كيف ساهمت إدارة “بايدن” في تصعيد حركة طالبان؟

أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن عن تسريع وتيرة خطة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ودافع عن قراره بسحب القوات الأمريكية مؤكداً على أن مهمة القتال ضد متمردي طالبان يجب أن تقع على عاتق القوات الأفغانية بعد أن انفق الجيش الأمريكي المليارات على تدريب تلك القوات وتجهيزها، وجاء ذلك القرار  في أعقاب استمرار حركة طالبان إحكام قبضتها على البلاد والنجاح في تحقيق تقدم سريع من خلال السيطرة على 65% من البلاد والاستيلاء على 8 من عواصم أقاليم أفغانستان البالغ عددها 34 وأكثر من 150 منطقة في عموم البلاد، ودخول العاصمة كابول والمطالبة بإجراء محادثات مع الحكومة الأفغانية لسليم كابول بالكامل سلمياً.

وفي خضم تلك التطورات الراهنة يحاول هذا التحليل تسليط الضوء على التحركات الأمريكية المدروسة والمخطط لها بعناية للتصدي لموجة الانتقادات التي تعرضت لها إدارة بايدن نتيجة قرار الانسحاب من أفغانستان، وما هي دلائل مضاعفة بايدن من وتيرة الانسحاب الأمريكي، وأبرز التحديات التي من المتوقع ان تواجهها إدارة بايدن خلال الفترة المقبلة.

خطوات أمريكية محسوبة:  

تحاول إدارة بايدن التنصل من المسئولية أمام المجتمع الدولي، إزاء التقدم السريع لحركة طالبان والمكاسب الكبيرة التي حققتها خلال الأيام الماضية، وذلك من خلال التحرك بين عدة قنوات مختلفة على النحو التالي:      

(*) الدفاع عن قرار الانسحاب ومهاجمة دونالد ترامب: أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن على انه لا يشعر بالندم بشأن قراره بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان، وأن الوجود العسكري الأمريكي إلى أجل غير مسمى ليس خيارًا مطروحاً، لأنه أجبر على اتخاذ هذا القرار نتيجة إرث الرئيس السابق دونالد ترامب الذي أبرم صفقة مع طالبان تركتهم في وضع عسكري قوي منذ عام 2001 في إشارة إلى اتفاق الدوحة الموقع فبراير 2020 وسحب 2500 جندي قبل أن يترك منصبه وفرض الأول من مايو 2021 موعدًا نهائيًا لانسحاب القوات الأمريكية.

(*) إتباع سياسة أمريكية متناقضة مع القيادة الأفغانية: على الرغم من توجيه الرئيس جو بايدن بنفسه انتقادا لاذعاً للقيادة الأفغانية الأسبوع الماضي، مشيراً إلى أن واشنطن قد استثمرت أكثر من تريليون دولار على مدى عقدين، في تدريب أكثر من 300 ألف جندي أفغاني وتجهيزهم بمعدات حديثة، وتحذير المتحدث باسم البنتاجون “جون كيربي”، من اعتبار استمرار الدعم الجوي الأمريكي “المنقذ الوحيد” للوضع الأمني المتدهور في أفغانستان، خاصة وأن الحكومة الأفغانية لديها ما تحتاجه لوقف تقدم طالبان، وأشار إلى أن عدد القوات الأفغانية في إشارة إلى 300 ألف جندي الذين تم تدريبهم وتجهيزهم، يفوق عدد مقاتلي طالبان الذين يقدر عددهم بنحو 75 ألفًا، بل و تصر إدارة بايدن على أن الأمر متروك الآن للحكومة الأفغانية للفوز أو الخسارة في هذه الحرب المستمرة منذ عقود، إلا أن بايدن في الوقت نفسه قام بتوجيه وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن بضرورة توفير الدعم إلى الرئيس الأفغاني أشرف غني والقادة الأفغان الآخرين في سعيهم لمنع المزيد من إراقة الدماء والوصول إلى تسوية سياسية.

(*) استمرار الترويج إلى إمكانية تغيير سلوك طالبان: تحاول إدارة جو بايدن الترويج للرؤية الأمريكية التي تفيد بأن إعطاء حركة طالبان الموافقة الدولية التي تطمح إليها قد تؤثر على تصرفاتها وتهدئة سلوكها من خلال استئناف محادثات السلام بين طالبان والمسئولين الأفغان التي تعثرت وسط تصاعد العنف، وفي إطار تحقيق ذلك أرسل جو بايدن المبعوث الأمريكي الخاص لأفغانستان “زلماي خليل زاد ” إلى الدوحة هذا الأسبوع لإجراء مفاوضات مع مسئولي طالبان.

(*) تقليص مهام البعثة الدبلوماسية الأمريكية: في إشارة إلى مخاوف واشنطن من أن طالبان قد تستولي على العاصمة كابول، قام موظفو السفارة الأمريكية في كابول مطلع الأسبوع الجاري، بإتلاف الوثائق الحساسة مثل الأغراض التي تحمل شعار وزارة الخارجية الأمريكية والسفارة، والتي يمكن أن تستغلها طالبان لأغراض دعائية.

مؤشرات تسريع خطة الانسحاب الأمريكية:

على الرغم من التقدم السريع لطالبان، لم يُظهر بايدن أي علامة حول إمكانية إبطاء أو التراجع عن قرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بل على العكس من ذلك ضاعف بايدن خلال الأيام الماضية من وتيرة الانسحاب، ويمكن تتبع ذلك في النقاط التالية:

(&) زيادة انتشار القوات الأمريكية في أفغانستان: أجرى بايدن مشاورات مع فريق الأمن القومي التابع له مطلع الأسبوع الجاري، حيث سمح بإرسال 1000 جندي أمريكي إضافي إلى أفغانستان، مما رفع عدد القوات الأمريكية إلى ما يقرب من 5000 لضمان ما أسماه بايدن “انسحابًا منظمًا وآمنًا” للأفراد الأمريكيين والحلفاء الأفغان والمساعدة في تنظيم عمليات الإجلاء وإنهاء المهمة الأمريكية بعد 20 عامًا.

(&) الاستعانة بمشاة البحرية الأمريكية: أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية وصول وحدة جديدة من مشاة البحرية الأمريكية إلى كابول يوم السبت كجزء من قوة قوامها 3000 جندي وذلك بعد يوم واحد من وصول الدفعة الأولى من القوات البحرية، حيث شدد المسئولون على أن مهمة تلك القوات تقتصر على مساعدة الجسر الجوي لموظفي السفارة والحلفاء الأفغان، ويتوقعون استكمالها بحلول نهاية الشهر، لكن قد تضطر إلى البقاء لفترة أطول إذا تعرضت السفارة للتهديد من قبل سيطرة طالبان على كابول بحلول ذلك الوقت.

(&) حدود الاستمرار في توفير غطاء جوي أمريكي: على الرغم من تأكيد بايدن على مواصلة واشنطن تقديم الدعم الجوي الوثيق، ودفع رواتب الجيش الأفغاني، وتزويد القوات الأفغانية بالغذاء والمعدات العسكرية، بالإضافة إلى مواصلة الجيش الأمريكي شن غارات جوية لدعم القوات البرية الأفغانية في مواجهة حركة طالبان، إلا أن وزارة الدفاع الأمريكية رفضت تحديد عدد القنابل التي تم إسقاطها أو الأهداف التي تم قصفها لدعم الأفغان خلال الأسابيع العديدة الماضية، كما أن الطائرات الحربية الأمريكية التي تم سحبها جميعًا من أفغانستان كجزء من خطة الانسحاب، تستغرق عدة ساعات للوصول إلى أهداف من قواعد إقليمية أخرى، الأمر الذي يطرح تساؤل حول ما إذا كان البيت الأبيض سيستمر في توفير غطاء جوي للقوات الحكومية ما بعد 31 أغسطس أم سيقصر غاراته الجوية على استهداف الجماعات الإرهابية الأخرى مثل داعش والقاعدة.

خلاصة القول، خلقت التطورات الأخيرة في أفغانستان والانهيار السريع للقوات الأفغانية في مقابل التقدم السريع لحركة طالبان ودخول العاصمة كابول تحديات جديدة لإدارة بايدن، والتي تمثلت في إعطاء أعضاء الحزب الجمهوري جبهة أخرى للمناورة حيث انتقد عدد من الجمهوريين مثل النائب مايكل والتز، و السناتور توم كوتون، استراتيجية بايدن الخاطئة في أفغانستان والتي أدت إلى انهيار البلاد على غرار انسحاب القوات الأمريكية من العراق في عهد الرئيس السابق أوباما، مما أدى إلى صعود تنظيم داعش وبالتزامن مع ذلك دعا زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل بايدن إلى تقديم المزيد من الدعم الجوي للقوات الأفغانية، بينما يتمثل التحدي الثاني في تسليط الضوء على فشل الاستخبارات الأمريكية وحدود قدراتها، والتي ظلت حتى وقت قريب بعد إعلان بايدن في ابريل الماضي عن قرار الانسحاب، التأكيد على أمريين رئيسيين هما قدرات الجيش الأفغاني في الدفاع عن المدن الرئيسية ومقاتلة حركة طالبان، وعدم إمكانية استيلاء الحركة على أي من عواصم الأقاليم، وأخيراً يشكك قرار اللحظة الأخيرة بإعادة إدخال الآلاف من القوات الأمريكية إلى أفغانستان في ما إذا كان بايدن سينجح في الالتزام بالموعد النهائي المحدد في 31 أغسطس لسحب القوات القتالية بالكامل في إطار  سياسته الخارجية بإنهاء حروب أمريكا الأبدية.

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى