من الوصاية إلى الشراكة.. دلالات خطاب ماكرون في قمة “أفريكا فوروارد”؟

نورهان شرارة- باحثة مساعدة بوحدة الدراسات الدولية 

عند قراءة الخطاب الختامي الفرنسي لقمة “أفريكا فوروارد”، ( أفريقيا إلى الأمام) الذي جاء بعد تدهور بالغ للوجود الفرنسي في القارة السمراء، وبعد استبدال النفوذ الفرنسي بنفوذ دول أخرى تقدم للقارة علاقات قائمة على المصالح المشتركة، نجد أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أدرك حجم أزمة بلاده في إفريقيا، وحاول عبر خطاب قائم على التذكير والاعتراف وتجديد العلاقات إعادة بناء الجدار المنهار، حتى لا تخسر باريس ما تبقى لها من وجود داخل القارة وقبول لدى أبنائها.

تأسيسا على ما سبق، يحاول هذا التحليل قرءاة ما تضمنته كلمة “ماكرون” ودلالاتها على الموقف الفرنسي من مستقبل العلاقات الفرنسية الأفريقية.

تحليل المضمون:

كان ماكرون واعيًا بدرجة كبيرة بحجم التراجع، ليس فقط على مستوى النفوذ السياسي والاقتصادي، بل أيضًا على مستوى القبول الشعبي داخل المجتمعات الإفريقية، خاصة لدى الشباب. لذلك، وبقراءة الخطاب، نجد أنه تعمد استخدام كلمات وتعبيرات تعكس رغبة فرنسية واضحة في بناء جسور تواصل جديدة تقوم على أسس ترضي المجتمع الإفريقي، مدفوعًا بالخوف من التمدد المتزايد للقوى الدولية الأخرى على حساب الوجود الفرنسي والأوروبي.

اعتمد الرئيس الفرنسي على عدة استراتيجيات لتحقيق أهداف فرنسية جديدة، وحمل الخطاب رسائل سياسية واقتصادية مباشرة وغير مباشرة يمكن أن ترسم مستقبل الوجود الفرنسي في القارة السمراء لسنوات مقبلة. كما استخدم خطابًا إقناعيًا وتضامنيًا ضمن أطر محددة بعناية.

وانقسم خطاب ماكرون إلى عدة أطر مهمة كشفت عن هدفه الأساسي وخطة بلاده تجاه القارة الإفريقية. وجدير بالذكر أنه كرر استخدام كلمة “إفريقيا” نحو 76 مرة، بما يدل على أن الخطاب حمل تعظيمًا واضحًا للقارة السمراء ورغبة ملحة في العودة بقوة بعد خسارة جزء كبير من النفوذ الفرنسي. ويمكن رصد خمسة أطر رئيسية في الخطاب.

أول هذه الأطر كان إطار التجديد وتحول العلاقات، حيث كرر الرئيس الفرنسي مجموعة من الكلمات والتعبيرات التي عكست رغبة فرنسا في تجديد شكل العلاقات مع القارة السمراء، والانتقال من الصيغة التقليدية والتاريخية إلى صيغة مختلفة قائمة على التعاون والتشارك.

وتكررت كلمات وعبارات تدل على التغيير والتجديد بصورة مباشرة خلال الخطاب نحو 200 مرة، مثل: (التغير، التحول، التقدم، التمكين، والاستثمار المشترك). كما استخدم عبارات تؤكد كسر النموذج القديم، مثل: (إفريقيا لم تعد حديقتنا الخلفية، ذلك انتهى، ونبني الأشياء معًا). كذلك ظهرت تعبيرات ترسم ملامح العلاقة المستقبلية بين فرنسا وإفريقيا، مثل: (نهج الإنتاج المشترك، إفريقيا الرقمية، الشباب الإفريقي، الأجيال القادمة، والنمو).

وقد هيمن هذا الإطار على خطاب ماكرون، حيث تداخل مع معظم فقرات الخطاب وأهدافه، ويمكن القول إن هذا الإطار استحوذ على نحو 70% من الخطاب، بما يوضح الهدف الأساسي منه ومحاولات ماكرون المستميتة لامتصاص الغضب الإفريقي وتبييض صورة فرنسا لدى الشعوب الإفريقية.

أما إطار المساواة في الشراكة، فلم يقل أهمية عن الإطار السابق، إذ حاول الرئيس الفرنسي تأكيد فكرة المساواة ونفي فكرة الوصاية الفرنسية على الدول الإفريقية، من خلال استخدام أكثر من 100 كلمة وعبارة تدل على الشراكة والمساواة بصورة مباشرة، مثل: (الشراكة، العمل معًا، رؤية مشتركة، التعاون، والتفاعل).

كما استخدم ماكرون عبارات تؤكد الشراكة المتكافئة، حيث وردت في الخطاب تعبيرات تدل على رفض العلاقة الرأسمالية التقليدية، والتأكيد على ضرورة العمل المشترك، وتوضيح تكافؤ المصالح المتبادلة، والاعتراف بأخطاء الماضي، وإشراك إفريقيا كفاعل لا متلقٍ، مثل: (إفريقيا لم تعد حديقتنا الخلفية، نبني الأشياء معًا، شراكات ذات منفعة متبادلة، أنتم من سيكتب المستقبل).

دلالات واضحة:

تأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن هذا الإطار مثل نحو 50% من الخطاب، حيث تداخل إطار التجديد وتحول العلاقات مع إطار المساواة والشراكة ليخدما الهدف ذاته.

كما حرص ماكرون على تأكيد فكرة المصالح المشتركة، والتي كانت من الأطر المركزية في الخطاب، إذ ربط بين فرنسا وإفريقيا باعتبارهما طرفين يستفيدان معًا اقتصاديًا وسياسيًا وتنمويًا. وورد في الخطاب نحو 140 كلمة وعبارة تدل على المصالح المشتركة بصورة مباشرة، مثل: (منفعة متبادلة، التنافسية، الترابط، الاستثمار المباشر). كما استخدم عبارات مباشرة وغير مباشرة مثل: (نبني الأشياء معًا، نريد أن نكون الأفضل، إدارة مشتركة، تم خلق مليون وظيفة).

وقد استحوذ هذا الإطار على ما يزيد على 40% من الخطاب، وتداخل أيضًا مع الإطارين السابقين ليشكلوا معًا جوهر الرسالة الفرنسية الجديدة تجاه القارة السمراء.

ولم يغفل الرئيس الفرنسي الاعتراف بأخطاء الماضي، إلا أن هذا الإطار ظهر بصورة غير مباشرة وتكرر نحو 45 مرة، من خلال عبارات مثل: (لفترة طويلة جدًا كان كثير من الناس ينظرون إلى إفريقيا باعتبارها حديقتهم الخلفية، لقد اهتز الوجود الفرنسي خلال الـ25 سنة الماضية، ذلك لم يعد يجدي نفعًا).

وقد استحوذ هذا الإطار على نحو 8% من الخطاب، في محاولة لكسب ثقة الحكومات والشعوب الإفريقية مجددًا عبر الإقرار بالخطأ، ولو بصورة غير مباشرة.

وكان لافتًا أيضًا ذكر الرئيس الفرنسي للصين وتركيا باعتبارهما قوتين صاعدتين تزاحمان أوروبا في القارة الإفريقية، إلى جانب الحديث عن النفوذ الأمريكي المتنامي. وهنا ظهر إطار المنافسة الدولية بشكل واضح، من خلال الاعتراف المباشر بتقدم بكين وأنقرة، والحديث عن استعادة الحصة السوقية، وربط إفريقيا بمستقبل الاقتصاد العالمي.

وقد وردت نحو 60 كلمة وعبارة تدل على هذا الإطار، مثل: (لقد وصلت الصين وتركيا والولايات المتحدة، نريد استعادة حصتنا السوقية، تحتاج فرنسا وأوروبا إلى الاستيقاظ، إفريقيا هي القارة الأكثر ديناميكية في العالم).

ويمثل هذا الإطار نحو 20% من الخطاب، ويهدف أساسًا إلى تبرير التغير في السياسة الفرنسية تجاه إفريقيا، وتحفيز فرنسا وأوروبا للمضي قدمًا للحفاظ على مصالحهما الاقتصادية والسياسية داخل القارة السمراء.

وبالانتقال من الأطر إلى الأرقام، نجد أن الرئيس الفرنسي اعتمد بصورة كبيرة على لغة الأرقام والبيانات في خطابه، وذكر إحصائيات مهمة في محاولة لتذكير المواطنين الأفارقة بحقيقة العلاقات بين إفريقيا وفرنسا. ففي خطابه الذي تجاوز ألف كلمة، ذكر خمسة أرقام اقتصادية محددة ونسبتين لا يمكن إغفالهما.

قراءة مضمون هذه الأرقام يشير إلى أنها ليست مجرد إحصائيات اقتصادية، بل تمثل حججًا سياسية ذات رمزية بالغة الأهمية. فالـ64 مليار يورو، التي تمثل حجم التجارة السنوية بين فرنسا وإفريقيا، تعد سياسيًا إثباتًا لحق الوجود ورسالة بأن الوجود الفرنسي ليس إحسانًا، بل شراكة بين طرفين. كما أنها تمثل ردًا غير مباشر على المشككين في مبررات الحضور الفرنسي داخل القارة، وتكرس لفكرة أن العلاقة تجارية متبادلة وليست استعمارية أحادية الاتجاه.

أما الـ50 مليار يورو من الاستثمارات المباشرة، فهي رد على خطاب الانسحاب الفرنسي، إذ واجهت فرنسا خلال السنوات الأخيرة اتهامات بانتهاء وجودها داخل القارة السمراء. لكن، من جهة أخرى، يعد هذا الرقم سلاحًا ذا حدين، لأن حجم الاستثمارات الضخم قد يُفسر باعتباره شكلًا من أشكال الهيمنة الاقتصادية والنفوذ الاستعماري، لا مجرد شراكة متكافئة.

أما المليون وظيفة التي تحدث عنها ماكرون، فتعد من أذكى الأرقام الاقتصادية المستخدمة في مثل هذه الخطابات، لأنها تربط بصورة مباشرة بين المصالح الاقتصادية الفرنسية والمصالح الاقتصادية الإفريقية.

ومن بين أخطر الأرقام التي ذكرها ماكرون رقم الـ5 مليارات يورو الخاصة بتحويلات الجاليات الإفريقية، وهو رقم يحمل حساسية سياسية كبيرة، إذ أراد من خلاله إيصال رسالة مفادها أن الأفارقة المقيمين في فرنسا ليسوا عبئًا، بل يمثلون جسرًا للعلاقات بين الجانبين وقناة مالية مهمة لبلدانهم. وبهذا حوّل ماكرون الأفارقة في المهجر، بصورة ضمنية، من مشكلة إلى أصل استراتيجي، في رد واضح على الخطاب السلبي المتعلق بالهجرة داخل فرنسا.

أما نسبة الـ20% الخاصة بالطلب على اللقاحات مقابل 1% فقط من الإنتاج الإفريقي، فقد أبرزت تناقضًا واضحًا، ورغم أن هذا الطرح يبدو في ظاهره ضد مصالح فرنسا وأوروبا، باعتبارهما جزءًا من منظومة أعاقت إفريقيا لسنوات، فإنه في الوقت ذاته يخدم الهدف الفرنسي الجديد، إذ يمثل اعترافًا بالخطأ يُستخدم لتبرير النهج الجديد القائم على الإنتاج المشترك.

وأخيرًا، جاء الإعلان عن 23 مليار يورو من الاستثمارات لصالح القارة في نهاية الخطاب، ليشكل دليلًا ماديًا يحمي الخطاب من الانتقادات المحتملة التي قد تعتبره مجرد حديث نظري، كما يمنح الوعود الفرنسية بعدًا عمليًا ملموسًا.

كما أشار الرئيس الفرنسي إلى نسبة الحضور الإفريقي للجلسات، والتي فاقت توقعاته، موضحًا أنه كان يتوقع مشاركة تتراوح بين 2000 و2500 مشارك، بينما وصل العدد إلى نحو 7000 مشارك.

ويعكس هذا التركيز الفرنسي على الحضور رسالة سياسية موجهة إلى الداخل الإفريقي وإلى العالم، حاول خلالها ماكرون التأكيد على أن النفوذ الفرنسي لم ينتهِ بعد، وأن الشعوب الإفريقية ما زالت منفتحة على فرنسا، خلافًا لما يتردد عالميًا.

وقد جاء هذا الخطاب في ختام قمة دبلوماسية اقتصادية فرنسية إفريقية، جمع بطبيعته بين ثلاث وظائف سياسية رئيسية؛ إذ بدأ بالشكر البروتوكولي وبيان التقارب في الإطار الدولي الرسمي، ثم اتجه إلى إعادة التأطير الأيديولوجي للعلاقة بين فرنسا وإفريقيا، وأخيرًا أبرز نتائج ملموسة لهذا الإطار الجديد عبر الإعلان عن حجم الاستثمارات داخل القارة الإفريقية.

وسار الخطاب وفق استراتيجيات مختلفة خدم كل منها هدفًا محددًا. فقد اعتمد ماكرون على لغة الأرقام لإقناع الأفارقة بأهمية الوجود الفرنسي في إفريقيا، وظهر ذلك من خلال توثيق أرقام وإحصائيات تتعلق بحجم التجارة والاستثمارات وفرص العمل التي وفرتها الشركات الفرنسية داخل القارة. كما أشار إلى تحويلات الجاليات الإفريقية التي بلغت 5 مليارات يورو، ثم قال بعدها: “لا يجب أن نغفل عنها”، ليؤكد أهمية العلاقات بين فرنسا وإفريقيا.

كما استخدم الخطاب الاستراتيجية التضامنية، وظهر ذلك في الاعتراف بأخطاء الماضي ومحاولة تصحيحها، فضلًا عن التكرار الملحوظ لكلمة “معًا”، واستخدام ضمير الجماعة “نحن” في مواضع كثيرة من الخطاب، بما يعكس محاولة خلق شعور بالمصير المشترك.

استراتيجية إعادة بناء الثقة:

أظهر ماكرون كذلك احترامًا واضحًا للقارة الإفريقية، وتحدث عن دور الشباب الإفريقي وقيمته، في إشارة إلى تضامن مع أجيال المستقبل، وإقرار بحقهم في الظهور والعمل المشترك، بعيدًا عن الاقتصار على مستوى الحكومات فقط.

كما جاء نفي العلاقة الاستعلائية القديمة التي جمعت فرنسا بالقارة السمراء باعتباره دليلًا على محاولة إظهار تضامن أوروبي مع الشعوب الإفريقية، فالاعتراف بالخطأ يمثل الخطوة الأولى نحو إعادة بناء الثقة. كذلك، فإن فكرة المصير المشترك التي سيطرت على جزء كبير من الخطاب أكدت أن هذا التضامن يمثل بداية لشكل جديد من العلاقات المستقبلية.

وهدفت هذه الاستراتيجية في مجملها إلى إعادة بناء الثقة لدى المجتمع الإفريقي، وتبييض الصورة الاستعمارية لفرنسا داخل القارة، وإقناع الجمهور الإفريقي بأن العلاقات المقبلة ستقوم على مبدأ المساواة والمشاركة، لا الوصاية.

لقد حاول ماكرون رسم ملامح جديدة وأكثر قبولًا لدى الحكومات والشعوب الإفريقية للعلاقة مع فرنسا، كما سعى إلى تحسين الصورة الفرنسية التي ترسخت لدى قطاعات واسعة من أبناء القارة باعتبارها صورة استعمارية.

لكن، رغم ذلك، لم يخلُ الخطاب من بعض الثغرات، إذ لم يتضمن أي آلية رقابية أو جدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات الفرنسية تجاه إفريقيا. كما بدا الخطاب دفاعيًا بصورة ضمنية، خاصة عندما قال ماكرون: “لا، إطلاقًا. لكن العلاقة تتغير، ومن الصحيح أن يحدث ذلك”، أثناء نفيه ما يتردد بشأن خسارة فرنسا نفوذها في إفريقيا، وهو ما كشف عن توتر حقيقي نتيجة فقدان النفوذ أكثر مما عكس ثقة سياسية.

كما أن الإشارة إلى المنافسين، مثل الصين وتركيا والولايات المتحدة، كشفت عن دافع فرنسي تنافسي اقتصادي مع القوى الصاعدة داخل القارة الإفريقية، وهو ما يتناقض جزئيًا مع خطاب الشراكة، إذ يحول إفريقيا من شريك اقتصادي إلى ساحة محتملة لصراع النفوذ الدولي.

وفي جوهره، بدا الخطاب محاولة فرنسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النفوذ الفرنسي داخل القارة السمراء، وإعادة رسم خريطة النفوذ الدولي بما يخلق مساحة جديدة لفرنسا وأوروبا وسط التزاحم المتصاعد للقوى الدولية الأخرى، حتى لا تخسر باريس مقعدها داخل إفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى