انعكاسات أزمة الصحراء على احتمالات توصيل الغاز لـ إسبانيا

لا تزال أزمة تصريحات الحكومة الإسبانية بشأن دعمها لموقف المغرب فى قضية الصحراء الغربية تلقى بظلالها على المنطقة المتنازع عليها، حيث أعلنت جبهة البوليساريو في العاشر من أبريل الجاري عن تعليق الاتصالات مع الحكومة الإسبانية، ردًا على التغيير الذي طرأ على موقف مدريد من قضية الصحراء.

وقد كانت إسبانيا المستعمر السابق للصحراء، تلتزم الحياد فى الصراع بين الرباط والجبهة قبل أن تعلن فى 19 مارس الماضى دعمها لمبادرة المغرب، التى قدمتها فى  2007، باعتبارها وفقا لرؤيتها أكثر واقعية لتسوية أطول نزاع فى القارة الأفريقية، خاصة وأن المغرب طرح فيها فكرة السماح للإقليم بالحكم الذاتى تحت السيادة الغربية.

وتأسيسًا على ما سبق، يسعى هذا التحليل إلى توضيح أسباب التغير فى الموقف الإسباني، ومدى استجابة الجزائر للضغوط التى تواجهها من الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفائها الأوروبيين، وما إذا كان يمكنها الضغط عليها بورقة الغاز الطبيعي مع تزايد أزمة الطاقة فى أوروبا نتيجة الحرب الأوكرانية الروسية.

بداية الأزمة:

أثارت تصريحات وزير الخارجية الإسباني، التي تضمنت تأييد مدريد لموقف المغرب، باعتباره الحل الأكثر عادلة ومنطقية لتسوية أطول نزاعات القارة الإفريقية- حفيظة الجزائر، التى استدعت سفيرها فى مدريد على خلفية دعم إسبانيا المقترح المغربي بدلًا من إجراء استفتاء تقرير المصير، وهو المطلب الذى تدعمه الجزائر.

وقد أعلنت الجزائر عبر بيان وزير خارجيتها، نشرته بعض وسائل الإعلام الحكومية- أن السلطات الجزائرية استغربت الانقلاب المفاجئ فى موقف السلطة الإدارية السابقة للصحراء الغربية، وعليه فقد قررت الجزائر استدعاء سفيرها فى مدريد فورًا للتشاور .[1]

ومن جانبها عبرت جبهة البوليساريو فى بيان لها استغرابها من موقف الحكومة الإسبانية، واصفة البيانين الصادرين عن المغرب وإسبانيا، بأنهما بيانين للقوتين المحتلتين، معتبرة أن موقف الحكومة الإسبانية، يتناقض مع الشرعية الدولية، مشيرة إلى أن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي ومحكمة العدل الدولية، بالإضافة إلى محكمة العدل الأوروبية، وكل المنظمات الإقليمية والقارية- لا يعترفون بأي سيادة للمغرب على الصحراء الغربية.

وفى تصعيد جديد من قبل الجزائر بهدف الضغط على الحكومة الإسبانية، وإجبارها على تعديل موقفها تجاه قضية الصحراء الغربية، قررت الجزائر الإعلان عبر تصريحات مدير عام سوناطراك ( توفيق حكار) إمكانية مراجعة أسعار الغاز المصدر من الجزائر نحو إسبانيا، حيث تتيح العقود المبرمة بين الطرفين مراجعة عقود توريد الغاز بين الطرفين كل سنة أو كل سنتين، خاصة وأن أسعار الغاز الطبيعي قد شهدت ارتفاعًا كبيرًا، وغير مسبوق نتيجة أزمة الحرب الأوكرانية،  لذا فيحق للحكومة الجزائرية اقتسام فرق ارتفاع الأسعار مع الحكومة الأسبانية مع ثبات ذات الكمية المصدرة إلى أسبانيا دون تحريك .[2]

وفى ذات السياق،  فقد قررت الجزائر وقف كافة رحلات إعادة ترحيل مواطنيها من المهاجرين في إسبانيا، وذلك رداً على موقف الحكومة الاسبانية، التى تعتبره الجزائر خيانة إسبانيا التاريخية الثانية للشعب الصحراوي .

تداعيات سياسية داخلية:

ونتيجة لتلك القرارات واجه قرار سانشيز أصداء سلبية فى الداخل الإسباني، وذلك مع معارضة ممثلي معظم الكتل البرلمانية فى مجلس النواب لقرار رئيس الحكومة لما يتضمنه من تغيير جذري فى السياسة الخارجية للبلاد. وهو ذات ما قامت به الأحزاب الحليفة خلال جلسة البرلمان الأسباني، والتي اتهمت سانشيز بتخطي قرارات الأمم المتحدة بشأن المنطقة، والتى تتخطى الـــــــ 74 قرارًا من الأمم المتحدة حول ذلك النزاع .

ومن ناحية أخرى، اتهمت الأحزاب الاشتراكية واليسارية رئيس الحكومة بتغيير موقف الدولة دون استشارة البرلمان ودون الأخذ فى الاعتبار العلاقة مع الجزائر، والتى تُعد المورد الرئيسي للغاز إلى البلاد متهمين سانشيز بالتنازل أمام ابتزاز المغرب. [3]

أسباب التغير فى موقف إسبانيا:

هناك العديد من الأسباب التى أدت إلى تغيير الحكومة الإسبانية موقفها تجاه قضية الصحراء الغربية، منها الضغوط السياسية التى تواجهها من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، والتى فرضت على العديد من الدول الأوروبية تحديد موقفها إذا كانت إلى جانبها أم إلى جانب روسيا.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية، قد أيدت الموقف المغرب تجاه الحكم الذاتى للصحراء الغربية فى مقابل تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل، وذلك فى ديسمبر 2020، وهو ما أكدت عليه نائبة وزير خارجية الولايات المتحدة خلال زيارتها الأخيرة للمغرب على عدم تغيير الولايات المتحدة لموقفها خاصة مع متانة العلاقات بين المغرب وإسرائيل. [4]

 كما تسعى إسبانيا إلى الضغط على الجزائر من أجل تغيير موقفها، وتنضم للتحالف الغربى، خصوصًا بعد زيارة نائبة وزير الخارجية الأمريكية ويندى شيرمان إلى الجزائر لبحث إعادة تشغيل خط أنابيب الغاز، الذى يمر إلى إسبانيا عبر المغرب وهو ما قابلته الجزائر بالرفض .[5]

ويعود تدهور العلاقات بين المغرب وإسبانيا خلال العام الماضى عقب استقبال الأخيرة رئيس جبهة البوليساريو إبراهيم غالى فى أبريل 2021 للعلاج بعد إصابته بفيروس كورونا، فبعد هذه الزيارة شهدت كل من سبتة ومليلة التابعتين للسيادة الإسبانية تدفق موجات كبيرة من المهاجرين الراغبين بالدخول إلى أوروبا دون تدخل من الحكومة المغربية لوقفهم من أجل زيادة الضغط على الحكومة الأسبانية، كذلك قامت الحكومة المغربية بسحب سفيرها فى مدريد.

هذا بالإضافة إلى أن إسبانيا تنظر إلى الصحراء الغربية، باعتبارها منطقة اقتصادية مهمة، خاصة بعد الاستثمارات الضخمة التى ضخت فى إقليم وادى الذهب وملف الصيد البحرى، لذلك تسعى إسبانيا لاستغلال ذلك من خلال توطيد علاقتها مع المغرب، التى تسيطر على أكثر من 80 % من مساحة الإقليم البالغ مساحته 266 ألف كم 2 .[6]

ومن جانب أخر، تسعى الولايات المتحدة وحلفائها ألمانيا وفرنسا وإسبانيا إلى تحجيم الدور الروسي فى منطقة شمال أفريقيا، خاصة بعد المناورات الأخيرة التى شهدت أول تعاون فى المجال البحرى بين القوات الروسية والقوات الجزائرية فى نوفمبر الماضى، وهى المناورات التى شهدت مشاركة روسيا بالعديد من الفرقاطات البحرية المتطورة، والتى تحمل دلالات عديدة منها استمرار وتكثيف التعاون الاستراتيجى فى المجال العسكرى، وكذلك سعى روسيا إلى تطوير تواجدها فى منطقتي غرب المتوسط، ومنطقة الساحل الإفريقي بشكل خاص، تماشياً مع صعودها المتسارع كقوة دولية، ومنافس للقوى الكبرى فى العالم. [7]

ومن ناحية أخرى، تسعى الولايات المتحدة وحلفائها إلى الضغط على الجزائر بخصوص موقفها الداعم والمستمر للقضية الفلسطينية، والتى ترى الولايات المتحدة، أنها باتت عقبة رئيسية، خاصة مع تزايد موجات التطبيع من قبل الدول العربية فيما باتت القضية الفلسطينية فى ترتيب متأخر بالنسبة لأغلب تلك الدول، وهو ما يعنى زيادة لفرض إسرائيل هيمنتها على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعدم وجود موقف عربى موحد لدعم القضية الفلسطينية.

وختامًا، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفائها إلى ممارسة العديد من الضغوط على الجزائر من أجل تغير موقفها إزاء التعاون مع الجانب الروسي، سواء بالوعود بمزيد من الإغراءات الاقتصادية والتعاون فى المجالات الاقتصادية والأمنية من ناحية أو عبر الضغط على الجزائر فى العديد من الجوانب الحيوية، مع ضمان استمرار وفاء الجزائر بوعودها بإمداد الجزائر وايطاليا بالغاز الطبيعى اللازم لاحتياجاتهم، خاصة مع تفاقم أزمة الطاقة فى أوروبا. ومن ناحية أخرى تسعى الجزائر، لاستغلال كافة أوراق الضغط، التى تمتلكها من أجل عدم التفريط أو التنازل عن موقفها تجاه قضية الصحراء الغربية، والوصول إلى إقامة الاستفتاء المتعلق بحق تقرير المصير دون الاستجابة للضغوط الأمريكية الأوروبية.

[1]https://www.dw.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%AF%D8%B9%D9%8A-%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%B1%D9%87%D8%A7-%D8%A8%D9%85%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A5%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/a-61187229

[2]https://www.echoroukonline.com/%D9%87%D8%B0%D9%87-%D9%81%D8%B1%D8%B6%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9%D8%A9-%D8%B3%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B2-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6

[3]https://www.dw.com/ar/%D9%87%D9%84-%D8%A3%D9%88%D9%82%D9%81%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%87%D8%A7%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A5%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7/a-61333661

[4]https://www.independentarabia.com/node/316611/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1/%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%B6%D8%BA%D8%B7-%D8%A3%D9%85-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%A1%D8%9F

[5]https://www.dw.com/ar/%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A-%D9%80-%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%BA%D9%8A%D8%B1%D8%AA-%D8%A5%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81%D9%87%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D9%86%D8%B2%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/a-61184630

[6]https://www.bbc.com/arabic/middleeast-47184842

[7]https://al-ain.com/article/algeria-russia-maneuvers-strategic-cooperation

د. محمد فؤاد رشوان

رئيس برنامج الدراسات الأفريقية، الباحث حاصل على دكتوراه الفلسفة فى الدراسات الأفريقية من جامعة القاهرة، وكان يعمل مساعداً رئيس تحرير مجلة الشئون الأفريقية خلال الفترة من 2013 – 2018، وعضو مؤسس فى رابطة التواصل الأفريقي، ومحاضراً لدى مكتب الاتحاد الأفريقي بالقاهرة خلال الفترة من 2015 وحتى تاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى