حرب السرديات: كيف تُدار المعركة الإعلامية بين إيران وإسرائيل؟

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض في الميدان العسكري فقط، بل باتت تُدار أيضًا على جبهة أخرى لا تقل تأثيرًا، هي جبهة الإعلام. فوسائل الإعلام اليوم لم تعد مجرد أدوات لنقل الأخبار أو متابعة التطورات، وإنما تحولت إلى ساحة صراع موازية تسعى من خلالها الأطراف المتحاربة إلى صياغة الرواية التي تخدم مصالحها وتؤثر في اتجاهات الرأي العام. وفي ظل المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يبرز البعد الإعلامي بوصفه أحد أهم أدوات إدارة الصراع، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت سرديته الخاصة وتقديم مبرراته السياسية والعسكرية أمام المجتمع الدولي. ومن هنا تكتسب قراءة التغطية الإعلامية وتحليل خطابها أهمية خاصة لفهم طبيعة هذه المواجهة وأبعادها الحقيقية.
وتتجه الآن أنظار قطاعات واسعة من المتابعين، سواء من الأفراد العاديين أو الخبراء السياسيين والعسكريين، إلى وكالات الأنباء ووسائل الإعلام المختلفة لرصد ومتابعة الأحداث المتسارعة في المنطقة. ويتم ذلك من خلال ما تقدمه وسائل الإعلام التقليدية، المحلية والإقليمية والدولية، في محاولة لفهم التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة في ظل توترات متصاعدة وتغيرات ملحوظة في موازين القوى. ويأتي ذلك في سياق تصعيد سياسي وعسكري متزايد، وهو صراع لا يقتصر على المجال العسكري فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المجال الإعلامي، حيث تسعى كل جهة إلى فرض سرديتها الخاصة وتبرير مواقفها.
كما تستغل بعض التغطيات الإعلامية هذا السياق لتحقيق أهداف سياسية؛ إذ يركز بعضها على إبراز القدرات العسكرية والتكنولوجية للولايات المتحدة وإسرائيل لإظهار التفوق العسكري وردع الخصم، بينما يسلط البعض الآخر الضوء على الجوانب الإنسانية، مثل الخسائر المدنية والدمار، لتعزيز التعاطف الدولي مع أحد أطراف الصراع. كذلك تلعب التغطية السياسية والدبلوماسية دورًا مهمًا في متابعة ردود الفعل الدولية ومحاولات الوساطة، بما ينعكس بدوره على حجم الضغوط الدولية الواقعة على الأطراف المتحاربة للدفع نحو تهدئة أو هدنة محتملة.
وهنا تبرز أهمية “السردية الإعلامية” المتعلقة بالضربات المتبادلة بين طهران وتل أبيب، حيث سعى كل طرف إلى تثبيت روايته الخاصة وحشد التأييد لها خلال الأيام الماضية، معتمدين على وسائل إعلام رسمية وشبه رسمية، إضافة إلى الحسابات الموثقة لمسؤولين من الجانبين، في إطار إدارة إعلامية متزامنة مع تطورات الحرب.
دور الإعلام في توثيق الضربات العسكرية:
(*) الإعلام الغربي: في وسائل الإعلام الغربية مثل CNN و BBC، تُقدَّم الحرب غالبًا في إطار أمني-استراتيجي يركز على التهديد الذي يمثله البرنامج النووي الإيراني، مع الاعتماد على تصريحات المسؤولين العسكريين والتقارير الاستخباراتية. وتلعب هذه الوسائل دورًا محوريًا في توجيه مسار الصراع الإيراني-الإسرائيلي الذي تصاعد بشكل كبير في مارس 2026، حيث تُستخدم التغطية الإعلامية بوصفها أداة في “حرب الروايات” والمواجهة النفسية، إلى جانب التغطية الميدانية للضربات المتبادلة.
(*) الإعلام الإيراني: تقدم وسائل الإعلام الإيرانية العمليات العسكرية بوصفها عدوانًا خارجيًا يستهدف السيادة الإيرانية، مع التركيز على الخسائر البشرية والأضرار المادية لتعزيز التعاطف الدولي، إلى جانب توظيف خطاب المقاومة لتعبئة الرأي العام الداخلي. وقد ركزت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية ووسائل الإعلام الحكومية على بث لقطات للصواريخ والطائرات المسيّرة المنطلقة نحو إسرائيل، إضافة إلى تغطية آثار القصف الإسرائيلي على طهران، بما في ذلك الحرائق التي اندلعت في مطار مهرآباد الدولي وبعض مصافي النفط.
وأفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية، يوم 7 مارس 2026، بوقوع أضرار جسيمة في مناطق مختلفة من البلاد نتيجة غارات جوية، من بينها استهداف مستشفيين في محافظة خوزستان جنوب غربي إيران. وذكر التلفزيون الرسمي أن مركز الرازي الطبي في مدينة الأهواز ومستشفى الإمام علي في أنديمشك تعرضا لأضرار بالغة بسبب موجات الضغط الناتجة عن الانفجارات القريبة.
كما أشار التلفزيون الرسمي إلى أن مطار مهرآباد المحلي غرب طهران كان من بين الأهداف التي تعرضت للهجوم، حيث أظهرت الصور اندلاع حرائق في بعض منشآته. وكانت الاضطرابات التي شهدها المطار من بين الأسباب التي أدت إلى تأجيل جنازة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي قُتل يوم السبت الماضي.
ويمكن استنتاج أن إيران طرحت خلال الأيام الأولى من الحرب سردية مفادها أنها “تدافع عن نفسها بعد تعرضها لهجوم إسرائيلي دون أي استفزاز”.
(*) الإعلام الإسرائيلي: يقوم الإعلام العبري بدرجة كبيرة على الحرب النفسية وإدارة المعلومات. وقد عمدت إسرائيل إلى تعبئة قنوات إعلامية رسمية وشعبية لتبرير ضرباتها، حيث قامت قنوات مثل القناة 12 وصحيفة يسرائيل هيوم بنشر تحديثات فورية حول تفعيل صفارات الإنذار واعتراض الصواريخ، مع التركيز على نجاح الدفاعات الجوية في تقليل الخسائر البشرية والمادية. وتمثل ملامح تعامل الإعلام الإسرائيلي مع الحرب كالتالي:
١. التحذيرات المباشرة: استخدم المتحدثون العسكريون، وعلى رأسهم متحدث الجيش الإسرائيلي، منصات التواصل الاجتماعي لتوجيه رسائل مباشرة إلى السكان داخل إيران، بما في ذلك تحذيرات لإخلاء المناطق القريبة من المنشآت العسكرية والنووية.
٢. التشكيك في الروايات: برزت تقارير إعلامية متضاربة حول حجم الأضرار؛ فبينما يتحدث الإعلام العبري عن “إصابات محدودة”، تشير تقارير دولية وعربية مثل الجزيرة نت إلى وقوع أضرار مادية جسيمة ومئات الإصابات البشرية داخل إسرائيل نتيجة الرشقات الصاروخية.
٣. استهداف المؤسسات الإعلامية: شهد الصراع الحالي تصعيدًا غير مسبوق تمثل في استهداف مباشر لمنصات إعلامية، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي عن تدمير مقر التلفزيون الإيراني في طهران في خطوة تهدف إلى تعطيل الرسائل الإعلامية للنظام الإيراني.
وبذلك تطرح إسرائيل سردية تقوم على أن ضرباتها تمثل “إجراءات استباقية للدفاع عن النفس في مواجهة الخطر النووي الإيراني”، مع الإشارة إلى ارتفاع مستوى الرقابة الصارمة التي فرضتها السلطات الإسرائيلية على ما يمكن لوسائل الإعلام والمواطنين نشره بشأن الهجمات الإيرانية.
(*) التغطية العربية، ويمكن تناول التغطية العربية على التالي:
١. الإعلام العربي: يتسم الإعلام العربي بتباين واضح في تناول الصراع؛ فبعض المنصات يركز على تحليل موازين القوى العسكرية واحتمالات توسع الحرب، بينما يهتم بعضها الآخر بالتداعيات الاقتصادية، مثل تأثير الصراع على أسعار النفط وحركة التجارة العالمية. وقد انقسمت التغطية العربية بين اتجاه يركز على التداعيات الاستراتيجية للحرب على استقرار المنطقة، وآخر يتابع ما يُعرف بـ “حرب الملاحة” في مضيق هرمز.
٢. الإعلام المصري: يعكس الإعلام المصري في معظمه مواقف السياسة الخارجية المصرية، حيث يحاول تحقيق قدر من التوازن بين التحليلات الاستراتيجية والمصالح الإقليمية. فبعض القنوات يركز على متابعة التطورات العسكرية وتحليل موازين القوى، مع تسليط الضوء على احتمالات تأثير الصراع في الاستقرار الإقليمي والأمن القومي العربي. في المقابل، تهتم وسائل إعلام أخرى برصد التداعيات الاقتصادية وأمن الطاقة.
وفي المجمل، يسعى الإعلام المصري إلى تقديم رؤية متوازنة بين الأطراف المتصارعة، مع التأكيد على أهمية الحلول الدبلوماسية وضرورة الحد من التصعيد العسكري، وهو ما يعكس محاولة للقيام بدور وساطة إعلامية في نقل الصورة إلى الرأي العام المحلي والدولي بأسلوب مهني ومتوازن.
انعكاسات تنصيب المرشد الجديد:
يمثل اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا ثالثًا للجمهورية الإسلامية، عقب اغتيال والده علي خامنئي في ضربات أمريكية-إسرائيلية مشتركة، تحولًا مهمًا في بنية النظام الإيراني. وقد تلقفت عدة صحف غربية خبر تعيينه، مسلطة الضوء على دلالات هذا الاختيار وانعكاساته السياسية في ظل الظروف الراهنة.
ورأت بعض التحليلات أن تعيينه يمثل امتدادًا لنهج والده واستمرارًا للخط الأيديولوجي الذي أسسه آية الله روح الله الخميني، بينما اعتبر منتقدوه أن صعوده يثير تساؤلات بشأن تركّز السلطة واحتمال ترسيخ نمط قيادة أقرب إلى الوراثة.
أما ما يتعلق بالبعد الوراثي للسلطة، فقد ركزت غالبية التقارير على ما وصفته بـ “البعد الوراثي” للسلطة، مشيرة إلى أن الجمهورية الإسلامية التي قامت بعد ثورة 1979 أطاحت بالحكم الملكي، ما يجعل انتقال المنصب من الأب إلى الابن موضع جدل.
وفي المقابل، يرى بعض مؤيدي النظام أن دعم نجل الشاه الإيراني المخلوع، رضا بهلوي، لو تولى الحكم كان سيُنظر إليه أيضًا باعتباره عودة إلى نموذج وراثي مشابه.
وأشارت بعض الصحف البريطانية إلى أن مجتبى خامنئي يمتلك عدة نقاط قوة، من بينها خبرته الطويلة في إدارة ملفات الدولة من خلف الكواليس خلال عمله إلى جانب والده.
كما اعتبر موقع أكسيوس أن التعيين يعكس تعزيز سيطرة التيار المتشدد داخل النظام الإيراني في لحظة ضعف غير مسبوقة تمر بها الجمهورية الإسلامية.
أما صحيفة التلغراف فقد وصفت المرشد الجديد بأنه شخصية “غامضة ومتشددة تربطها علاقات وثيقة بالحرس الثوري”، مرجحة أنه سيواصل النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الخصم الرئيسي.
في حين ركزت فرانس 24 على أن صعوده يثير جدلاً بسبب محدودية مؤهلاته الدينية مقارنة بمتطلبات المنصب، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن بعض أوساط النظام ترى فيه قائدًا قويًا يمتلك شبكة واسعة من النفوذ داخل مؤسسات الدولة، خاصة في الأجهزة الأمنية.
أما نيويورك تايمز فرأت أن مجتبى خامنئي قد يكون الخيار الأكثر واقعية في هذه المرحلة، نظرًا لإلمامه بإدارة الأجهزة الأمنية والعسكرية.
في المقابل، أشارت الجارديان إلى أن تعيينه يحمل دلالة رمزية تتمثل في انتصار التيار المحافظ داخل إيران، كما يهدف إلى إظهار النظام الإيراني بمظهر القوة وعدم الخضوع للضغوط الغربية.
أما الإعلام العبري، فقد تلاحظ أنه بعد دقائق من إعلان إيران اختياره مرشدًا، نشر رئيس الكنيست أمير أوحانا على حسابه في منصة “إكس” صورًا لقادة من إيران وحزب الله وحماس تمت تصفيتهم، وفي وسطها صورة مجتبى خامنئي، معلقًا: “من يسلك طريقهم سيذهب في طريقهم”.
واعتبرت صحيفة معاريف أن انتخاب مجتبى يمثل أكثر من مجرد تغيير في القيادة، بل يشير إلى تشدد صفوف الحكومة الإيرانية وانتصار الجناح الأكثر تشددًا داخل النظام، وعلى رأسه الحرس الثوري.
كما ذكرت يديعوت أحرونوت أن الإعلان جاء بعد تهديدات إسرائيلية بملاحقة أي شخص يتولى هذا المنصب، بالتزامن مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب طالب فيها بالتأثير على هوية الزعيم الإيراني القادم.
وفي المقابل، رأت بعض المواقع العبرية أن هذا الاختيار قد يصب في مصلحة إسرائيل لأنه يعني استمرار المواجهة حتى تقويض قدرات إيران العسكرية.
في النهاية، يمكن القول إن الحرب الدائرة حاليًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تمثل نموذجًا واضحًا للحروب المعاصرة التي تتداخل فيها الجبهات العسكرية والإعلامية. فلم تعد المعركة تُدار بالصواريخ والطائرات فقط، بل بالخطاب الإعلامي والصورة والرسالة السياسية.
ومن المرجح أن مستقبل هذا الصراع لن يتحدد فقط بنتائج المواجهة العسكرية المباشرة، بل أيضًا بقدرة كل طرف على كسب معركة الرأي العام الدولي، حيث أصبحت وسائل الإعلام أداة استراتيجية في إدارة الأزمات الدولية وتشكيل التصورات العالمية حول شرعية الحروب وأهدافها ونتائجها.
يذكر أن برز دور الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي مثل X وFacebook وTelegram في نقل الأخبار والصور والفيديوهات من مناطق النزاع، مما ساهم في تسريع تداول المعلومات وزيادة انتشار المعلومات المضللة والدعاية الحربية، ما جعل التحقق من صحة الأخبار تحديًا كبيًرا أمام الجمهور.