إشارات إيجابية: هل تتحسن علاقة “واشنطن” بـ “أنقرة”؟

بعد مرور عام كامل على وصول جوبايدن للبيت الأبيض، وما تخلل هذه الفترة من فتور في العلاقات الأمريكية التركية، وصل إلى الشد والحزم أحيانا أخرى، نتيجة لسلسلة من الخلافات في عدد من الملفات بين البلدين، أبرزها امتلاك أنقرة لمنظومة الصواريخ الروسية وطرد تركيا بعد ذلك من برنامج مقاتلات إف ٣٥ الأمريكية، إلا أنه من الواضح أن الفترة الأخيرة تحمل إشارات إيجابية للتهدئة وتحسين مسار العلاقات مع أنقرة، ويأتي على رأسها إعلان الولايات المتحدة مؤخرا وقف دعمها لمشروع خط نقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر جزيرة كريت اليونانية ” مشروع إيست ميد “، وهو الأمر الذي اعتبره محللون بمثابة إشارة لبدء صفحة جديدة في العلاقات بين واشنطن وأنقرة.

وبناءا على ذلك، يحاول هذا التحليل رصد أهم الإشارات الإيجابية من قبل الولايات المتحدة للتهدئة مع أنقرة، والتي اعتبرت بمثابة استجابة لمبادرات أنقرة التي حاولت من خلالها استرضاء واشنطن، مع محاولة الوقوف على مصلحة واشنطن من ذلك بعد عام من الفتور في العلاقات بين البلدين.

تجاوب أمريكي:

حرصت الولايات المتحدة مراراُ عبر ألمانيا على منع الاتحاد الأوروبي من فرض عقوبات على تركيا على إثر نشاطاتها في شرق المتوسط، الأمر نفسه استمر في عهد بايدن، ومؤخرا قامت الولايات المتحدة بعدة إجراءات اعتبرها كثير من المحللين محاولة لإبقاء أنقرة داخل الحظيرة الغربية، بعدما واجهت صد أمريكي لشتى المحاولات التركية لتحسين العلاقات، وكان آخرها موافقة بايدن على طرد تركيا من برنامج مقاتلات إف ٣٥، وبالتالي ضمان عدم توجهها تماما ناحية موسكو، أهمها:

(*) وقف الدعم لمشروع إيست ميد: أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها لم تعد تمنح الأولوية لمشروع خط أنابيب إيست ميد، وأنها بدأت تعطي أولوية للمشاريع القائمة على الطاقة المتجددة والكهرباء في شرق المتوسط، ووفقا لوسائل إعلام تركية؛ فإن الخارجية الأمريكية أبلغت اليونان وإسرائيل بأنها توقفت عن دعم مشروع خط أنابيب الغاز سياسيا وماليا.

كما أنه وفقا لوسائل إعلام يونانية، فإن الموقف الأمريكي جاء متبنيا للحجة التركية بأن المشروع أصبح مصدرا للتوتر في شرق المتوسط، كما أن واشنطن وضعت بذلك الحكومة اليونانية أمام طريق مسدود في ظل عدم وضوح الموقف الإسرائيلي.

يذكر أنه تم توقيع اتفاق لمد أوروبا بالغاز الطبيعي المستخرج من شرق المتوسط من إسرائيل إلى قبرص ثم اليونان ومن بعدها إلى إيطاليا، وذلك في ٣ يناير ٢٠١٩، وقد انتقدت الخارجية التركية مشروع إيست ميد مؤكدة أن أي مشروع يتجاهل تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية لن يكلل بالنجاح، وهذا لأن أنقرة ترى أن المشروع ينتهك حقوق قبرص التركية والولاية البحرية لتركيا، وبالتالي لابد أن يتطلب موافقتهما أولا، كما أكدت _ أنقرة _ أنها لن تسمح لهذا الخط بالعبور عبر الجرف القاري التركي بدون موافقتها.

(*) بيع أنقرة مقاتلات إف ١٦: أعلن وزير الدفاع التركي خلوصي آكار منذ أيام عن بدء الأعمال الفنية بخصوص توريد المقاتلات الأمريكية من طراز إف ١٦ إلى بلاده من الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى تحديث المقاتلات الحالية الموجودة لدى أنقرة، وفي أكتوبر الماضي كان قد أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أن هذه الصفقة لها علاقة بمقاتلات إف ٣٥، وأن هذا العرض جاء من قبل الجانب الأمريكي وليس التركي، وذلك بعد موافقة بايدن على قرار سلفه ترامب بإخراج تركيا من برنامج مقاتلات إف ٣٥، بعد إصرارها على امتلاك منظومة الأسلحة الروسية إس ٤٠٠، رغم أن أنقرة كانت قد دفعت ما يقارب مليار و٤٠٠ مليون دولار لشراء المقاتلات، وأحجمت واشنطن بعد ذلك عن تسليمها إياها.

ووفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، توجد نية لدى جو بايدن لبيع أنقرة مقاتلات إف ١٦ الأمريكية، لترميم العلاقات مع أنقرة، في ظل وجود تفاؤل تركي في هذا الشأن، رغم معارضة الكونجرس، لذا قد يكون الموقف الأمريكي بتسليم أنقرة لطائرات إف ١٦ بدلا من إف ٣٥، تطبيقا عمليا لسياسة مسك العصا من المنتصف، فمن ناحية عاقبت أنقرة بحرمانها من امتلاك منظومة باتريوت الحديثة، ومن ناحية أخرى استرضاء تركيا بتسليمها إف ١٦، كمحاولة لاحتوائها، وذلك بعد تهديده بالتوجه إلى روسيا حال الامتناع عن بيعه الطائرات، خاصة بعد إعلان أردوغان طرد سفراء عشر دول غربيين، من بينهم الولايات المتحدة، وعدوله عن القرار بعد ذلك بعد اعتذار دول السفراء عن التدخل في الشئون الداخلية لتركيا. وقد يكون الطلب التركي للمقاتلات في حد ذاته اختبارا لعلاقاتها بواشنطن، للتعرف عما إذا كانت قد تخلت تماما عن تركيا أم لا في ظل وجود بايدن المعروف بعداوته الشخصية لأردوغان على رأس السلطة.

(*) تعيين سفيراً جديدا لدى أنقرة معروفا بمواقف إيجابية تجاه أنقرة: فقد تم تعيين جيف فليك سفيرا للولايات المتحدة لدى تركيا، وهو ينتمي للحزب الجمهوري، ويعتبر من أبرز منتقدي ترامب من داخل الحزب الجمهوري، كما أنه قد يمثل من جهة أخرى انسجاما مع تركيا، وذلك بالنظر إلى أن العلاقات التركية مع السفراء الديمقراطيين لم تكن على ما يرام إلى حد كبير، وذلك وفقا لبعض المحللين الأتراك، فقد يكون ذلك بادرة لتحسين العلاقات بين البلدين وتقريب وجهات النظر، باعتبار أن مهمة السفراء من المفترض أن تكون بناءة وليس العكس.

خاصة وأن فليك له مواقف معلنة سابقة قد ينظر لها الجانب التركي بإيجابية، مثل عدم تأييده للاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن في ١٩١٥ من قبل الكونجرس الأمريكي، كما إنه لم يصوت لصالح قرار عدم بيع طائرات إف ٣٥ لتركيا، وبالتالي فإن قرار تعيين جيف فليك سفيرا لدى أنقرة لم يأت مجردا أو بمحض الصدفة، وإنما قد يحمل رسائل إيجابية للتهدئة وخلق جو من الحوار مع أنقرة.

بعد مبادرة تركية:

كانت الاستجابة الأمريكية بعد محاولات كثيرة من قبل أنقرة لاسترضائها وعودة العلاقات لطبيعتها، وكان أهمها:

(&) تركيا لمطار كابل: قد يكون الموقف الأمريكي جاء في إطار الدور التركي الذي يدعم الاستراتيجية الأمريكية بعد الانسحاب من أفغانستان، بأن تعهد لأنقرة بحماية وتشغيل مطار كابل بالاتفاق مع حركة طالبان، واستغلال علاقاتها الجيدة بالحركة، وهو ما تعتبره واشنطن فرصة لبقاء دولة ضمن الناتو في أفغانستان، وبالفعل فقد اتفقت تركيا وقطر على تأمين وتشغيل مطار كابل بعد حصولهما على الموافقة من قبل حركة طالبان، بعد الاتفاق على إطار عمل أمني للمهمة، وذلك بعد أن كشفت مصادر دبلوماسية تركية عن التوصل إلى اتفاق مبدئي مع حكومة طالبان حول تشغيل مطار كابل و٤ مطارات أخرى في أفغانستان، وذلك بعد زيارة أجراها وفد تركي قطري إلى أفغانستان أواخر ديسمبر الماضي، وانتهت بتوقيع مذكرة تفاهم بين شركتين من تركيا وقطر لهذا الغرض على أساس الشراكة المتكافئة.

(&) استعادة علاقتها بإسرائيل: صرح أردوغان عن ضرورة استعادة العلاقات مع القاهرة وتل أبيب، وأكد في أكثر من مناسبة على أهمية العلاقات بين أنقرة وتل أبيب في تحقيق أمن واستقرار المنطقة، ومنذ أيام أعلن عن وجود محادثات مع أطراف إسرائيلية في الفترة الماضية، كما أعلن عن زيارة مرتقبة للرئيس الإسرائيلي قريبا. وفيما يتعلق برفض الولايات المتحدة لمشروع خط غاز إيست ميد، والذي يضم اليونان وقبرص وإسرائيل، أوضح أردوغان أن القرار الأمريكي جاء بعد أن رأت واشنطن عدم جدواه بعد تحليل التكلفة، كما أشار إلى وجود محادثات مع إسرائيل في هذا الشأن، وقد يتم نقل الغاز إلى أوروبا عن طريق تركيا، كما أشار أيضا خلال مؤتمر صحفي إلى أن الرئيس ورئيس الوزراء الإسرائيلي يبعثون برسائل إيجابية إلى أنقرة في هذا الشأن. وبناءا على ذلك ألمح البعض بالنظر إلى تراتب الأحداث إلى وجود ترتيبات لتحل أنقرة محل أثينا في مشروع إيست ميد نفسه أو مشروع جديد مشابه، في ظل إشارة الجانب اليوناني عن عدم وضوح موقف إسرائيل من القرار الأمريكي حتى الآن.

فبعد أيام من إعلان واشنطن كف يدها عن مشروع إيست ميد، بادر أردوغان بإطلاق إشارات إيجابية عديدة عن رغبته في استعادة العلاقات مع إسرائيل من أجل الدخول في مباحثات حول مشروع لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر تركيا، هذا فضلا عن لقائه بأعضاء الجالية اليهودية في تركيا بالقصر الرئاسي أواخر العام الماضي. ورغم أن العلاقات التركية الإسرائيلية دخلت في إطار جدى لتطبيع العلاقات منذ عدة أشهر بعد سلسلة من التصريحات والاتصالات التي وصفت بـ ” المثمرة “، إلا أن الأيام الأخيرة شهدت تحركات مكثفة من الجانب التركي لتسريع تلك الخطوة.

وفي النهاية يمكن القول، إن إبداء الولايات المتحدة نوعا من المرونة واللين في التعامل مع أنقرة، كان ضروريا لها، أيا كان الهدف منه، سواء لاسترضاء تركيا بعد حرمانها من امتلاك إف ٣٥ وغيرها من المواقف الأمريكية المتصلدة، أو الموازنة بينها وبين اليونان باعتبار الأخيرة خصم أنقرة في شرق المتوسط، حيث جددت الولايات المتحدة اتفاقية دفاع قديمة بينها وبين اليونان، بما يسمح لها بتمديد تواجدها العسكري هناك، في الوقت الذي يقترح فيه البعض أن اليونان قد تكون بديلاً لتركيا من حيث نشر القواعد الأمريكية، كما قد يكون في إطار استراتيجية تهميش أو إنهاء معارك جانبية للتفرغ لمعركة أساسية، ألا وهي مواجهة روسيا والصين كما هو محدد في الاستراتيجية الجديدة لجو بايدن، وقد يكون لتحقيق كل تلك الأهداف في آن واحد.

هذا بالإضافة إلى أن واشنطن مهما بلغت درجة خلافاتها مع أنقرة فإنها لن تضطر للتضحية بها باعتبارها ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، كما أن انسحاب واشنطن من الشرق الأوسط يوجب عليها الحفاظ على علاقاتها بأنقرة باعتبارها فاعل أساسي في المنطقة، وقد يتلخص كل ذلك في رغبة واشنطن في عدم خروج أنقرة من العباءة الأمريكية، وقد يكون بايدن قد تعلم الدرس من سلفه الذي عندما تجاهل تركيا تماما توجهت لروسيا وعقدت معها صفقة صواريخ إس ٤٠٠، والتي تعتبر بدورها بمثابة الخنجر في ظهر العلاقات الأمريكية التركية والذي يعرقل استعادتها حتى الآن بشكل طبيعي.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى