ضياء نوح

ضياء نوح- باحث أول بمركز رع للدراسات الاستراتيجية وهو المنسق الأكاديمي للمركز. الباحث خبير بوحدة الدراسات الاستراتيجية بقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهو حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية، وباحث ماجستير في ذات التخصص، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية، متخصص في شئون الخليج وإيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى