حسابات المصلحة: دوافع التقارب بين موسكو والحوثيين

في خضم التطورات الجارية على الساحة الدولية والإقليمية، خاصة المتعلقة بالحرب الروسية الأوكرانية، ومفاوضات إحياء الاتفاق النووي في فيينا والخلاف القائم بين واشنطن وإيران؛ والتغيرات في السلطة اليمنية والاتفاق على تمديد الهدنة الأممية بحيث تنتهي في 2 أكتوبر المقبل-  عادت استراتيجية التواصل الدبلوماسي بين روسيا والحوثيين مرة أخرى، وذلك بعد استضافة العاصمة موسكو  في 10 أغسطس 2022، لوفد من الحوثيين بقيادة “محمد عبد السلام” لمناقشة استئناف الحوار اليمني الشامل برعاية منظمة الأمم المتحدة آملا في الوصول لتسوية سلمية للأزمة اليمنية المشتعلة منذ أكثر من ثماني سنوات.

وتعد هذه الزيارة، الثانية للحوثيين إلى موسكو، فقد كانت الأولي في أكتوبر 2018 لمناقشة تطورات الوضع في اليمن بعد قيام الحوثيون بقتل الرئيس اليمني الأسبق “علي عبدالله صالح” في ديسمبر عام 2017، ووقتها أعربت روسيا بشدة عن احتجاجها على تلك الواقعة، بل وقامت بإغلاق سفارتها في العاصمة اليمنية صنعاء الواقعة تحت سيطرة الميليشيا الحوثية.

وحول التوجه الحوثي مرة أخرى إلى روسيا في هذا التوقيت تحديدًا الذي تخضع فيه موسكو لعقوبات غربية جراء حربها في أوكرانيا- قال المتحدث  الرسمي باسم الجماعة الحوثية “محمد عبد السلام”، في تصريحات له نشرتها وسائل إعلام متعددة، إن “هناك تغيرات حقيقية في الموقف الروسي، وإدراك أن اليمن يستطيع أن يكون مؤثراً استراتيجياً”، مضيفًا أنه ناقش خلال اجتماعه مع “ميخائيل بوغدانوف” الممثل الخاص لرئيس روسيا الاتحادية إلى الشرق الأوسط وبلدان أفريقيا نائب وزير الخارجية، أبرز التطورات السياسية والعسكرية الواقعة بالساحة اليمنية إضافة إلى التطرق لمناقشة مستجدات الحرب الروسية – الأوكرانية.

ومن جهة، فإن موسكو علقت على هذه الزيارة في بيان للسفارة الروسية لدي اليمن في صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، مؤكدة أن موقف الحكومة الروسية يدعم ضرورة بدء حوار سياسي شامل في اليمن، واتخاذ الإجراءات كافة التي تضمن تحسين الأوضاع الإنسانية للشعب اليمني.

حسابات المصلحة:

وانطلاقًا مما تقدم، يمكن القول أن ثمة دوافع سياسية واقتصادية وراء التقارب الحوثي الروسي في هذا التوقيت تحديدًا، وهذه الدوافع ينجم عنها حسابات مشتركة تحقق مصلحة كلا الطرفين، هي على النحو التالي:

(*) عودة الدبلوماسية الروسية إلى الأزمة اليمنية: تريد موسكو بقيادة الرئيس “فلاديمير بوتين” العودة مجددًا إلى المشهد السياسي اليمني، خاصة بعد انشغالها خلال السنوات الماضية بالتدخل في بعض بلدان المنطقة العربية كسوريا، ليبيا، فضلًا عن أوكرانيا مؤخرًا، خاصة أن النهج الدبلوماسي الروسي كان قائم منذ اندلاع الأزمة اليمنية على ضرورة إشراك الحوثيين في أي حوار سياسي أممي يجمع أطراف الصراع في اليمن. ففي أبريل 2015، كانت موسكو الدولة الوحيدة في مجلس الأمن الدولي التي امتنعت عن القرار  رقم 2216، الذي دعا إلى حظر أسلحة على الحوثيين وفرض حظر سفر على زعيم  الجماعة “عبد الملك الحوثي”، وبعد استيلاء الانقلابيين على العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر 2014، أبقت روسيا سفارتها هناك حتى ديسمبر 2017، رغم أن بعض الدول أغلقت سفارتها على الفور كواشنطن وباريس، هذا بالإضافة إلى أن روسيا كانت من أشد المعارضين لإعلان واشنطن إبان عهد الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” تصنيف ميليشا الحوثي كـ”جماعة إرهابية”.

ولهذا فإن عودة روسيا مرة أخري لإدارة الأزمة اليمنية ينبع من اعتقاد لديها أن التواصل الدبلوماسي والوصول لتسوية سياسية مع الحوثيين  يعد “أمر ممكن” على عكس ما تزعم بعض الدول، بجانب أن إدارتها لهذه الأزمة يعد “أمر مرحب” به من قبل الحوثي، إذ سبق وقال “عبد الملك عرجي” عضو المكتب السياسي للحوثيين  في تصريح له 26 أكتوبر الماضي، “ندعم أن تصبح روسيا مكانًا لمحادثات السلام بين اليمنيين”.

(*) رغبة حوثية في إيجاد المزيد من الحلفاء الدوليين: تريد الميليشيا الانقلابية البحث عن توطيد علاقاتها مع حلفاء دوليين لمواجهة المشروع الأمريكي بالمنطقة، والذي تسبب في انخفاض الدعم الإيراني المقدم إلى الميليشا الحوثية بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران جراء انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في مايو 2018، وهو ما أثر بالسلب على الحوثي الذي ربح بشدة بدعوة روسيا وتوجه على الفور إلى العاصمة موسكو، وهذا ما أكده رئيس الوزراء الحوثي “عبدالعزيز بن حبتور” في تصريح له، 20 أغسطس الجاري، قائلًا، “الدعوة الروسية لجماعة الحوثي توحي بتغيير في موقف موسكو، ولهذا قابلنها رغم وجود عدد من الدعوات الأخرى، ومشيرًا أن حكومة الحوثي عازمة على إيجاد حلفاء دوليين خاصة روسيا والصين لمواجهة المشروع الأمريكي الذي يلحق الضرر بالعديد من دول العالم”، ولافتا إلى أن نهج الحوثي قائم على البحث عن حلفاء على أساس علاقة الند للند والمصالح المشتركة ومواجهة العدو المشترك.

(*) تقويض جهود واشنطن بشأن تمديد الهدنة: يريد الرئيس “بوتين” أن تقود بلاده جهود “تمديد الهدنة” للمرة الثالثة بعد انتهائها في الثاني من أكتوبر المقبل، وذلك لتفويت الفرصة على الرئيس الأمريكي “جو بايدن” الذي سبق ودعا أطراف النزاع في اليمن خلال حضورة قمة جدة في السعودية منتصف يوليو الماضي، إلى  الاتفاق على تمديد الهدنة ليس لمدة شهرين ولكن لمدة ستة أشهر  بل وجعل هذه الهدنة “حل دائم” للسلام في اليمن، ولذلك عقب إعلان المبعوث الأممي لليمن “هانس غروندبرغ” عن تمديد الهدنة، سارعت وزارة الخارجية الروسية بإصدار بيان على الفور للترحيب بقرار أطراف النزاع بشأن تمديد وقف إطلاق النار مجددا لمدة شهرين إضافيين، وأفادت أن هذا سيخلق فرصة لمزيد من استقرار الوضع في البلاد ويسهل الانتقال إلى محادثات كاملة بين القوى السياسية المشاركة في الصراع اليمني”، وتوسيع الهدنة من أجل إيجاد حل شامل للأمة التي طالت معاناتها.

(*) كسب الود الروسي للحصول على الدعم: عمل الحوثي خلال الأشهر الماضية وتحديدًا منذ اندلاع حرب روسيا مع أوكرانيا على محاولة كسب ود روسيا للحصول على دعم موسكو للميليشا الانقلابية على الصعد كافة سواء أكان دعم اقتصادي، أو عسكري، وأيضا سياسي للأزمة اليمنية، خاصة أنه الدعم الإيراني المقدم إلى الحوثيين قد تقلص بشكل كبير بسبب الضغط الخارجي على طهران بسبب مفاوضات إحياء الاتفاق النووي في فيينا، والعقوبات الأمريكية التي تسببت في تدهور الاقتصاد الإيراني وعملتها المحلية.

ما سبق، يُفسر أنه في الوقت الذي أعلنت فيه الدول الغربية، رفضهم لحرب روسيا على أوكرانيا إضافة إلى أن اعتراف الرئيس فلاديمير يوتين،  بـ”دونيتسك ولوغانسك” جمهوريتين مستقلتين عن أوكرانيا أواخر فبراير 2022، معتبرين أن هذه الاجراءات تعد انتهاكاً للقانون الدولي وسيادة أوكرانيا، إلا أن الحوثيين كان لهم رأي آخر، إذ رفض المزاعم الغربية وأيدوا جميع توجهات موسكو، وطالب القيادي في الجماعة “محمد علي الحوثي”، بـ”ضرورة ضبط النفس وعدم الانزلاق في حرب يراد لها استنزاف القدرات الروسية”، معلنًا تأييد جماعته لتحركات موسكو.

وهذا التأييد الحوثي هو ما ساهم بشكل واضح في قيام موسكو مارس 2022، بدعم اليمن بالقمح والمشتقات النفطية، إذ قال “محمد الحوثي” في تغريدة على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، “روسيا عرضت قبل فترة علينا مساعدات من القمح لليمن، وطالب وقتها وزارة الخارجية الحوثية بالتواصل مع موسكو لشراء القمح والمشتقات النفطية منها، وبالروبل بعيد عن العملات الاخرى.

(*) استخدام الحوثي كأداة ضغط روسية على دول الخليج: تعي موسكو جيدًا أن تقاربها وعلاقاتها الودية مع الحوثيين يثير ليس فقط قلق واشنطن وإنما دول الخليج أيضًا التي ترفض بشدة جرائم وانتهاكات هذه الجماعة المدعومة من إيران بحق الشعب اليمني، وهو ما يفسر سبب رفض روسيا التصويت على المقترح الذي قدمته الإمارات إلى مجلس الأمن الدولي عقب اندلاع الحرب مع أوكرانيا لفرض حظر أسلحة على الحوثيين وذلك عقب هجماتهم على عدد من المنشآت المدنية في أبوظبي، فضلا أن موسكو تجمعها مصالح وتجارة كبيرة مع السعودية، ولهذا فهي تريد استخدام “الحوثي” كأداة ضغط على دول الخليج وخاصة الإمارات والسعودية لإيصال رسالة لهم، مفادها، أن ضخ مزيد من النفط خارج اتفاق أوبك سيعرضكم للخطر، وذلك عقب التحركات الأمريكية لإيجاد مصدر بديل للنفط الروسي الذي يخضع لسلسة من العقوبات الغربية، وهو ما يفسر سبب استقبال موسكو للوفد الحوثي في هذا التوقيت.

(*) مساعي روسية لتدشين قاعدة بحرية في اليمن: لدي النظام الروسي رغبة قديمة في إنشاء “قاعدة بحرية روسية على الشواطئ اليمنية”، وهذا لن يتحقق بدون وجود ظهير قوي داعم لموسكو في الأراضي اليمنية، وتجد روسيا في جماعة الحوثي هذا التي من الممكن أن تعطيها “الضوء الأخضر” لتدشين هذه القاعدة  التي ستفتح أمامها الطريق إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر وخليج عدن، ومن ثم تقوية النفوذ الروسي في جميع أنحاء المنطقة ومواجهة أي محاولات للتمدد الأمريكي، ولذلك استضافة موسكو في هذا التوقيت لوفد حوثي ينبع من اهتمامها  بوصول حركة موالية لها إلى مراكز السلطة في اليمن سواء أكان الحوثيين أو المجلس الانتقالي الجنوبي، والحفاظ على اتصالات نشطة مع هذه جميع القوي السياسية الفاعلة باليمن.

تأسيسًا على ما سبق، يمكن القول أن عودة روسيا مجددًا إلى لعب دور في الأزمة اليمنية والتأكيد مرة أخرى على أن هذه الأزمة لا يمكن أن تحل إذا لم تشمل الحوثيين كطرف أساسي؛  الهدف منه أمرين، أولهما، استخدام الحوثي كورقة ضغط على دول الخليج حتى لا تنساق وراء الضغوطات الأمريكية والغربية الهدافة لتقويض موسكو ومنعها من تصدير نفطها بسبب حرب أوكرانيا، أما الأمر الثاني، أن “بوتين” يريد أن تبقي جميع الجهات الفاعلة المهتمة بالأزمة اليمنية سواء الداخلية أو الخارجية في حالة تخمين بشأن ما قد يفعله الكرملين تجاه اليمن وإيصال رسالة مفادها أن موسكو هي من تستطيع إدارة الأزمة اليمنية بنجاح رغم أنها قد لا يكون لديها أي خطط بسبب انشغالها بالحرب مع أوكرانيا،  إلا أنها تريد توجه بعض الجهات للتقرب من روسيا على أمل كسب مصلحتها، واللجوء إلى موسكو في حال اقتضت الضرورة.

نورا فايد

باحثة ببرنامج دراسات الخليج العربي، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحثة مشاركة في عدد من المراكز البحثية السياسية، مهتمة بدراسة الشأن الإيراني وحركات الإسلام السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى