حسابات المستقبل.. كيف يتحرك الخليج بعد الحرب على إيران؟

للمرة الأولى في تاريخ المواجهات مع إيران منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، تتعرض سماء وأراضي دول الخليج لهجمات مباشرة من قبل إيران. حتى إن سماء دولة الإمارات العربية المتحدة اعترضت واستقبلت عددًا من الصواريخ يفوق ما تلقته إسرائيل، رغم أن الإمارات ليست طرفًا مباشرًا في الحرب ضد إيران.

وعلى الرغم من أن إيران تُعد تهديدًا لدول الخليج -بدرجات متفاوتة- فإن هذا التهديد ظل لفترة طويلة في إطار يمكن إدارته والتحكم في سلوكه بحيث يبقى عند حدوده الدنيا، فضلًا عن الحيلولة دون تحوله إلى واقع ميداني عبر مواجهات عسكرية مباشرة.

وقد حرصت دول الخليج على ألا تنجرف أو تُستدرج إلى مواجهات عسكرية مباشرة مع إيران، في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. إلا أن إيران جعلت من الخليج خط مواجهة استراتيجيًا، إذ ربطت أمن الخليج بأمنها، ولكن بصورة سلبية. وهذا يعني أن إيران ربطت أي محاولة لاستهداف النظام الإيراني بزيادة استهدافها لاستقرار وأمن دول الخليج، انطلاقًا من أن الخليج يمثل أهمية اقتصادية واستراتيجية ليس فقط للولايات المتحدة الأمريكية، وإنما للعالم بأسره. وهو ما جعل إيران تتمسك بهذه الورقة الاستراتيجية، فضلًا عن توظيف الجغرافيا لصالحها عبر إحكام سيطرتها على مضيق هرمز.

الوضع الأمني لمنطقة الخليج:

أعطت دول مجلس التعاون الخليجي الأولوية للدبلوماسية والحوار في تعاملاتها مع إيران. وعلى الرغم من أن جميع دول الخليج تستضيف أفرادًا وقوات عسكرية أمريكية بدرجات متفاوتة، فإن كل دولة حاولت أن تنأى بنفسها علنًا ودون مواربة عن العمل العسكري الأمريكي والإسرائيلي ضد إيران.

وقد ذهب عدد من المراقبين إلى أنه كلما طال أمد الحرب، ازداد الضغط الأمني والعسكري على منطقة الخليج. كما أن المخاطر التي تهدد الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر والبحرين والكويت لا تتوقف عند حدود تعطل صادرات النفط والغاز، بل تمتد آثارها إلى مناطق عديدة حول العالم.

ومن المتعارف عليه أن الخليج يعتمد في منظومة الدفاع المشترك على قوات “درع الجزيرة”، إلى جانب الاتفاقيات الأمنية المشتركة مع عدد من دول العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن امتلاك دول الخليج أحدث أنواع الأسلحة التي تستوردها من واشنطن. وفي خضم الحرب المفتوحة التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل، تعرضت كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي -وفي بعض الحالات تم استهدافها بشكل مباشر- لهجمات إيرانية بطائرات مسيرة وصواريخ. وفي مقابلة مع شبكة “سي إن إن”، وصف الرئيس دونالد ترامب الهجمات على الخليج بأنها “ربما تكون أكبر مفاجأة” في الحرب حتى الآن.

أضرار وانتهاكات:

أعلن المسؤولون في دول الخليج بوضوح إبعاد بلدانهم عن الدفع نحو الحرب مع إيران. كما حذر بعض الدبلوماسيين السابقين من عواقب الانخراط في حرب خليجية ـ إيرانية.

وأوقفت قطر، التي ساعدت في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران في حرب الأيام الاثني عشر السابقة، صادراتها من الغاز الطبيعي المسال -التي تمثل 20% من سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي- بعد استهداف منشآت رئيسية بطائرات إيرانية مسيرة. كما عانت سلطنة عمان، التي لعبت دور الوسيط في المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، ووجه وزير خارجيتها نداءً أخيرًا للدبلوماسية عبر شاشة التلفزيون الأمريكي، من هجمات إيرانية متتالية بطائرات مسيرة استهدفت مجمع ميناء الدقم.

فضلًا عن ذلك، تعرضت دبي وأبوظبي وميناء الفجيرة ورأس الخيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة للاستهداف، إلى جانب استهداف منشآت حيوية على أراضي المملكة العربية السعودية، وهو ما ألحق أضرارًا بقطاعات السياحة والطاقة، ونال من حالة الاستقرار الأمني والاقتصادي التي تتمتع بها دول الخليج.

قلق مستقبلي:

تُعد الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران خطًا فاصلًا جديدًا واختبارًا حقيقيًا للأمن الخليجي، ولأمن كل دولة خليجية على حدة. فقد مثلت هذه الحرب اختبارًا حقيقيًا لمنظومة الأمن الخليجي المشتركة، وللقدرات العسكرية الفردية لدول الخليج، كما كشفت عن طبيعة السلوك الإيراني تجاه دول الخليج، وأخيرًا مثلت اختبارًا حقيقيًا للشراكة الأمنية بين الخليج والولايات المتحدة الأمريكية، التي أظهرت بوضوح أن ملفات أمن الخليج ليست على رأس أولويات الأجندة الأمريكية.

كما أن الولايات المتحدة، في سعيها لإجراء تسوية سياسية مع إيران، قد لا تلتفت كثيرًا -وربما لن تلتفت نهائيًا- إلى أمن الخليج، أو إلى ملفات مثل منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية والطائرات المسيرة، أو حتى قضايا حسن الجوار والتعهد بعدم استهداف دول الخليج في أي مواجهات عسكرية لا تكون طرفًا مباشرًا فيها.

وجليٌّ أن الحملة الجوية الأمريكية والإسرائيلية الواسعة ضد إيران لم تتمكن من الإجهاز على القوة الإيرانية أو تغيير النظام، رغم مقتل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، كما حولت إيران الدول المجاورة الآمنة تاريخيًا إلى مناطق حرب بين عشية وضحاها. كذلك، لم تطرح الولايات المتحدة أو أي جهة فاعلة أخرى حلًا حاسمًا لمسألة الإغلاق الإيراني الفعلي لمضيق هرمز، في وقت ما تزال فيه إيران تحتفظ باليورانيوم عالي التخصيب وبرنامجها النووي.

وليس لمجلس التعاون الخليجي مقعد على طاولة التسوية السياسية الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، رغم مناشداته، لإجراء مفاوضات ستحدد البيئة الاقتصادية والأمنية للمنطقة لسنوات قادمة.

وعلى صعيد آخر، ستكون التداعيات الاقتصادية على الخليج كبيرة، خاصة أن بعض دوله اعتمدت بصورة متزايدة على بناء وتشغيل مراكز البيانات، والحفاظ على المراكز اللوجستية المعقدة، وجذب رؤوس الأموال والسياحة، وهي أمور يصعب استمرارها في ظل منطقة تعيش أجواء حرب نشطة. لذلك ترى دول الخليج أن التسوية السياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران أمر مطلوب وأفضل للمنطقة، شريطة أن تكون تسوية شاملة تتضمن تعهدًا إيرانيًا باحترام حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.

وفي ظل هذا القلق الناجم عن اختبارات المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية أخرى، يبرز تساؤل مهم: إلى أين تتجه دول الخليج من هنا؟

يُعد مجلس التعاون الخليجي المنظمة الإقليمية -إلى جانب جامعة الدول العربية- التي استمرت منذ إنشائها عام 1981 وحتى الآن، وحافظ المجلس، وخاصة اجتماعات رؤساء الأركان، على انتظام لقاءاته حتى في أوقات الخلافات، بما في ذلك فترة القطيعة مع قطر. كما يمتلك المجلس قوات مشتركة تتمثل في “قوات درع الجزيرة”.

إلا أن هذا التنسيق لم يكن كافيًا للتصدي للانتهاكات الإيرانية. وفي أعقاب هذه الحرب، أصبح إنشاء نظام دفاع جوي متكامل الخطوة الأكثر إلحاحًا لتبرير وتعزيز التعاون الأمني الخليجي. كما يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي تنسيق صفقات التسلح، بل وإنشاء مجمعات تمويل دفاعية مشتركة لهذا الغرض.

وعلى هذا المنوال، يمكن لدول الخليج المشاركة في تصنيع أنظمة دفاع جوي محلية، خاصة أن مشكلات الإنتاج في الصناعات الدفاعية الأمريكية دفعت دول الخليج إلى البحث عن مصادر بديلة للتسليح. ومن شأن التصنيع المحلي أن يقلل الاعتماد على الولايات المتحدة، ويعزز القدرات الصناعية الوطنية، ويخلق حوافز متبادلة لتعميق التنسيق الأمني بين دول المجلس. وقد يشمل ذلك دمج اتفاقيات الدفاع الثنائية الجاري التفاوض بشأنها مع أوكرانيا فيما يتعلق بتكنولوجيا مواجهة الطائرات المسيرة، وربما يمتد إلى المشاركة في إنتاج أنظمة دفاع صاروخية أمريكية أو أجنبية أخرى.

وعلى الصعيد الاقتصادي، ينبغي إعطاء الأولوية لمزيد من التكامل بين الممرات التجارية لدول مجلس التعاون الخليجي. فقد أثبت إغلاق إيران لمضيق هرمز أهمية الاستثمارات طويلة الأمد التي نفذتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في مشاريع خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق باتجاه موانئ بديلة. ومع ذلك، تبقى هذه الخطوط حلًا جزئيًا، إذ لا تخدم جميع دول الخليج، كما لا تساعد في تأمين واردات السلع الحيوية غير النفطية، مثل الأسمدة.

ومن الممكن أن يسهم مشروع السكك الحديدية الخليجي طويل الأمد في معالجة هذه المخاوف، من خلال ربط مشاريع السكك الحديدية الحالية في سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ببقية دول الخليج وخارجها.

وأخيرًا، وعلى المستوى الاستراتيجي، يمكن لمجلس التعاون الخليجي أن يعمل بصورة مقصودة على الاستفادة من تباين الخبرات والميزات النسبية بين أعضائه، بما يوفر قدرًا أكبر من المرونة والدفاع الإقليمي المشترك. ويعني ذلك الاستفادة من تفوق الإمارات العربية المتحدة في التكنولوجيا العسكرية، ومن الدور الدبلوماسي العماني، باعتبارهما عنصرين متكاملين لتعزيز أمن الكتلة الخليجية ككل.

كما يمكن للعمق الاستراتيجي الذي تتمتع به المملكة العربية السعودية، إلى جانب المراكز التجارية الكبرى في الدوحة ودبي وأبوظبي، أن يشكل قاعدة متكاملة لجهود خليجية أوسع تستهدف تنويع الموارد الاقتصادية بعيدًا عن الاعتماد المفرط على النفط والغاز.

تحديات وإشكاليات:

يشير السجل التاريخي لدول مجلس التعاون الخليجي إلى أن أي سقف جديد للتعاون سيتطلب تجاوز عراقيل قديمة كانت سببًا في تعثر مشاريع تكاملية كبرى، مثل الاتحاد النقدي أو إنشاء قوة أمنية مشتركة حقيقية.

وقد تمثل الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، أو حتى التسوية السياسية المحتملة بين واشنطن وطهران، مصدرًا جديدًا للانقسام، خاصة أن الرؤية الخليجية تجاه التهديد الإيراني لا تزال غير موحدة، وكذلك المواقف المتعلقة بالتعاون مع إسرائيل. فضلًا عن أن تقييم شكل التعاون الخليجي -سواء الجماعي أو الفردي- مع الولايات المتحدة لن يتوقف عند إدارة ترامب المترددة، وإنما سيُنظر إليه في إطار العلاقات الاستراتيجية الأمريكية ـ الخليجية الممتدة.

وقد لا تكون الأزمة الحالية كافية لتجاوز الانقسامات وتعدد الرؤى داخل مجلس التعاون الخليجي، بما يجعل من غير المرجح أن تكون دول الخليج مستعدة للاستثمار الكامل في القدرات الجماعية أو التنازل عن جزء من استقلالية قرارها لصالح موقف موحد.

وعلى صعيد آخر، ينبغي تجنب تنامي التفكير الصفري الناتج عن الضغوط الجديدة للحرب بين القوتين الاقتصاديتين الرئيسيتين في مجلس التعاون، أي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. فقبل الحرب، كانت المنافسة بين “الرؤى” الاقتصادية السعودية والإماراتية تتقاطع مع توترات جيوسياسية، تجلت في مواقف البلدين المتباينة تجاه الحرب الأهلية في السودان وجنوب اليمن.

وفي ضوء إعلان الإمارات مؤخرًا انسحابها من “أوبك” و”أوبك بلس”، فإنه إذا لم تتحرك القوتان على الوتيرة نفسها، فقد تؤدي المنافسة على مخزونات الدفاع الجوي الأمريكية النادرة إلى رفع الأسعار بالنسبة للطرفين، وهو ما قد يمتد أيضًا إلى تنافس سعري في أسواق النفط. والأسوأ من ذلك، إذا أعطت السعودية الأولوية للدبلوماسية الإقليمية، في حين اتجهت الإمارات إلى تعميق علاقاتها الأمنية مع إسرائيل تحسبًا لمرحلة ما بعد التسوية السياسية بين واشنطن وطهران، فإن ذلك قد يخلق تحديات وإشكاليات أمام بناء رؤية خليجية موحدة تجاه التهديدات، وخاصة القادمة من إيران.

كما أن الدور الذي تلعبه إسرائيل قد يصبح مصدرًا إضافيًا للانقسام داخل الخليج، خاصة مع توجه الإمارات نحو تعميق التعاون معها في أعقاب الحرب، وهو ما قد يفرض ضغوطًا أمريكية على بقية دول الخليج للسير في الاتجاه ذاته.

خلاصة القول، إن مجلس التعاون الخليجي بحاجة إلى التفكير في مستقبله الجماعي من الآن، في ضوء تراجع الثقة في موثوقية الولايات المتحدة كحليف أمني رئيسي، والتساؤلات المتزايدة حول إمكانية القبول بتقارب مستقبلي مع إيران. كما أن التباين في مواقف دول المجلس تجاه إسرائيل، إلى جانب عودة المنافسة الاقتصادية بمجرد استقرار الأوضاع، قد يزيد من التناقضات داخل المنظومة الخليجية.

ولعل أفضل مبرر لتعزيز التعاون الخليجي هو أن ذلك سيمنح المجلس قدرة أكبر على استعادة جزء من السيطرة على مصيره. ومن ثم، سيكون من الصعب على الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تجاهل مجلس تعاون خليجي أكثر تماسكًا في المرة القادمة التي يقررون فيها ما إذا كانوا سيدفعون المنطقة نحو الفوضى. ويبقى ذلك مرهونًا بقدرة دول المجلس على تجاوز التحديات والإشكاليات التي أشرنا إليها آنفًا.

د. مصطفى عيد إبراهيم

خبير العلاقات الدولية والمستشار السابق في وزارة الدفاع الإماراتية، وعمل كمستشار سياسي واقتصادي في سفارة دولة الإمارات بكانبرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى