عراقيل إيرانية: تحديات الجهود الأردنية في الأزمة اليمنية

لعبت المملكة الأردنية الهاشمية على مدار السنوات الماضية دورًا في حل الصراعات القائمة بين الأطراف المتحاربة بالأراضي اليمنية، إما من خلال تدخلها كوسيط أو باستضافتها للمحادثات الأممية الخاصة بمحاولة الوصول لتسوية سياسية للأزمة، وكان آخر تلك المشاورات التي عُقدت بالمملكة في 5 يونيو الجاري، حيث انطلقت الجولة الثانية من “محادثات عمَّان” بين وفدي الحوثي ومجلس القيادة الرئاسي لرفع الحصار عن مدينة تعز وسط اليمن بموجب الهدنة الإنسانية التي تم تمديدها مجددًا لمدة شهرين إضافيين بحيث تنتهي في أغسطس المقبل برعاية منظمة الأمم المتحدة.

واستضافت العاصمة عمَّان في 22 مايو الماضي الجولة الأولى من المشاورات بين أطراف النزاع باليمن بعد طلب من المبعوث الأممي لليمن “هانس غروندبرغ” في محاولة للوصول لاتفاق سلام بين الطرفين، ورغم أن هذه الجولة نجحت في الاتفاق على تمديد الهدنة الإنسانية التي انتهت في 2 يونيو الجاري بعد شهرين من إبرامها، إلا أن  ميليشا الحوثي لم تنفذ أيًا من بنودها حتى الآن سواء برفع الحصار  عن تعز  أو تسليم المرتبات للموظفين بهذه المدينة التي يعاني المدنيين فيها من تدهور لأوضاعهم المعيشية والاقتصادية.

جهود أردنية:

ولطالما بادرت الأردن لحل الأزمة اليمنية، ففي مارس الماضي، انطلقت مباحثات أممية مع أطراف النزاع اليمني في عمَّان، لتطوير خطة أممية تهدف لتحقيق السلام في المناحي كافة (السياسة، الاقتصادية، الأمنية) يشارك في تأسيسها مختلف قوى اليمن الفاعلة، وفي يناير العام الماضي، استضافت الاجتماع الخامس للجنة الإشرافية المعنية بمتابعة تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين بعمَّان، وفي أكتوبر الماضي، أثمرت مفاوضات أردنية عن تبادل الحكومة اليمنية وميليشيا الحوثي 1056 أسيرًا من الجانبين، ووصفت تلك الصفقة وقتها، بأنها الأكبر  في ملف تبادل الأسرى منذ بدء الحرب اليمنية.

ودعت الأردن أطراف النزاع باليمن لحضور “مشاروات الرياض”، التي عُقدت بالمملكة العربية السعودية في أبريل الماضي لتحقيق الأمن والاستقرار  بالأراضي اليمنية، ووقتها، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأردنية، هيثم أبو الفول إن “بلاده تدعم أية جهود لإنهاء الأزمة اليمنية المتفاقمة عبر حلٍ سياسيٍ يستند إلى المرجعيات المعتمدة المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني اليمني الشامل، وقرار مجلس الأمن رقم 2216″، داعيًا الأطراف اليمنية للاستجابة لتلك المشاورات لإيجاد حل سياسي للأزمة القائمة.

عوامل مؤثرة:

يرجع استضافة الأردن لمعظم المباحثات اليمنية إلى جملة من الأسباب التي ساهمت في جعل هذا البلد طرفًا مقبولًا لدي أطراف النزاع باليمن، على النحو التالي:

(*) وجود أممي: تُعقد غالبية المفاوضات اليمنية في عمَّان تحديدًا، لأنها مقر مكتب بعثة الأمم المتحدة الخاصة باليمن، بل وبها عدد من مكاتب الأمم المتحدة الخاصة بالشرق الأوسط، لكون الأردن من البلدان التي استقبلت على مدار السنوات الماضية، موجات مختلفة من اللاجئين من البلدان التي تشهد حالة من الصراعات وعدم الاستقرار الإقليمي خاصة سوريا، واليمن، وهو ما أثر بدوره على المجتمع الأردني، ودفع بمنظمة الأمم المتحدة لإقامة مكاتبها المتنوعة هناك، واتفقا على عقد شراكة جديدة من أجل تبني نهج أكثر استدامة للتنمية والازدهار والسلام والأمن.

(*) دعم إنساني: فتحت عمَّان أبوابها للشعب اليمني منذ اندلاع الحرب، واستقبلت حتى 16 مارس العام الماضي، 13,843 لاجئًا وطالب لجوء يمني وفقًا لمفوضية اللاجئين، واحتضنت عدد كبير من الأسرى اليمنيين سواء المحسوبين على الحكومة اليمنية أو الحوثي للعلاج في المستشفيات الأردنية وتحت رعاية الأمم المتحدة، كما أرسلت مساعدات إنسانية من المواد الإغاثية والغذائية والمستلزمات الطبية إلى اليمن للتخفيف من معاناة المواطنين الذي يعانون من فقر مدقع، كما سهلت دخول اليمنيين إليها بدون فيزا.

(*) إنهاء النزاع اليمني: لعبت الأردن دورًا في إنهاء النزاع اليمني عام 1993 وصولًا إلى تحقيق الوحدة اليمنية، وكانت البداية أنه قبل اندلاع نزاع مسلح بين الأطراف اليمنية، قادت المملكة الهاشمية جهود دبلوماسية نجم عنها توقيع “وثيقة العهد” بين الأطراف اليمنية المتحاربة في عمَّان، وعارضت بشدة اندلاع النزاع المسلح معتبرة إياه ضربه لجهودها الدبلوماسية.

ورغم أن عدد من الدول على المستويين العربي والغربي عرضت الوساطة من أجل حل النزاع اليمني، إلا أن النظام اليمني وقتها برئاسة “علي عبدالله صالح” أرسل وزير خارجيته آنذاك “محمد باسندوه” في 12 مايو 1994 لإيصال رسالة إلى الملك الأردني السابق “الحسين بن طلال” ليطلعه على آخر تطورات الحرب اليمنية، ويطالبه بضرورة تجديد الأردن لجهود الوساطة، واستجابت الأطراف المتنازعة بعدها للوساطة الأردنية وتم إنهاء النزاع اليمني.

عرقلة الوساطة الأردنية:

ما سبق ذكره، يؤكد أن الأردن لطالما وفرت جميع الظروف المواتية للإسراع في تحقيق تقدم في أية محادثات يمنية تستضيفها، ومع ذلك لم يحدث أي خرق جوهري بهذه الأزمة المندلعة منذ أكثر من سبع سنوات، وهو ما يطرح تساؤلًا، هل فشلت عمَّان في حلحلة الأزمة اليمنية بإبرام اتفاق سلام بين أطراف النزاع وإنهاء دوامة المعاناة الواقعة على عاتق المواطن اليمني؟، وهذا ما سنحاول الوصول لإجابته من خلال عرض الأسباب التالية:

(*) انتهاكات حوثية متكررة: تمثل الخروقات الحوثية المستمرة والمتكررة عائقًا أمام إحراز الأردن تقدمًا بشأن هذه الأزمة، فبعد اتفاق أطراف النزاع في الجولة الأولي من “مشاورات عمَّان” على تمديد الهدنة الأممية لمدة شهرين والتي بموجبها يرفع الحوثي الحصار عن تعز ويسلم المرتبات للموظفين بهذه المدينة، كشفت بعض التكهنات أن مسلحي الحوثي يستعدون للسيطرة على آخر معاقل تعز الواقعة شمال غرب هذه المدينة، بل وأعلن المتحدث باسم الجماعة “محمد عبدالسلام” في تغريده على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر ” عن شروط جديدة لتنفيذ بنود الهدنة، وبموجبها يتم الاعتراف بالبنك المركزي في صنعاء، وتوريد كل إيرادات الضرائب والجمارك والنفط والغاز في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية إلى الحوثي لصرف الرواتب للموظفين.

وفي أبريل الماضي رفض الحوثي، حضور المشاورات اليمنية – اليمنية في الرياض برعاية مجلس التعاون الخليجي، رغم دعوة الأردن له بضرورة الحضور، وهو ما أدي لإصدار قرارًا يمنيًا يقضي بتشكيل مجلس القيادة الرئاسي بقيادة “رشاد العليمي” يتولى إدارة شؤون البلاد في المرحلة المقبلة.

وتجدر الإشارة أن الوفد الحوثي خلال حضوره  الجولة الأولى من مشاروات عمان، تعمد الظهور بالبزات العسكرية الرسمية، وهو ما يصل رسالة مفادها أن الميليشا الحوثية ستواصل نهجها المسلح في حال لم تفي الأطراف الأخرى بالهدنة الأممية، رغم أن الحوثيين هما من ارتكبوا خروقات جمة بحق هذه الهدنة، ولكن ما يجب ذكره أن الجماعة المتمردة تستمتع بالدخول في محادثات ترعاها بعض القوي الدولية، لإطالة أمد الحرب.

(*) فشل أممي: ما يشكل حائلًا أمام نجاح الجهود الأردنية، أنه رغم الزيارات المتكررة التي يقوم بها المبعوث الأممي إلى اليمن سواء للعاصمة صنعاء الواقعة تحت سيطرة الحوثيين وكان آخرها في 9 يونيو الجاري  أو للعاصمة المؤقتة عدن، إلا أن المبعوث الأممي فشل حتى الآن في ممارسة أي نوع من الضغط على الحوثيين لإجبارهم على الالتزام بالهدنة ورفع الحصار عن تعز والتخفيف من وطأة المعاناة الإنسانية التي يعيشها المواطن اليمني تحت حكم تلك الجماعة، والتوقف عن تهديد أمن وسلامة الملاحة البحرية لإطالة أمد الحرب، وهذا ما دفع عدد من اليمنيين لتوجيه انتقادات حادة للمنظمة الأممية وطالبوها بضرورة انتهاج القوة لفك الحصار عن تعز.

تأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن نجاح الجهود الأردنية في الماضي بإنهاء بعض النزاعات اليمنية، جاء كنتيجة لعدم تحمل الأطراف اليمنية المتحاربة أية مخططات خارجية وكان هدفها الأساسي، هو مصلحة اليمن، ولكن ما يعيق الأردن حاليًا، هو أن الميليشا الحوثية التي جاءت إلى اليمن، وتمكنت من السيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء وعدد من المحافظات، هدفها الأساسي، هو تحقيق مخطط طائفي إيراني، قائم على “تصدير الثورة الإيرانية” لإحياء أمجاد الإمبراطورية الفارسية، والسيطرة على اليمن وجعلها محافظة إيرانية كي يستخدمها نظام الوالي الفقيه كورقة لابتزاز العالم بأسره.

نورا فايد

باحثة ببرنامج دراسات الخليج العربي، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحثة مشاركة في عدد من المراكز البحثية السياسية، مهتمة بدراسة الشأن الإيراني وحركات الإسلام السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى