ماذا بعد انتخاب “مكارثي” رئيسًا لمجلس النواب الأمريكي؟

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية، العام الجديد 2023 بأزمة برلمانية، قد تتمدد تأثيراتها لفترة طويلة، فتعثر مجلس النواب الأمريكي ذو الأغلبية الجمهورية في انتخاب رئيسه، على مدار ١٤ جولة حتى اختيار كيفين مكارسي في الجولة الـ ١٥، وحصوله على ٢١٦ صوتا مقابل ٢١٢ صوتا لمنافسه، يعكس كم الخلافات الموجودة في صفوف أعضاء الكونجرس الأمريكي، بل وفي صفوف الحزب الجمهوري نفسه، والتي قد تنعكس بالسلب على مخططاته المقبلة تجاه الأجندة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة.

يذكر أن هذا الحدث تكرر في عام 1923، حينما اختار النواب رئيساً للمجلس بعد أكثر من جلسة. وأيضا في عام 1855، حيث لم يتمكن أعضاء مجلس النواب من الاتفاق على رئيس للمجلس، إلا بعد شهرين و133 دورة اقتراع.

وعليه، يحاول هذا التحليل توضيح أهم الدلالات المتعلقة بانتخاب مجلس النواب في اختيار رئيس له بعد ١٥ جولة، وتداعيات ذلك على السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وتوضيح مدى الصعوبات التي سيواجهها في قيادة أغلبية طفيفة ومستقطبة بشدة، إن لم تكن مخترقة.

 

سيناريو محتمل:

كان من غير المرجح أن يتكرر ما حدث في ١٩٢٣ مرة أخرى، بل كان الأمر مرهونا بما ستنتهي إليه طاولة المساومات، المتوقع أن تقرر من هو الفائز. وكانت أغلب التحليلات ترى أنه في حالة أن قدم مكارثي مزيدا من التنازلات والوعود الجدية لأعضاء المجلس، قد يكون هو صاحب ثالث أعلى المناصب في الولايات المتحدة الأمريكية ( رئيس مجلس النواب )، خاصة بعدما اجتمع مع عدد من حلفائه بعد جلسة الأربعاء الماضي. وهو ما أشار إليه مكارثى بنفسه قائلا، ” إذا أردنا الوصول إلى الرقم 218، علينا أن نواصل الحديث “، كما أشار إلى أن معظم القواعد تغيرت، وأن القضايا العالقة مع مجموعة كتلة الحرية في مجلس النواب اليمينية المتطرفة قد تمت تسويتها.

وجدير بالذكر أن هناك ٩ نوابا يمينيين _ ممن اعتبروا أن مكارثي معتدلا أكثر من اللازم _ كانوا قد قدموا لمكارثي مجموعة من المطالب الشهر الماضي، قدموا الأسبوع الماضي مكتوبا جديدا نبهوا فيه مكارثى بأن تنازلاته غير كافية. كما أوضحوا أنهم لا يزالوا غير مقتنعين به، على الرغم من قولهم، بأن هناك تقدما قد تم إحرازه. وهذا كله يؤشر إلى أن موقف الجمهوريين المعارضين لمكارثي ليس نهائيا.

وكانت أهم وأخطر تنازلات مكارثي أنه بإمكان أي نائب ( حتى ولو نائب واحد ) أن يقدم مشروعا لسحب الثقة منه، بعدما كان مطلوب عددا معينا من الحزب الحائز على أغلبية المجلس. وبالتالي نحن أمام رئاسة ليست قوية إذا ما قورن الوضع الحالي بما سبق أيام بيلوسي. إلا أن الأمر متعلق بقدرة مكارثي على تجاوز وعوده، إذا توقع أن تأتي الانتخابات القادمة لمجلس النواب بأكثرية للجمهوريين، تجعله في غنى عن أصوات العشرين نائب الحاليين.

وسيؤدي ذلك إلى تقليص حاد في السلطة التي سيحتفظ بها مكارثي عند محاولة تمرير أي تشريعات بشأن القضايا الحاسمة ومن بينها تمويل الحكومة ومعدل الإنفاق ومعالجة سقف الدين وغيرها من الأزمات التي قد تنشأ في المستقبل.

قد يكون مكارثي، تمكن من إقناع العشرة نواب من خلال مواءمات، ولكنها ستمثل له مشكلة كبيرة في تمرير أيه مشروعات مستقبلا، لأن التصويت تم حرصا على تماسك الحزب فقط، خاصة بعدما تعددت التيارات داخل الحزب ووصفه بالمخترق بعد تأثير ترامب الواضح على بعض الأعضاء. وبالتالي سيركز الحزب على إعادة تأهيله وتجهيزه لاستعادة ثقة الناخبين من اجل الانتخابات.

ولكن الإيجابي في الأمر، أن مكارثي واحد من أهم قادة الحزب وله حضروه الكافي، ويتوقع أن يستطيع توحيد كلمه الحزب، وهى مهمته خلال الفترة الراهنة، فضلا عن أنه يحظى بثقة الديمقراطيين، لأن لديه نسق عقيدي معتدل يمكنه من إقامة شراكة بين الحزبين.

 

جمود سياسي:

أظهر فشل مجلس النواب _الذي تسيطر عليه الأغلبية الجمهورية _ في انتخاب رئيسه، انقساما واضحا في صفوف الحزب، هذا الانقسام الذي يعتبر امتداد لانقسام المجتمع الأمريكي برمته، والذي اتضح جليا من خلال نتيجة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر من العام الماضي، بعدما سيطر الحزب الجمهوري على مجلس النواب في مقابل سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ، الأمر الذي من شأنه أن يولد تعارضا وانقساما في الصف الأمريكي على المستوى الداخلي في أغلب القرارات المتعلقة بالسياسة الداخلية والخارجية لواشنطن.

وبدون رئيس لمجلس النواب، لم يتمكن أي من النواب الجدد من أداء مهامهم أو أداء اليمين الدستورية في الفترة الماضية، ولميتمكن الكونجرس الجديد من عقد أية جلسات، ولا التصويت على أية قرارات أو تشريعات، ولا من تشكيل لجانه البرلمانية، ولا تمرير أية تشريعات في ظل الوضع الراهن. كما انتشرت حالة من الفوضى في البرلمان، فبعض النواب كانوا يلتقطون الصور لأنفسهم، والبعض الآخر كان مسترخيا خلال الجلسات، كما ظهر من كانوا يعبثون بهواتفهم المحمولة، وكلها أمور محظورة في ظل انعقاد الجلسات. وهي حالة الفوضى التي انتقدها الرئيس الأمريكي جو بايدن نفسه.

وظل المشهد الأمريكي ملتبسا إلى الدرجة التي دفعت بعض الساسة الأمريكان إلى التساؤل حول ما إذا كان أعضاء الكونجرس القدامى بإمكانهم ممارسة صلاحياتهم ولو مؤقتا لحين إيجاد حل للأزمة الراهنة، إلا أن هذا الحل غير مقبول من الناحية القانونية.

كما أثارت حالة الجمود السياسي، حالة من القلق حول ما إذا كان من الممكن أن يحصل نواب الكونجرس على رواتبهم في موعدها المقرر في منتصف يناير الجاري. وما إذا كانت اللجان المعنية ستتمكن من دفع رواتب النواب ولا الموظفين بالكونجرس.

وقد يكون رفض النواب للمرشح الذي يدعمه ترامب مؤشرا على عدم رضي أغلبية الأصوات الجمهورية عن ترشح ترامب للرئاسة في ٢٠٢٤، بعد الاتهامات الموجهة له في قضية اقتحام الكونجرس وقضايا التهرب الضريبي.

حتى أن ترشيح الديمقراطيين لحكيم جيفريز، رغم أنه لن يتمكن من الفوز بمنصب رئيس مجلس النواب حتى ولو حصل على جميع أصوات النواب الديمقراطيين، إلا أن ترشيحهم له في حد ذاته قد يعكس مدى الخلافات والانقسامات المتوقعة في الفترة المقبلة بين الحزبين، وهذه الهوة متوقع لها أن تزداد بعد تعنت الديمقراطيين بترشيح جيفريز، وهو ما سينعكس بدوره على أجندة بايدن داخليا وخارجيا.

ورغم قيام بايدن بتهنئة مكارثي، مؤكدا استعداده للعمل مع الجمهوريين، باعتبار مصلحة المواطنين الأمريكان فوق كل اعتبار أو خلافات سياسية، إلا أن ذلك لا يعني اتفاقا قد يحدث بين الحزبين، فواقعيا بايدن قد لا يكون قادرا على العمل، ولكن يستطيع توظيف ما سيحدث من خلافات بين الحزب في الانتخابات المقبلة.

 

انعكاسات متوقعة:

بعد فشل حزب بايدن في السيطرة على غرفتي الكونغرس الأمريكي،  وحصوله على أغلبية ضئيلة في مجلس الشيوخ، لم يعد بإمكان الرئيس الأمريكي، واقعيا تمرير أي تشريعات رئيسية، في ظل الرفض الجمهوري الواضح لسياسته. ولكن ما يخفف من وطأة الوضع الراهن بالنسبة للرئيس الأمريكي أن الجمهوريين أيضا لا يمكنهم القيام بذلك.

بالإضافة إلى أنه من كما الممكن أن يؤثر الجدل الذي حدث في مجلس النواب على تماسك المجلس في تنفيذ ما خطط له الجمهوريون تجاه الديمقراطيين في المستقبل. ومكارثي نفسه قد لا يتمكن من أن يكون الرئيس القوي كما كانت بيلوسي، لأن هناك جناح جمهوري أعلن أنه سيتحداه.

وسيتوجب على الحزب الجمهوري التحرك الاستراتيجي أمام محاولات إضعافه أمام الرأي العام الأمريكي، بعدما تخطى مرحلة اختيار رئيس مجلس النواب، خاصة بعدما تعرض الجمهوريون إلى هزة كبيرة بعد فشلهم في تحقيق المد الجمهوري، كما كان متوقعا واعتاد عليه المتابع للمشهد السياسي الأمريكي، بأن يفوز الحزب المعارض بأغلبية غرفتي الكونجرس، وهو ما تسبب فيه تدخل ترامب الذي تطفل على العملية الانتخابية باختيار النواب وترشيح ودعم مرشحين بعينهم، مما افقد الناخبين الثقة في الحزب. وجعلت الجزب الجمهوري يفوز بأغلبية هزيلة مكنت مثل هؤلاء المتشددين من أن يكون لهم يد عليا في التصويت على أي قرارات، ومنع الحزب نفسه ككيان من إظهار سلطته، وهو ما حدث في اختيار رئيس المجلس. الأمر الذي قد يصب بدوره في صالح الديمقراطيين.

كما وقد يؤثر المشهد الراهن على مصير ترامب السياسي، فمن الممكن أن تحدث المفاجأة، وألا يترشح ترامب للانتخابات الرئاسية مرة أخرى، لأن قادة الحزب منقسمة حوله، وتتهمه بإدارة انتخابات التجديد النصفي بما أضر بالحزب وقلص من أغلبيته. خاصة مع ظهور عدة أسماء تنوى الترشح في الانتخابات، وبالتالي بايدن أو ترامب ليس الخيار الوحيد للناخب الأمريكي.

بالإضافة إلى بعض التأثيرات المحتملة على بعض الملفات الخارجية، وأهمها الأزمة الأوكرانية، فمكارثي بينما كان منتقدا بشدة مليارات الدولارات الأمريكية المرسلة إلى أوكرانيا. ولكن مع ذلك، فهو لم يكن معارضا أيضا بشكل واضح لزيارة الرئيس الأوكراني لواشنطن كما كان الحال بالنسبة لبعض النواب الجمهوريين، بما قد يؤشر إلى سياسة معتدلة بعض الشيء تجاه أوكرانيا؛ بالنظر إلى الخطاب المعتدل الذي ألقاه مكارثي في مجلس النواب تعقيبا على زيارة زيلينسكي إلى واشنطن.

ولكن ذلك لا ينفي الاحتمال الأكبر بأن يحجم الجمهوريين المساعدات التي ترسلها الولايات المتحدة إلى أوكرانيا، حتى أن مكارثي نفسه كان قد دافع مرارا عن موقفه ضد تقديم واشنطن شيكات على بياض لمساعدة أوكرانيا في حربها ضد روسيا، وهو ما تعهد بتحقيقه عندما يتولى رئاسة مجلس النواب.وبالتالي فواشنطن قد لا توقف المساعدات المرسلة إلى أوكرانيا، ولكن في الوقت نفسه لن تقدم المساعدات بنفس البزخ الذي هو عليه في الوقت الراهن.

ولذلك، كان زيلينسكي، هو أول رؤساء العالم تهنئة لمكارثي بفوزه برئاسة مجلس النواب الأمريكي، استرضاءا للجمهوريين الذين تعهدوا بوقف الدعم الأمريكي المقدم إلى أوكرانيا.

وعليه، قد تشهد الفترة المقبلة تراجعا ملحوظا في الموقف الخارجي تجاه الحرب الأوكرانية، نظرا لأن الجمهوريين لم يتقبلوا الانخراط الأمريكي في الأزمة، ولا الدعم المكثف لأوكرانيا الذي يكلف الخزينة الأمريكية أموالا طائلة في ظل الأزمة الاقتصادية التي يشهدها العالم، وقد يكون ضغط الجمهوريين هو ما يدفع إدارة بايدن للحديث عن أهمية المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا.

كما ومن المنتظر أن يبدأ الكونجرس جلسات لانتقاد سياسة الرئيس الأمريكي في عدد من الملفات، مثل الانسحاب العشوائي من أفغانستان، وإدارته لأزمة فيروس كورونا نكاية في الرئيس الأمريكي والديمقراطيين. أضف إلى ذلك، أن سياسة الرئيس الأمريكي قد تشهد تحولات أخرى فيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية في الشرق الأوسط، خاصة إزاء الدول الخليجية وإيران.

وختاما، فإن فوز مكارثي لا يعنى أن المشاكل قد انتهت داخل الكونجرس بصورة عامة، أو الحزب الجمهوري بالتحديد، لكن المشكلة تكمن في مجموعة العشرة المتنازعين الذين يرون كيفين غير مؤهل لقيادة الكونجرس. وبعد الانتخاب ستبدأ المشكلات الحقيقية تتوالى، داخل أروقة الكونجرس الأمريكي بشكل عام، والحزب الجمهوري بالتحديد، بما قد يؤشر إلى أن المشهد السياسي الأمريكي مقبلا على فترة من العواصف السياسية.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى