ما هي خيارات الدول الأوروبية في الفترة القادمة؟

بات واضحا أن الدول الأوروبية هي أكثر المتضررين _ بعد أوكرانيا _ جراء الحرب الأوكرانية وأزمة الطاقة الحاصلة في العالم، وتزداد المخاوف حاليا من أن تتجه الأوضاع في أوروبا من سيئ إلى أسوأ، بعد أن أصبحت تقف على شفا الهاوية بإعلان النرويج مثلا مؤخرا عزمها خفض صادرات الغاز الطبيعي إلى أوروبا مؤقتا؛ استعدادًا لإجراء عمليات صيانة مكثفة، الذي لم يلبث وجاء بعده بأيام القرار الروسي بوقف صادرات الطاقة إلى أوروبا من خط نورد ستريم ١.

لذا، وبعد أن سطع نجم الغاز النرويجي، كأهم الدول التي تصدرت المشهد، خاصة وأنها دولة أوروبية (وفقا اعتبارات التكلفة والنقل)، وبعد أن زادت من إنتاجها لتعويض نقص الإمدادات الروسية، إلى جانب الغاز المسال الأمريكي، وهذا من شأنه _ إلى جانب إمدادات الشرق الأوسط _ أن يكفي احتياجات القارة الأوروبية. إذا، فما الذي يدفع أوروبا إلى مغازلة روسيا مرة أخرى، بعد أشهر من التصريحات والسياسات المتشددة تجاه موسكو، والمحاولات الأوروبية الراهنة لتجنب الانخراط في الحرب بشكل أكبر ؟، في تحول في الموقف الأوروبي مثير للاهتمام.

مراجعة حسابات:

منذ قديم الأزل والخلافات موجودة بين جناحي الأطلنطي ( أمريكا _ أوروبا )، إلا أنها لمعت أكثر خلال الفترة الأخيرة، وبات واضحا أن الدول الأوروبية أدركت أن الولايات المتحدة لا تكترث من الأساس إلى مسألة الأمن الأوروبي، سواء الاقتصادي أو العسكري، بل إنها توظف أوروبا كأداة لتنفيذ أهدافها، وازداد الأمر وضوحا خلال الأزمة الأوكرانية.هذا إلى جانب فرنسا على وجه الخصوص، فقد ازدادت الحساسية وأزمة الثقة في علاقاتها بواشنطن

عقب أزمة الغواصات الأسترالية، لذا، قد تحاول باريس بالذات دفع أوروبا إلى الاستقلالية الاقتصادية والسياسية بعيدا عن واشنطن، واستغلال فترة رئاستها للاتحاد الأوروبي في التمهيد لهذه التحركات.

وعليه، يبدو أن الدول الأوروبية لم تقنع تماما بفكرة الاعتماد على الغاز القادم من الولايات المتحدة، إلى جانب النرويج والدول العربية كبديل للغاز الروسي، رغم أنه قد يكفي الاحتياجات الأوروبية إلى حد ما، على الأقل حتى تجاوز فترة الشتاء القادم، إلا أن أوروبا من الواضح أنها تسعى إلى تأمين بدائل للغاز الروسي دون اختيار الغاز الأمريكي كبديل أساسي له، حتى لا توظفه كسلاح سياسي ضد أوروبا في حال حدوث أية أزمات لاحقة.

وبذلك، تكون أوروبا قد استوعبت الدرس مما تفعله روسيا في الوقت الراهن، خاصة بعدما بدا الانقسام في الصف الأوروبي منذ الأزمة الأوكرانية، حول طريقة التعامل مع روسيا، والخلاف حول تطبيق الحزمة السادسة من العقوبات الأوروبية على موسكو ( حظر الطاقة الروسية )،ورغبة بعض الدول الأوروبية فرض حظر على تأشيرات الروس القادمين إلى أوروبا، الأمر الذي قد يزداد سوءا بعد قرار قطع الغاز الروسي عن الدول الأوروبية، بعدما قررت الأخيرة وضع سقف لأسعار الغاز الروسي خلال قمة مجموعة الدول السبع الأخيرة في ألمانيا.

فرأينا مؤخرا الاهتمام الألماني بتطوير القدرات العسكرية، وزيادة حجم الإنفاق العسكري، كما بدأت برلين تبحث لنفسها منفردة عن بدائل للإمدادات الروسية والأمريكية، فوقعت اتفاقية لشراء الغاز من قطر خلال زيارة أمير قطر الأخيرة إلى ألمانيا. كذلك إيطاليا، التي قررت اللجوء إلى الغاز الجزائري كبديل مهم في الفترة القادمة. وتركيا، بعدما قررت الاعتماد _ إلى جانب الغاز الروسي _ على الدول الخليجية بعد إصلاح العلاقات فيما بينهما. والأمر نفسه بالنسبة إلى فرنسا، التي لجأت أيضا إلى السعودية والإمارات، إلى جانب محاولة باريس الحصول على الغاز الجزائري بعد زيارة ماكرون الأخيرة للجزائر،حتى أنها _ فرنسا _ عادت مؤخرا لتخطب ود روسيا خوفا من انقطاع الغاز في فترة الشتاء، بعد مكالمة ماكرون لبوتين الشهر الماضي بخصوص أمن المنشآت النووية التي استولت عليها روسيا في أوكرانيا، وأيضا تصريحات ماكرون ومسئولي حكومته عن أهمية العلاقات مع روسيا، وضرورة الحفاظ على قنوات اتصال بين البلدين، في محاولة للتغطية أيضا على قضية تسريب فرنسا لمكالمة جمعت بين بوتين وماكرون قبل الحرب. وفي هذا الإطار، قد يصنف الموقف الفرنسي على أنه الأكثر واقعية وبراغماتية.

وبذلك، قد نكون أمام فترة مقبلة ستأخذ فيها القارة الأوروبية مسارا استقلاليا بعض الشئ عن الولايات المتحدة بالخصوص، سياسيا واقتصاديا، بعدما اتضح للأوروبيين أن واشنطن ورطتهم في دفع ضريبة حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وهم من أكثر الأطراف التي تأذت جراء الحرب، وأيد وجهة النظر تلك جانب من الرأي العام الأوروبي. وهناك إشارات إلى أن الدول الأوروبية بدأت تخطو فعليا في مسارها الاستقلالي، مع بداية تراجع الدعم الأوروبي للقضية الأوكرانية، سياسيا وعسكريا.

هذا قد لا يعني التخلي تماما عن الشريك الأمريكي، خاصة على المدى القريب، لأن تلك المسألة تحكمها اعتبارات تاريخية واستراتيجية ودينية وغيرها. وبالتالي قد يتجه الأوروبيون للتخلي فقط عن دور التابع إلى واشنطن، ولكن من السابق لأوانه وصفه على أنهتحول استراتيجي شامل، خاصة وأن روسيا مهما عظمت قوتها العسكرية، إلا أنها لن تضاهي القوة الأمريكية الشاملة، ولكن قد تشهد الفترة المقبلة نوعا من التحول أو التوازن التكتيكي في الشراكات الأوروبية، على المستوى الدولي والإقليمي، بعيدا عن أي حزازيات سياسية، حتى تجاه روسيا أو الصين مثلا.

أولويات أوروبية:

لا يستطيع منصف إنكار كم الخسائر التي تعرضت لها القارة الأوروبية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، سواء على المستوى الاقتصادي، أو الهزائم السياسية التي تعرضت لها القارة، ومع توطيد بوتين قدمه في أوكرانيا يوما بعد يوم، ومع اقتراب قدوم فصل الشتاء، في ظل قيام روسيا بقطع إمدادات الطاقة الروسية إلى أوروبا عبر خط نورد ستريم ١ تحت ذريعة ضرورة إجراء أعمال صيانة للتوربينات، ومع استمرار تحليق أسعار الطاقة، وارتفاع تكلفة المعيشة بشكل عام في الدول الأوروبية، وبالأخص بريطانيا وفرنسا، ومعاناة الشعوب الأوروبية، أصبح يتحتم على الدول الأوروبية الاختيار بين متطلبات الدفاع والأمن والهيبة السياسية وبين احتياجات الشعوب التي ممن الممكن أن تقودهم إلى ثورات واحتجاجات سياسية، مما قد يهدد استقرار بعض الأنظمة الأوروبية، خاصة بعدما حذرت بعض الدول الأوروبية من شتاء قاسي من جميع النواحي، ودعت إلى ترشيد استهلالك الوقود والكهرباء، كما نبهت فرنسا على سبيل المثال من احتمالية انقطاع الكهرباء لساعات معينة خلال اليوم، أي باختصار بدأت الحكومات تهيئ الشعوب لانتظار الأسوأ.

وقد تكون أوروبا بدأت تتنبه لضرورة الاختيار بين الأولويات الداخلية والخارجية، لذا بدأت تتراجع حدة المواقف الأوروبية عما سبق، فمثلا؛ فرنسا بدأت تغازل روسيا مجددا، وبدأ الموقف الرسمي في فرنسا يدعو إلى ضرورة استمرار العلاقات مع روسيا على المستوى السياسي والاقتصادي. وعادت بلغاريا بعد قطع الغاز الروسي عنها في وقت سابق بعدما اعترضت على دفع قيمة الغاز الروسي بالروبل، وطلبت استعادة الاتصالات بأي شكل مع شركة غازبروم الروسية. كما قررت ألمانيا وقف إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا، وقالت وزيرة الخارجية الألمانية أن بلادها ” وصلت إلى الحد الأقصى من السلاح الذي يمكن إرساله إلى كييف دون إضرار بالجيش الألماني “، في تحول بارز في الموقف الألماني الذي كان من أكثر المواقف الأوروبية تشددا تجاه روسيا، إلى الدرجة التي دفعت برلين لإرسال الأسلحة لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، أو قيامها بالتدخل في نزاع مسلح. كما اتخذت هولندا القرار نفسه بعدما أوقفت روسيا تصدير الغاز إليها مع بلغاريا.بالإضافة إلى موافقة المجر وتركيا على شراء الغاز الروسي بالروبل.

ومن ناحية أخرى، فإن هدف الدفاع والأمن نفسه قد لا يكون بعيد تماما عن محاولة القادة الأوروبيين تجنب ثورات الشعوب، والتي قد تهدد الأنظمة والاستقرار الأوروبي بوجه عام، وفي حالة إبداء نوع من اللين تجاه روسيا، ومحاولة الخروج من شرنقة أن أوروبا طرف في الأزمة الأوكرانية ومنحاز لأحد الأطراف، قد تتفادى بذلك أوروبا المساس بالسيادة الدفاعية الأوروبية بعدما انتقلت الخلافات بين واشنطن وموسكو إلى قلب القارة الأوروبية، والتي قد تستغلها روسيا أو الولايات المتحدة لتوسيع الشرخ داخل التكتل الأوروبي.

كما أصبح على أوروبا التوقف عن التصرف وكأنها مجرد كيان أو أداة اقتصادية، وعليها توظيف كافة عناصر القوة الأوروبية، السياسية والاقتصادية والعسكرية، وستكون تلك الخطوة أكثر فعالية مع توحيد الجهود الأوروبية في هذا الشأن. ولكن من الواضح الأزمة الأوكرانية كما خلقت دوافعا لتوحيد الجهود والكلمة الأوروبية، من أجل وقف الاستنزاف الأمريكي في حروب غير مجدية. إلا أنها خلقت معرقلات أيضا، سببها التغير المحتمل في خريطة التوازنات الأوروبية، خاصة بعد استعادة ألمانيا لقوتها العسكرية، واستقواء بريطانيا بالولايات المتحدة، وهو ما قد يختزل من القوة الفرنسية عموما، وكله من شأنه إعاقة أي تحركات أوروبية مشتركة.

بدائل غير مطمئنة:

من جانبنا نرى، أنه ثمة صعوبة في استغناء القارة الأوروبية تماما عن الغاز الروسي على المدى القريب، فبالرغم من أن أوروبا تبحث عن بدائل للغاز الروسي في قطر والولايات المتحدة والنرويج والجزائر وليبيا ونيجيريا وغيرها، إلا أن الأمر في حقيقته ليس بهذه السهولة، أينعم إمدادات الطاقة القادمة من النرويج قد تكون كافية لسد احتياجات أوروبا في الوقت الراهن إلى حد ما، خاصة بعدما قبلت الحكومة النرويجية زيادة إنتاجها بمعدل ٨٪ عن العام السابق، وتصدر ما يقارب من ٢٢٪ من إنتاجها إلى أوروبا. وعليه، من المتوقع أن تزداد صادراتها إلى أوروبا خلال هذا العام والعام القادم مقارنة بالعام الحلي. لكن الاحتياجات الأوروبية آخذه في التزايد، في حين أن النرويج أفادت بأنها وصلت في إنتاجها إلى الحد الأقصى، أضف إلى ذلك ارتفاع أسعار الطاقة النرويجية بشكل كبير، إلى درجة قد لا تستطيع احتمالها أوروبا مع استمرار تحليق أسعار الطاقة.

كذلك لا يمكن الاعتماد بشكل أساسي على الغاز المسال القادم من الولايات المتحدة أو قطر_ بالإضافة إلى اعتبارات الاستقلالية عن واشنطن _  لأن تكلفته أعلى مقارنة بالغاز المنقول عبر الأنابيب، كما هو الحال الروسي القادم إلى أوروبا عبر العديد من خطوط نقل الغاز. أما عن الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط أو أفريقيا، فهي أيضا لا يمكن الاتكال عليها بشكل كبير، وذلك راجع إلى الاضطرابات الأمنية المستمرة في هذه البقاع، والتي ستهدد أمن إمدادات الطاقة. حتى إذا شرعت الدول الأوروبية في إنشاء خطوط أنابيب جديدة، فإنها الأمر سيستغرق وقتا وجهدا وتكلفة أكبر، وأوروبا لا تملك هذه الرفاهية في هذا التوقيت الحرج. ووفقا لكل ذلك تراجعت حدة الموقف الأوروبي تجاه روسيا، وقد يؤشر إلى ذلك الخلاف حول قرار وقف التأشيرات للروس إلى أوروبا.

وفي الختام، يبدو أن الدول الأوروبية أدركت أن روسيا لا يمكن هزيمتها في أوكرانيا بعد كل تلك المدة، رغم استمرار الجهود الرامية إلى ذلك، وبالتالي قد تفكر أوروبا في أن تنآى بنفسها عن الصدام بين واشنطن وموسكو، خاصة إذا كانت أوروبا تفكر في أن نتيجة الحرب قد تكون شبه محسومة.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى