التعبئة العقائدية: كيف تعيد ظاهرة أكشاك السلاح في إيران إنتاج أيديولوجيا عسكرة المجتمع؟

خلال الأيام الأخيرة، تداولت وسائل إعلام دولية وإقليمية مشاهد لتدريبات علنية على استخدام السلاح داخل شوارع وساحات عامة في العاصمة الإيرانية طهران، تضمنت تعليم مدنيين فك وتركيب الأسلحة والتعامل مع البنادق تحت إشراف عناصر مرتبطة بقوات التعبئة “الباسيج” والحرس الثوري. وأظهرت الصور التي نشرتها وكالة رويترز وتقارير إعلامية أخرى مشاركة شبان ومدنيين في تدريبات مفتوحة داخل المجال العام، في مشهد أعاد إلى الواجهة فكرة “التعبئة الشعبية المسلحة” التي ارتبطت تاريخيًا بإيران منذ سنوات الثورة والحرب العراقية الإيرانية.
وفي الوقت الذي قدمت فيه بعض المنصات الإيرانية هذه التدريبات باعتبارها جزءًا من رفع الجاهزية الوطنية في ظل التهديدات الإقليمية، أثارت تلك المشاهد تساؤلات أوسع حول دلالات نقل السلاح من المعسكرات المغلقة إلى الشارع، وحول طبيعة البيئة الفكرية والسياسية التي تدفع دولة إلى إعادة تشكيل علاقتها بالمجتمع عبر أدوات التعبئة العسكرية والعقائدية.
في هذا السياق يبرز تساؤل بحثي دقيق؛ هل تمثل أكشاك وتدريبات السلاح في الشارع الإيراني مجرد استعداد دفاعي اقتضته الظروف، أم أنها تعكس تحولًا أعمق نحو عسكرة المجتمع تحت تأثير المرجعية الأيديولوجية والسياسية للنظام الإيراني؟
التعبئة العقائدية:
الإجابة على هذا التساؤل لا تتوقف عند البعد الأمني المباشر، فما يحدث في إيران يتجاوز فكرة تدريب المدنيين، بل يدخل في إطار إعادة إنتاج نموذج “المجتمع المقاتل”، أي المجتمع الذي يُعاد تعريف أفراده باعتبارهم جزءًا من معركة ممتدة سياسيًا وعقائديًا وأمنيًا. فمنذ الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩، لم تبنِ إيران نظامًا سياسيًا تقليديًا قائمًا فقط على مؤسسات الدولة الحديثة، وإنما قامت على مشروع أيديولوجي ذي مرجعية دينية شيعية تستند إلى مفهوم “ولاية الفقيه”، الذي يمنح القيادة الدينية والسياسية سلطة شرعية واسعة باعتبارها حامية للدين والثورة والأمة. ومن هنا؛ لم يعد الأمن مجرد وظيفة عسكرية، بل أصبح جزءًا من العقيدة السياسية للنظام.
إذ تقوم فلسفة “ولاية الفقيه” على فكرة أن حماية النظام والثورة ليست مهمة الجيش وحده، وإنما مسؤولية جماعية تشمل المجتمع بأكمله، وهو ما أسس لظهور الباسيج كقوة تعبئة شعبية عقائدية مرتبطة بالحرس الثوري، لا تعمل فقط في المجال العسكري، بل تمتد إلى الجامعات والمدارس والمؤسسات الاجتماعية والثقافية. وبالتالي؛ فإن تدريب المدنيين على السلاح لا يظهر بوصفه إجراءً استثنائيًا، وإنما امتدادًا طبيعيًا لفكرة التعبئة العقائدية التي ترى أن المجتمع يجب أن يبقى دائمًا في حالة استعداد للمواجهة.
وتكشف مظاهر تدريب عناصر الباسيج لأفراد مدنيين عن دلالة أعمق تتعلق بطبيعة العقيدة الأمنية الإيرانية، التي لا تفصل بين المجتمع والدولة في أوقات الصراع، بل تعتبر أن بقاء النظام يرتبط بوجود قاعدة شعبية جاهزة للمواجهة والتعبئة المستمرة. فإشراك المدنيين في برامج التدريب والتأهيل العقائدي يعكس توجهًا نحو تحويل المجتمع إلى جزء من منظومة الردع، لا مجرد بيئة متلقية للحماية. كما يشير ذلك إلى أن طهران تنظر إلى التهديدات المحيطة بها باعتبارها طويلة الأمد ومتعددة المستويات، بما يتطلب خلق حالة من الاستعداد النفسي والأيديولوجي تتجاوز المؤسسة العسكرية.
صراع ممتد:
تزداد هذه النزعة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة الصراع المفتوح بين إيران وإسرائيل، والتنافس الحاد مع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الصراع الممتد مع عدد من دول الخليج العربي. فالنظام الإيراني ينظر إلى الخليج باعتباره ساحة استراتيجية مرتبطة بمشروع النفوذ الإقليمي، سواء بسبب الموقع الجغرافي، أو الثقل الاقتصادي، أو الوجود العسكري الأمريكي، أو الصراع على النفوذ السياسي والديني داخل المنطقة.
وفي ظل التصعيد الإقليمي المرتبط بالحرب بين إيران وإسرائيل، بدأت بعض دول الخليج تنظر إلى التهديدات الداخلية من زاوية أوسع تتجاوز البعد الأمني التقليدي، إذ لم يعد الخطر مرتبطًا فقط باحتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، وإنما أيضًا بإمكانية استغلال حالة الاستقطاب الإقليمي في تنشيط جماعات أو شبكات ذات طابع طائفي أو أيديولوجي داخل المنطقة. وفي هذا السياق؛ اكتسبت التصريحات الأمنية المتعلقة بالكشف عن خلايا مرتبطة بإيران أو بتنظيمات متطرفة سنية أهمية خاصة، لأنها تعكس تخوفًا خليجيًا من انتقال الصراع الإقليمي إلى الداخل عبر أدوات غير تقليدية، مثل التحريض المذهبي أو التعبئة العقائدية.
كما عززت تلك الأحداث القناعة لدى بعض الأنظمة الخليجية بأن الصراع الدائر في المنطقة لم يعد يقتصر على التنافس العسكري أو السياسي بين الدول، بل أصبح يتداخل مع محاولات التأثير على المجتمعات نفسها، سواء عبر شبكات مرتبطة بالمشروع الإيراني، أو عبر تنظيمات سنية متشددة تسعى لاستغلال الأزمات الإقليمية لإعادة تقديم نفسها كقوة مواجهة. ويكشف الخطاب الأمني الخليجي عن إدراك متزايد بأن أدوات النفوذ الإيراني لا تعتمد فقط على التحركات العسكرية المباشرة، وإنما تمتد إلى توظيف البعد العقائدي والسياسي في إدارة الصراع الإقليمي.
الاستقطاب والتجنيد:
من هذا المنطلق؛ يمكن فهم جانب من الرغبة الإيرانية المستمرة في ممارسة الضغط على الخليج عبر أدوات متعددة، تبدأ من الخطاب الإعلامي والسياسي، ولا تنتهي عند دعم جماعات مسلحة أو حركات حليفة في عدد من الدول العربية. وقد انعكس ذلك في نماذج متعددة؛ مثل دعم الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، وشبكات النفوذ والميليشيات في العراق وسوريا، وهي كلها أدوات ترتبط بفكرة “تصدير الثورة”، أو بناء “محور مقاومة” عابر للحدود الإيرانية. ويظهر هنا البعد الأيديولوجي بقوة، لأن هذه السياسات لا تُطرح باعتبارها تحركات جيوسياسية فحسب، بل باعتبارها جزءًا من واجب عقائدي لحماية الأمة ومواجهة الخصوم.
وفي هذا السياق؛ لا تبدو مشاهد السلاح داخل إيران مجرد استجابة أمنية مرتبطة بظرف إقليمي، بل تعكس نمطًا أوسع من إعادة تشكيل المجال العام وفق منطق “التعبئة العقائدية”، بحيث يصبح السلاح جزءًا من الثقافة اليومية، ويتحول المدني إلى عنصر تعبوي داخل معادلة الصراع. وفي أجواء التوتر بين إيران وإسرائيل، والدخول الأمريكي المتكرر على خط الأزمة سياسيًا وعسكريًا، تتوسع حالة الاستنفار المجتمعي داخل إيران بصورة تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتتحول إلى حالة تعبئة نفسية وعقائدية ممتدة.
ومن هذا المنطلق؛ تتلاقى آليات عمل الجماعات الحركية والمتطرفة، سواء الشيعية المرتبطة بمفهوم ولاية الفقيه، أو السنية المرتبطة بخطاب الجهاد. فرغم الاختلافات المذهبية والسياسية، فإن هذه التيارات جميعًا تتشابه في أساليب خلق البيئة التعبوية، إذ تقوم بتوظيف واستثمار لحظات الخطر والتوترات لربط الهوية العقائدية بفكرة الاستنفار المستمر، بما يجعل الفرد أكثر استعدادًا نفسيًا لتقبل العنف باعتباره ضرورة وجودية.
وفي هذا الإطار؛ تعمل جماعة الإخوان، من خلال كافة أذرعها، على استثمار لحظات الاستقطاب الإقليمي والحروب الكبرى لإعادة تنشيط خطابها التنظيمي وإحياء حالة الحشد الوجداني داخل قواعدها. فكلما تصاعدت المواجهة بين إيران وإسرائيل، أو بدا أن المنطقة تتجه نحو صدام واسع مع الولايات المتحدة، تعيد الجماعة توظيف خطاب “الأمة المحاصرة” و”الحرب على الإسلام” بهدف إعادة إنتاج حالة التعبئة العاطفية والعقائدية لدى الأتباع.
وفي مثل هذه اللحظات، تعمل الجماعة على استثمار مشاهد التصعيد وحالة الغضب الشعبي لإعادة بناء خطاب الاصطفاف، عبر تصوير الإسلام باعتباره يتعرض لهجوم مكثف يستوجب إعادة التكتل التنظيمي والتماسك العقائدي، بما يسمح بتحويل الأزمات الجيوسياسية إلى أدوات لإعادة إنتاج الولاء التنظيمي، وإبقاء القواعد في حالة استنفار نفسي دائم. وتجدر الإشارة هنا إلى خطورة أن الجماعات السنية المتطرفة تتحرك في أغلب الدول خارج إطار الدولة أو في مواجهتها، بينما تتم التعبئة في الحالة الإيرانية داخل بنية الدولة نفسها؛ فبينما تستهدف المخرجات في النموذج الأول هدم النظم والأوطان، فإنها في النموذج الثاني تسعى إلى ترسيخ النظام الإيراني.
وفي الأخير؛ فإن خطورة مشاهد السلاح المنتشرة في شوارع إيران لا تكمن فقط في بعدها الأمني، وإنما أيضًا في قدرتها على إعادة تشكيل الوعي الجمعي داخل المجتمعات، وخلق بيئات قابلة للاستقطاب والتعبئة العقائدية المستمرة. فحين يتحول الصراع إلى حالة حاضرة في الذهن بشكل دائم، يصبح من السهل على الجماعات الأيديولوجية استثمار تلك اللحظات في إعادة بناء شبكات التأثير والحشد، وتغذية خطاب يقوم على فكرة “المعركة المفتوحة”.