حسابات المصالح: كيف تفكر الصين في التعامل مع الحرب علي إيران؟

أثار التصعيد العسكري الأخير ضد إيران، وما صاحبه من نقاشات حول استهداف القيادة وتدمير البنية العسكرية، تساؤلات واسعة بشأن أهداف الضربة وحدود تأثيرها، لا سيما في ظل عودة الرهانات الغربية على إضعاف النظام الإيراني أو دفعه نحو الانهيار. غير أن المقاربة الصينية لهذا التطور تنطلق من إطار مختلف، يقوم على الواقعية الاستراتيجية، ويفصل بوضوح بين إضعاف القدرات العسكرية من جهة، وتقويض استمرارية النظام السياسي من جهة أخرى.
من منظور بكين، لا يُعد الضغط العسكري المكثف مرادفًا لانهيار الدولة أو تفكك النظام، حتى في حال استهداف القيادات العليا. فالجمهورية الإسلامية، وفق التقديرات الصينية، ليست نظامًا هشًا قائمًا على شخص واحد، بل بنية مؤسسية أمنية–عسكرية متجذرة، صُممت منذ عقود لتحمّل سيناريوهات التصعيد القصوى. ورغم أن إيران تواجه حاليًا أحد أكثر السياقات الاستراتيجية تعقيدًا منذ عام 1979، إلا أن المؤشرات المتاحة لا تزال تُظهر احتفاظها بدرجة معتبرة من التماسك الوظيفي واستمرارية القيادة والقدرة على إدارة التصعيد.
في هذا السياق، تنظر الصين إلى الضربة لا بوصفها نقطة حسم، بل كحلقة ضمن مسار أطول من التصعيد المُدار، يحمل مخاطر عالية في حال سوء تقدير حدود القوة الجوية أو الإفراط في الرهان على الانهيار السريع. وبالتالي تحلل هذه الدراسة الموقف الصيني من ضرب إيران عبر تفكيك شبكة المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية والاستراتيجية لبكين، وبيان كيف ينسجم سلوكها الحذر مع إدراكها لحدود القوة العسكرية، وقدرة النظام الإيراني على الصمود، وأهمية إبقاء الصراع دون الانزلاق إلى حرب شاملة تهدد استقرار الإقليم والتحول البنيوي الجاري في النظام الدولي.
المصالح السياسية للصين:
تلتزم الصين منذ سنوات بمقاربة تقوم على رفض استخدام القوة العسكرية والدعوة إلى الحلول السياسية، وهو ما ظهر بوضوح في بيانات وزارة الخارجية الصينية التي شددت على ضبط النفس والحوار. وهذا الخطاب السياسي المعتاد هو بمثابة الحياد النشط، حيث تسعى بكين إلى الحفاظ على علاقاتها مع إيران دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
فالصين تدرك أن الانحياز الصريح لطهران سيقوض قدرتها على لعب دور الوسيط والفاعل المسؤول، وهو الدور الذي عززته مؤخرًا من خلال رعايتها للمصالحة السعودية–الإيرانية. كما أن بكين تنظر إلى إيران بوصفها شريكًا استراتيجيًا طويل الأمد لا أداة ظرفية، وهو ما يجعلها حريصة على عدم استنزاف هذا الشريك في مواجهة غير متكافئة مع واشنطن.
المصالح الاقتصادية بين أمن الطاقة وإدارة المخاطر:
تمثل إيران عنصرًا محوريًا في حسابات الصين المتعلقة بـ أمن الطاقة. فالصين هي أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، حيث استحوذت في عام 2025 على أكثر من 80% من صادراته النفطية المنقولة بحرًا، وبأسعار مخفضة. ومن ثم، فإن أي حرب شاملة أو تصعيد غير منضبط يهدد بتعطيل إمدادات الطاقة، خاصة في حال إغلاق مضيق هرمز، وهو سيناريو تعتبره بكين خطًا أحمر. وفي الوقت نفسه، انتهجت بكين سياسة التنوع في مصادر الطاقة وتعزيز الشراكات مع دول الخليج. وكانت ايضا فنزويلا التي اصبحت معضلة لبكين بعد اختطاف الجيش الأمريكي لنيكولاس مادورو الشهر الماضي وإدارة الولايات المتحدة لحقول النفط في البلاد.
كما وقعت الصين وإيران خطة التعاون الشاملة الصينية الإيرانية لمدة 25 عامًا في عام 2021، باستثمار إجمالي مخطط له يبلغ حوالي 400 مليار دولار أمريكي، ويشمل قطاعات الطاقة والموانئ والنقل والكهرباء.
لذلك، يمكن القول إن بكين لا ترى في الضربة المحدودة تهديدًا وجوديًا لمصالحها الاقتصادية، لكنها تعارض بشدة تحولها إلى حرب إقليمية واسعة قد ترفع أسعار النفط وتزيد تكاليف الاستيراد وتربك خطط التنمية الصينية.
المصالح الأمنية بين رفض إيران نووية وتجنب سباق تسلح إقليمي:
تتبنى الصين موقف ثابت يتمثل في رفض امتلاك إيران لسلاح نووي، رغم دعمها لحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية وفق معاهدة عدم الانتشار. فبكين ترى أن إيران نووية ستؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي. كما سيسمح بإطلاق سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط. الامر الذي سيشجع خصوم الصين في شرق آسيا (مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا) على التفكير في خيارات نووية ردعية.
من هذا المنطلق، فإن الضربات التي تستهدف المنشآت النووية الإيرانية تضع الصين في موقف معقد لانها ترفض انتهاك السيادة واستخدام القوة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في فشل كامل للمسار الدبلوماسي بما يسمح لإيران بتسريع برنامجها النووي دون قيود.
المصالح الاستراتيجية بين إدارة التوتر وإعادة توزيع القوة:
على المستوى الاستراتيجي، تنظر الصين إلى التوتر الأميركي–الإيراني باعتباره ساحة مركزية لإدارة التوازنات الدولية في مرحلة التحول البنيوي للنظام العالمي. فبدل السعي إلى حسم الصراع أو الانخراط فيه عسكريًا، تعتمد بكين مقاربة تقوم على إدارة التوتر بما يضمن استنزاف الانتباه والموارد الأميركية دون الانزلاق إلى حرب شاملة تهدد استقرار المنطقة أو المصالح الصينية المباشرة.
في إطار المقاربة الصينية غير المباشرة لإدارة التصعيد، برز دور شركات صينية خاصة متخصصة في التحليل الاستخباراتي مفتوح المصدر، مثل شركة MizarVision، التي اعتمدت على أدوات مدنية وتقنيات تجارية لإنتاج معرفة أمنية عالية القيمة. فقد استخدمت هذه الشركات صور أقمار صناعية تجارية عالية الدقة، إلى جانب بيانات الطيران المفتوحة، وتحليل مواقع القواعد العسكرية وأنماط الانتشار، من أجل بناء صورة متكاملة للتحركات العسكرية الأميركية في المنطقة.
وقد تُرجمت هذه التحليلات إلى منتجات معلوماتية علنية شملت صورًا فضائية مشروحة، وخرائط انتشار، وبيانات رقمية دقيقة تتعلق بعدد الطائرات وأنواعها ومواقع تمركزها. ويكتسب هذا النمط من النشر أهمية خاصة من منظور استراتيجي، إذ يتيح كشفا معلوماتيا دون تدخل مباشر، ويقوض عنصر الغموض العملياتي، دون أن يرقى إلى مستوى الدعم الاستخباراتي الرسمي أو الالتزام السياسي. وبهذا المعنى، تمثل هذه الممارسات أداة نموذجية من أدوات المنافسة في المنطقة الرمادية، حيث يُستخدم الفاعلون غير الحكوميين لتوجيه إشارات استراتيجية، وإدارة الإدراك الإقليمي والدولي، مع الحفاظ على الغموض الاستراتيجي للدولة الصينية وتجنّب كلفة التصعيد المباشر.
من منظور نظري، يمكن فهم هذا السلوك باعتباره محاولة لتقويض احتكار الولايات المتحدة للتفوق الاستخباراتي دون السعي إلى تعطيل العمليات العسكرية فعليًا. فالكشف العلني عن الحشود والتحركات لا يمنع الضربة، لكنه يحد من عنصر المفاجأة، ويحوّل الفعل العسكري من عملية مغلقة إلى حدث مراقَب سياسيًا وإعلاميًا. وهذا النمط نعرفه في الأدبيات الاستراتيجية بالردع عبر الشفافية، حيث يستخدم الكشف المعلوماتي كوسيلة لرفع الكلفة السياسية والرمزية للقرار العسكري.
في الوقت ذاته، وفّر هذا النشر إشارة غير مباشرة لإيران دون تحميل الصين أي التزام سياسي أو عسكري. فبدل التواصل السري الذي قد يفسَّر بوصفه دعما مباشرا، اختارت بكين الإشارة العلنية، ما أتاح لطهران إدراك مستوى التصعيد وإعادة حساباتها الدفاعية، دون أن ينظر الي بكين علي انها تقديم دعم استخباراتي مباشر لايران. وهذا يفسره بعض الخبراء الصينين كجزء من استراتيجية الغموض الاستراتيجي تجاه مختلف الشركاء في المنطقة. فالصين، التي ترتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية متزايدة مع إيران ودول الخليج وإسرائيل والولايات المتحدة، تسعى إلى تجنب الحياد الاسترايتيجي، والاكتفاء بدور المراقب الفاعل الذي يدير التوازن دون الانحياز الكامل لأي طرف.
وعلى مستوى أعمق، يمكن النظر إلى الشرق الأوسط بوصفه مختبرًا تجريبيًا لاختبار أدوات التأثير منخفضة الكلفة التي قد تُستخدم لاحقًا في مسارح أكثر حساسية للصين، وعلى رأسها مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي. فاختبار فعالية الكشف دون التدخل والردع الإدراكي في الحالة الإيرانية يوفّر لبكين دروسًا قابلة للتعميم في سياق التنافس الاستراتيجي طويل الأمد مع الولايات المتحدة.
عامل اخري يتعلق بمصالح البقاء وهي استنزاف الموارد والاهتمام العسكري والسياسي الأميركي في الشرق الأوسط، بما يحدّ من قدرة واشنطن على تركيز جهودها في شرق اسيا. ويؤدي انشغال الولايات المتحدة بإدارة الأزمات المتكررة في المنطقة إلى تقليص هامش المناورة الاستراتيجية الأميركية في مواجهة الصين، ويفتح في المقابل مجالًا أوسع لبكين لممارسة ضغوط محسوبة في قضاياها الجوهرية، وعلى رأسها ملف تايوان.
ومن هذا المنظور وفي سياق الحرب المحدودة لا تظهر الصين تفضيلا لانتصار حاسم لأي طرف في الصراع بقدر ما تسعى إلى إبقاء المواجهة ضمن حدود التوتر المُدار، دون الانزلاق إلى حرب شاملة من شأنها تهديد الاستقرار الإقليمي أو المصالح الصينية الحيوية. وقد تجلى هذا التوجه في نمط الدعم غير المباشر لإيران كما يشير اليه المحللون في الصين والذي يتمثل في تعزز بشكل غير مباشر القدرات الدفاعية لإيران من خلال تقديم التعاون التكنولوجي المدني (مثل أنظمة الإنذار المبكر بالرادار وخدمات بيانات الأقمار الصناعية) والمساعدات الإنسانية، مع تجنب المساعدات العسكرية المباشرة. ويتوافق هذا النهج مع القواعد الدولية ويحافظ على التوازن الاستراتيجي الإقليمي. وبالتالي يساهم في تعزيز قدرتها على الصمود دون تمكينها من تحقيق تفوق نوعي، وبما يضمن استمرار انشغال واشنطن بالشرق الأوسط، واستنزاف تركيزها الاستراتيجي، وهو وضع ترى بكين أنه يتيح لها مساحة زمنية وسياسية أوسع لإعادة ترتيب موازين القوة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
مخاطر محتملة:
رغم ما سبق، تواجه هذه الاستراتيجية الصينية عدة مخاطر، أبرزها هي تصعيد غير محسوب قد يجبر إيران على طلب دعم عسكري أعمق من بكين. بالاضافة الي تضارب المصالح مع دول الخليج التي ترى في إيران تهديدًا طويل الأمد. ناهيك عن زيادة الضغوط الأميركية على الشركات الصينية بسبب المكونات ذات الاستخدام المزدوج. غير أن بكين تعتقد أنها قادرة على موازنة هذه التحديات من خلال دعم إيران اقتصاديًا وسياسيًا من جهة، وتعميق الشراكات مع الخليج من جهة أخرى.
باختصار تظهر المقاربة الصينية للتصعيد ضد إيران أن بكين لا تنظر إلى الضربة العسكرية بوصفها بداية نهاية النظام، ولا ترى في القوة الجوية أداة قادرة بذاتها على إحداث تحول سياسي حاسم. فالفارق بين إضعاف القدرات وزعزعة النظام يظل، من منظور صيني، فجوة استراتيجية لا يمكن تجاوزها بالضربات الجوية وحدها، خاصة في ظل غياب معارضة داخلية قادرة على استثمار الضغط الخارجي، واستمرار تماسك النخبة الأمنيةالعسكرية الإيرانية. وبالتالي فإن السلوك الصيني الذي جمع بين الدعوة العلنية للدبلوماسية، والاستمرار في الدعم الاقتصادي المحدود، واستخدام أدوات المنطقة الرمادية مثل إدارة الإدراك والكشف المعلوماتي غير المباشر يعكس في الواقع إدراكا عميقا لحدود التصعيد ولخطورة سوء الحسابات. فالصين لا تسعى إلى انتصار إيراني ولا إلى هزيمة ساحقة لطهران، بل إلى إبقاء الصراع ضمن نطاق التوتر المُدار الذي يحدّ من المخاطر الإقليمية، ويستنزف الانتباه الأميركي، دون تهديد مباشر للمصالح الصينية الحيوية، وعلى رأسها أمن الطاقة واستقرار مسارات الحزام والطريق.
ومن هذا المنظور، لا تعد الضربة ضد إيران نقطة تحوّل استراتيجية بقدر ما هي اختبار حقيقي لقدرة الأطراف كافة وفي مقدمتها الولايات المتحدة على إدراك أن تدمير الأصول العسكرية لا يعني بالضرورة تفكيك الأنظمة السياسية، وأن الإفراط في الثقة بالقوة قد يُفضي إلى إطالة الصراع بدل إنهائه، وهو سيناريو ترى بكين أنه قابل للإدار لكنه محفوف بالمخاطر.