اقتصاد الأضاحي: ما حجم مكاسب منظمات المجتمع المدني من الصكوك؟


تقوم مؤسسات المجتمع المدني المصرية بدور متشعب ومتعدد الاتجاهات خلال موسم عيد الأضحى، مستندة إلى ما تحظى به من ثقة ومصداقية واسعة لدى المواطنين المصريين، وهو ما منحها قدرة كبيرة على التأثير والحضور المجتمعي في واحدة من أكثر المناسبات ارتباطًا بالبُعد الإنساني والتكافلي داخل المجتمع المصري. وتعتمد هذه المؤسسات على أدوات متنوعة للوصول إلى المتبرعين واستقطاب شرائح مختلفة منهم، سواء عبر الحملات الإعلامية التقليدية والرقمية، أو من خلال توظيف الخطاب الديني والإنساني المرتبط بفكرة الأضحية ومقاصدها الاجتماعية. كما تقوم بدور الوسيط الكامل نيابة عن المُضحي، بداية من شراء الأضاحي وذبحها وفق الضوابط الشرعية، وصولًا إلى توزيع اللحوم على الأسر الأكثر احتياجًا، وهو الدور الذي يمثل جوهر رسالتها الاجتماعية والإنسانية.

غير أن هذا النشاط الخيري المكثف لا يقتصر فقط على تحقيق أهداف التكافل المجتمعي، بل يمثل أيضًا موسمًا بالغ الأهمية لهذه المؤسسات على مستوى الحضور المجتمعي وتعزيز النفوذ الرمزي وتوسيع قواعد الدعم والتبرعات، بما يجعل عيد الأضحى مساحة تتداخل فيها الأبعاد الإنسانية والاجتماعية مع اعتبارات التأثير والاستدامة المؤسسية.

تأسيسًا على ما سبق، يتناول هذا التحليل طبيعة الدور الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني المصرية خلال موسم عيد الأضحى 2026، وحدود التأثير الذي تمارسه عبر أنشطتها الخيرية والإعلامية والتنظيمية المرتبطة بالأضاحي، فضلًا عن حجم الاستفادة التي تحققها هذه المؤسسات على المستويات المجتمعية والمؤسسية والمالية، وذلك في ضوء الارتفاع الكبير في معدلات إنفاق المصريين على الأضاحي سنويًا. ويطرح التحليل تساؤلًا رئيسيًا حول الكيفية التي تحوّل بها هذه المؤسسات موسم عيد الأضحى من مناسبة دينية واجتماعية إلى مساحة واسعة لتعزيز النفوذ المجتمعي، وتوسيع شبكات الدعم والتبرعات، وتعظيم العوائد المالية، بما يسهم في ترسيخ حضورها وتأثيرها داخل المجال العام المصري.

دور تقليدي ظاهر:

تعمل منظمات المجتمع المدني على مساعدة المصريين في عيد الأضحى من خلال العديد من الطرق، هي كالتالي:

(١) خدمات التقسيط: تُقدم منظمات المجتمع المدني خدمات التقسيط لصكوك الأضاحي، فقد أطلقت جمعية الأورمان هذه الخدمة قبل عيد الأضحى لهذا العام؛ من أجل توزيع كمية كبيرة من اللحوم، إذ تعمل على تقسيط صك الأضحية على 12 شهرًا، بقسط شهري يختلف حسب نوعية الصك، فالصك المستورد الصغير يصل قسطه الشهري إلى نحو 520 جنيه، بينما الصك المستورد الكبير يصل قسطه الشهري إلى 620 جنيه، ولكن يصل الصك البلدي إلى نحو 700 جنيه.

كما أن مؤسسة مصر الخير تعمل على تقسيط خدمة الأضحية من خلال الويب سايت الخاص بها، وعن طريق بريميوم كارد بصفر فوائد ومصاريف إدارية ومقدم، إذ أنها توفر صك الأضحية بنحو 11900، بينما لحوم الصدقة بنحو 480 جنيه، وفي بنك الطعام يتم تقسيط صك الأضحية على 6 أشهر.

(٢) توزيع الأضحية: تعتبر منظمات المجتمع المدني من أهم الجهات التي تمتلك قاعدة بيانات للفئات الأكثر احتياجًا للدعم والمساندة، وبالتالي يلجأ إليها العديد من المُضحيين؛ حتى تقوم بالنيابة عنهم بشراء الأضحية وتوزيعها وفق الشرع، وبالتالي تعد حلقة وصل أساسية بين المُتبرعين والمستحقين، فهي تضمن التوزيع العادل لهذه الصكوك، بمنع حصول الأسرة الواحدة على صكوك من عدة جهات في حين تُحرم أسرة أخرى.

(٣) إشباع الحاجات: تسهم الخدمات التي تقدمها منظمات المجتمع المدني خلال موسم عيد الأضحى في تلبية جانب مهم من احتياجات المواطنين الغذائية، خاصة في ظل التراجع الملحوظ في قدرة قطاعات واسعة من الأسر على شراء الأضاحي الكاملة مع الارتفاع المستمر في الأسعار. فبعدما أصبح شراء خروف يتجاوز في كثير من الأحيان حاجز الـ20 ألف جنيه، بينما تقترب أسعار العجول من نحو 65 ألف جنيه أو أكثر، اتجهت شرائح كبيرة من المواطنين إلى بدائل أقل تكلفة وأكثر مرونة، وفي مقدمتها صكوك الأضاحي التي تقدمها الجمعيات والمؤسسات الخيرية. وقد نجحت هذه الصكوك في خلق سوق واسعة خلال السنوات الأخيرة، باعتبارها صيغة تجمع بين البعد الديني المرتبط بالأضحية، والقدرة الاقتصادية للمواطن، فضلًا عن الثقة التي تحظى بها هذه المؤسسات في إدارة عملية الذبح والتوزيع والوصول إلى الأسر الأكثر احتياجًا.

مؤشرات إنفاق المصريين:

يُمكن التعرف على مؤشرات إنفاق المصريين على الأضاحي من خلال المحورين التاليين:

الشكل (1) يوضح إنفاق المصريين على الأضاحي في مصر خلال الفترة من 2015 إلى 2025

(*) حجم الإنفاق العام: شهد حجم إنفاق المصريين على الأضاحي خلال الفترة من 2015 إلى 2025، حالة من التذبذب، ترجع إلى الارتفاع الكبير في سعر الأضحية، متزامنة مع الارتفاع العام في معدلات التضخم، فكما يوضح الشكل (1)، فقد سجل الانفاق خلال عام ٢٠١٥ نحو 8.9 مليار جنيه، و ارتفع إلى 9 مليار جنيه في عام 2016.

 ولكنه انخفض بشكل كبير في عام 2017، حيث سجل 5 مليار جنيه؛ وهذا يرجع إلى انعكاسات تعويم سعر الصرف الذي تم في عام 2016، والارتفاع الكبير في الأسعار، ولكن في عام 2025 مع انتشار ظاهرة صكوك الأضاحي التي توفرها منظمات المجتمع المدني بشكل كبير ارتفع الانفاق إلى 10 مليار جنيه، واستأثرت هذه الجمعيات على نسبة كبيرة منه تصل إلى 60%.

(*) التوزيع الجغرافي للإنفاق: لا يتساوى إنفاق المصريين على الأضاحي في كلًا من الريف والحضر، ففي الريف تظهر العادات الاجتماعية الموروثة بشكل أكبر من الحضر، وهو الأمر الذي تدعمه الإحصائيات المختلفة، بأن الأسر الريفية تُخصص نسبة أكبر من دخلها للغذاء واللحوم مقارنةً بالحضر.

فسكان القرى يوجهون نحو 37.9 % من إنفاقهم على الغذاء، مقابل 34.4% في المدن، ولما كانت الثقافة الريفية مرتبطة بالذبح المنزلي وتوزيع اللحوم، فالتقديرات التي تُشير إلى أن الريف يُمثل 65% من إجمالي عدد الأضاحي في مصر، تؤدي إلى أن حجم الإنفاق على الأضاحي في الريف أكبر قليلًا من الحضر، فمتوسط سعر الأضحية يرتفع في الحضر، وبالتالي يزداد الاتجاه إلى الصكوك في المناطق الحضرية.

أوجه استفادة المنظمات من الصكوك:

تتمحور استفادة المنظمات من خدماتها في صكوك الأضاحي في النقاط التالية:

(-) استفادة وجودية: يرتبط استمرار حضور منظمات المجتمع المدني وقوة تواجدها داخل المجال المجتمعي بمدى قدرتها على التفاعل مع احتياجات المواطنين وأزماتهم اليومية، ومن أبرز هذه الاحتياجات خلال عيد الأضحى توفير الأضاحي أو صكوك الأضاحي بأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية للأسر المصرية. ومن ثم، فإن قيام هذه المؤسسات بهذا الدور لا يُعد فقط جزءًا من رسالتها المرتبطة بالتكافل الاجتماعي، بل يمثل أيضًا أحد أهم مصادر شرعيتها المجتمعية واستمرار تأثيرها وحضورها. فكلما نجحت تلك المنظمات في تقديم حلول واقعية للأعباء الاقتصادية التي تواجه المواطنين، عززت من مكانتها وثقة المجتمع بها، بينما يؤدي تراجع هذا الدور إلى إضعاف قدرتها على الاستمرار والتأثير داخل المجال العام.

الجدول (1): الإيرادات المتوقعة لمنظمات المجتمع المدني في العيد الأضحى 2026

(-) استفادة مالية: تمثل صكوك الأضاحي التي تطرحها منظمات المجتمع المدني خلال موسم عيد الأضحى أحد أبرز مصادر التمويل المستدام لهذه الجمعيات والمؤسسات. فمن ناحية، تتيح هذه الصكوك للجمعيات تحصيل التبرعات والأموال قبل حلول العيد بفترات قد تمتد إلى ستة أشهر، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التعاقد المبكر وشراء الأضاحي بأسعار أقل من الأسعار التي تشهد ارتفاعًا كبيرًا مع اقتراب العيد. كما يوفّر ذلك هامشًا أوسع لإدارة الموارد المالية بصورة أكثر كفاءة وتنظيمًا.

ومن ناحية أخرى، تستفيد منظمات المجتمع المدني من الحملات الدعائية والإعلانية المكثفة المرتبطة بالأضاحي في توسيع قاعدة المتبرعين وجذب شرائح جديدة من المساهمين، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على حجم السيولة النقدية المتدفقة إليها خلال هذه الفترة، بما يعزز قدرتها على تنفيذ عمليات شراء وتوزيع أوسع نطاقًا.

وفي هذا السياق، تشير البيانات إلى أن حجم التبرعات الموجهة إلى نحو 277 جمعية أهلية مرخصة رسميًا بلغ قرابة 6.7 مليار جنيه خلال عام 2022، وكانت الجمعيات العاملة في مجال الرعاية الاجتماعية صاحبة النصيب الأكبر من هذه التبرعات. ويرتبط ذلك بتحول تدريجي في سلوك المواطنين، تمثل في تراجع الاتجاه نحو شراء الأضحية الكاملة وذبحها بشكل فردي، مقابل التوسع في الاعتماد على صكوك الأضاحي التي تقدمها المؤسسات الخيرية، وهو ما ساهم في رفع القدرات التمويلية والإيرادات السنوية لمنظمات المجتمع المدني بصورة ملحوظة.

وفي هذا النطاق، يُمكن تقدير عوائد المنظمات في عام 2026 من خلال عدة طرق، فوفقًا للجدول (1) تبلُغ التقديرات المتوقعة في حالة بيع 100 ألف صك في جمعية الأورمان بمتوسط 8 آلاف جنيه نحو 800 مليون جنيه، بينما تبلُغ إيرادات جمعية مصر الخير نحو مليار جنيه (بمتوسط سعر للصك 10 آلاف جنيه)، وفي بنك الطعام تبلُغ الإيرادات ايضًا نحو مليار جنيه.

في الختام، يُمكن القول إن منظمات المجتمع المدني المصرية لم تعد تقتصر في موسم عيد الأضحى على أداء دور خيري تقليدي مرتبط بتوزيع اللحوم ومساعدة الأسر الأكثر احتياجًا، بل تحولت إلى فاعل اقتصادي ومجتمعي يمتلك أدوات واسعة للتأثير والحضور داخل المجال العام. فمع التراجع المستمر في القدرة الشرائية لقطاعات واسعة من المواطنين، وارتفاع أسعار الأضاحي بصورة غير مسبوقة، أصبحت صكوك الأضاحي التي تطرحها هذه المؤسسات تمثل البديل الأكثر واقعية لشرائح كبيرة من المصريين، وهو ما منح الجمعيات الأهلية مساحة أكبر للتوسع والنفوذ وزيادة الاعتماد المجتمعي عليها.

وفي المقابل، تستفيد هذه المؤسسات بصورة مباشرة من هذا التحول، سواء عبر توسيع قاعدة المتبرعين، أو زيادة التدفقات المالية والسيولة النقدية التي تحصل عليها خلال موسم العيد، بما يضمن لها قدرًا أكبر من الاستدامة والقدرة على الاستمرار والتوسع. فكلما ارتفع الإقبال على الصكوك، ارتفعت الإيرادات التي تحققها الجمعيات، والتي باتت تُقدّر بمئات الملايين، بل وتقترب من مليارات الجنيهات لدى بعض المؤسسات الكبرى، وهو ما يعكس تحوّل موسم الأضاحي إلى أحد أهم المواسم الاقتصادية والاجتماعية لمنظمات المجتمع المدني في مصر.

ومن ثم، فإن ظاهرة صكوك الأضاحي لم تعد مجرد آلية لتنظيم العمل الخيري أو تسهيل أداء الشعائر الدينية، بل أصبحت تعبيرًا عن تحولات أعمق داخل المجتمع المصري، ترتبط بتغير أنماط الإنفاق، وتراجع القدرة على الذبح الفردي، وصعود دور المؤسسات الوسيطة في إدارة التكافل الاجتماعي، بما يمنح منظمات المجتمع المدني حضورًا أكثر رسوخًا وتأثيرًا في المجتمع المصري.

رضوى محمد سعيد

رضوى محمد- باحث أول بالمركز، ورئيس وحدة الدراسات المصرية، ومدير برنامج الدراسات المصرفية بالمركز. وهي خبيرة بوحدة الدراسات الاستراتيجية بقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية. الباحثة حاصلة على بكالوريوس اقتصاد، كلية اقتصاد وعلوم سياسية- جامعة القاهرة، الباحثة مهتمة بتحليل القضايا الاقتصادية الكلية، عملت كباحثة متخصصة في تحليل السياسات العامة المصرية بالعديد من الشركات المتخصصة ومراكز الفكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى