بعد تولى “بينت”.. هل تشهد العلاقات الإيرانية الإسرائيلية مزيداً من العداء؟

يخفي الخطاب العدائي المتبادل بين إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي خلفه تاريخًا من التعاون المشترك، حيث كانت إيران من أوائل الدول التي اعترفت بدولة الاحتلال بعد تأسيسها، وما بين وصف إسرائيل لإيران بـ”النازيين الجدد” وتبادلها إيران بوصفها إسرائيل “بالشيطان الأصغر”، فإن التاريخ يؤكد أن الغريمين طالما جمعتهما المصالح المشتركة، فإيران وإسرائيل ليستا في صراع أيديولوجي كما يتخيل الكثيرون، وذلك كون المصالح الإستراتيجية بين إيران وإسرائيل تتقاطع في أكثر من مفصل وتحكمها البرجماتية لا غير، بعيدًا عن أي خطاب أيديولوجي.

الموقف الإسرائيلي من “رئيسي”:

تعد الدعاية المتبادلة التي انتهجت نهجاً واحداً هو العداء المتبادل حيث اتسمت تصريحات السياسيين الإيرانيين ضد إسرائيل بالعداء بدءًا من “الخميني” وانتهاءً بـ”رئيسي” بتبني وجهات نظر شديدة المحافظة، وتقابلها أيضاً تصريحات من الجانب الأخر فقد صرحت الخارجية الإسرائيلية بأن ” الرئيس الإيراني الجديد “رئيسي” الأشد تطرفًا بين رؤساء إيران حتى الآن، محذرًا من أن يكثف القائد الإيراني الجديد أنشطة بلاده النووية، وأن انتخاب إبراهيم رئيسي، رئيساً لإيران حريّ بأن يثير قلقاً بالغًا لدى المجتمع الدولي”، كما وصف متحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، رئيسي بأنه “الأشد تطرفًا بين رؤساء إيران حتى الآن، محذرًا من أن يكثف القائد الإيراني الجديد أنشطة بلاده النووية”.

ويظن البعض أن الحرب بين إيران وإسرائيل قد تندلع بين لحظة وأخرى، وإن وصف «إسرائيل» بالشيطان الصغير دائماً، سمح لإيران بالظهور كبطل للقضية الفلسطينية، هذا ظاهر الأمور ومهما كانت مشتعلة إعلامياً، فالحقيقة لا تجدها في وسائل الإعلام ولا في التصريحات السياسية النارية، بل تجدها على أرض الواقع، ولو نظرنا إلى علاقات  إسرائيل وإيران، نجد أن للطرفين هدف واحد يتمثل في تقاسم الوطن  العربي بينهما، فهناك اتفاق بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، يسمح لإيران بالتمدد واستعداء العرب للتخفيف من العداء العربي لإسرائيل. بعبارة أخرى هناك اتفاق بين إسرائيل وإيران على تقاسم العداء مع العرب.

وعليه؛ فالمتأمل لكل من “علاقات إسرائيل وإيران” يجد أنها اتسمت بالبرجماتية وعداؤهما لا يتعدى ظاهرة التصريحات الإعلامية وأن كلتيهما تلتقي في نقاط عديدة أهمها الهيمنة على المنطقة وهزيمة العرب سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واستغلال ثرواتهم، لتجارة الأسلحة بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وإيران تاريخ طويل ممتد منذ أيام الشاه وحتى بعد وصول الملالي لحكم إيران بعد الثورة الإيرانية.

وصفت الحكومة الإسرائيلية الجديدة بقيادة نفتالي بينيت، قائلاُ إن “انتخاب إبراهيم رئيسي رئيساً لإيران، هو إشارة للقوى الدولية لـ”الاستيقاظ”، وجاء ذلك في بيان، عقب انعقاد الحكومة الإسرائيلية الجديدة، لأول مرة من تشكيلها، وقال بينيت: “أختير في إيران في نهاية الأسبوع رئيس جديد، وهو إبراهيم رئيسي. ومن بين كل الأشخاص الذين استطاع خامنئي اختيارهم – فلن يكون هناك أي شك بأن الجمهور الإيراني لم ينتخبه بل خامنئي سمح له بالإدلاء بصوته فقط – إنه اختار (الجلاد) من طهران”، وأضاف: “هذا الشخص سيء السمعة بنظر الشعب الإيراني والعالم أجمع لدوره في لجان الموت التي قامت بإعدام معارضي للنظام”.

وتابع: “رئيسي يتحمل شخصيا المسؤولية عن قتل آلاف عديدة من المواطنين الإيرانيين الأبرياء”، وشدد رئيس الوزراء الإسرائيلي على أنه “يجب أن ألا يمتلك نظام الجلادين (يقصد إيران) أسلحة دمار شامل”، كما صرح مسئول أمني إسرائيلي إن بلاده يجب أن تستعد لوضع خطط لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية بعد الإعلان عن فوز رئيسي.

ويعتقد مسئولون أمنيون إسرائيليون أن الرئيس الإيراني الجديد سيتبنى الآراء المتشددة للمرشد علي خامنئي بشأن السياسة الخارجية والنووية، كما ذكرت القناة (12) الإسرائيلية، أن “مؤسسة الدفاع الإسرائيلية تعرف جيدا إبراهيم رئيسي، وهو معروف باسم (الجزار)، ويُعرف أيضاً بأنه رجل أكثر تحفظًا وتطرفًا من سلفه في المنصب، حسن روحاني”.

تبادل الاتهامات الإعلامية:

صاغ رئيس الوزراء الأول لإسرائيل “ديفيد بن جوريون” مبدأ استراتيجياً في تحالفات إسرائيل، وهو التحالف مع الدول والمكونات غير العربية في المنطقة، خاصة إيران وتركيا، لتتقوى بها ضد العرب، وهو المبدأ الذي لاقى قبولاً لدى إيران وتركيا لتكون إسرائيل أداة ردع للبلاد العربية التي تكافح ضد تمدد النفوذ الإيراني والتركي، ولا تصطدم إيران بإسرائيل إلا في حدود إذا ما تعدت إحداهما على نفوذ الأخرى، ولكنهما دائمتا التحالف حين يتعلق الأمر بتدمير دولة عربية ولم يختلف التحالف في عهد شاه إيران عن عهد الخميني، إلا في أنه بعد ثورة الخميني عام 1979 أصبح تحالفاً مستتراً، يجري عبر وسطاء، لتحافظ إيران على صورتها المزعومة بأنها نصيرة للقضية الفلسطينية وقائدة لما تصفه بالصحوة والمقاومة الإسلامية، لذلك تعد المصالح المشتركة بين إسرائيل وإيران من ركائز العلاقة بينهما.

وفي إيران كما في “إسرائيل”، تبدو لعبة الردع المتبادل متكاملة تماماً، وتكمن المشكلة في أنها تتعارض مع الاعتبارات السياسية الداخلية التي تخلط الأوراق أحياناً وتفضّل الميل إلى الفصائل المحافظة الأكثر شعبية، وفي إيران، ترى السلطة الحاكمة أن امتلاك ترسانة نووية هو وسيلة لردع أي معتدٍ محتمل، كما أن مثل هذه الترسانة ستضمن لإيران أيضاً استقلالها عن هيمنة القوى الخارجية، سواء كانت روسيا أو المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة.

فمنذ أن أعلن عن قيام دويلة الاحتلال في مايو 1948، حافظت “إسرائيل” دائماً على علاقات ممتازة مع إيران البهلوية التي اشتركت معها في نفس الإرادة لاحتواء أو للوقوف في وجه المعسكر العربي، وكان الشاه ثاني زعيم دولة ذات أغلبية مسلمة يعترف بـ”إسرائيل” بعد تركيا، وعلى مدى خمسة وعشرين عاماً، كانت “إسرائيل” تحصل على النفط من إيران، التي كانت تمول بناء خط أنابيب إيلات – عسقلان في حين وفرت شركة طيران العال صلة مباشرة بين العاصمتين، فضلاً عن التعاون العسكري كان يسير على قدم وساق بالفعل، وكذلك الاتصالات بين الموساد والسافاك.

مستقبل المفاوضات الإيرانية في ظل الرئيس الجديد:

إن سياسة المتشددين التي ينتمي إليها “رئيسي” الإدارة المحافظة قد تختلف عن نظيرتها الإصلاحية أو المعتدلة في عدد من الطرق، مما يسمح لنا بعمل تنبؤات حول مستقبل السياسات الإقليمية، وحول مسار العلاقات الإيرانية الإسرائيلية، وتحدد خريطة المستقبل لعلاقتهما وللمنطقة بين إيران و”إسرائيل”، هناك شيئاً واحداً أن المنطقة – وكلا الطرفين – يعيشان لحظة محورية.. وهذه الأمور بشأن المفاوضات:

الأمر الأول: إيران معنية بالتوقيع على اتفاق، لكنها تنتظر تولي رئيسي منصبه، مطلع شهر أغسطس المقبل، من أجل أن يتمكن من كسب رصيد عبر هذه الخطوة، ويحصل على “شرعية دولية”.

الأمر الثاني: المفاوضات بين إيران والقوى الكبرى قريبة من الانفجار، و”تعيين” رئيسي يدلّ على نية إيرانية في وضع “مطالب متطرفة” في المفاوضات، لا يرغب المجتمع الدولي في الاستجابة لها.

الأمر الثالث: إيران ستُبطئ، بصورة متعمّدة، وتيرة المفاوضات مع القوى الكبرى، على نحو يؤدي إلى المراوحة في المحادثات، عدة أشهر، وخلال هذه الفترة، تقوم بتسريع جهودها من أجل تحقيق أهداف جوهرية في المجال النووي، لتستخدمها رافعةَ ضغط في المفاوضات، ويحظى هذا السيناريو بأنه الأوفر حظاً، بالرغم من أنه يخفي الخطاب العدائي المتبادل بين إيران وإسرائيل تاريخاً من الخلافات والمصالح، كثيرون في إيران وفي «إسرائيل» يدركون بشكل بديهي قيمة الحوار غير الرسمي بينهما، لكنهم يشعرون أنه من السابق لأوانه إعادة البدء به. وعلى الجانبين، يتعاون الشعوبيون والمحافظون من أجل تحسين مواقفهم على الأرض، بينما يرفع البراجماتيون شعار الرهانات. ففي طهران، يقتنع معظم القادة بأن المعركة ضد المملكة العربية السعودية تظل هي الأولوية ويجب عليهم أولاً إضعاف الرياض للتفاوض مع «تل أبيب» وهم في موقف أكثر ملاءمة. أما في «إسرائيل»، فتبقى الحكومة التي تخشى تقديم تنازلات بشأن القضية الفلسطينية تحت تأثير الولايات المتحدة وروسيا، حازمة للغاية وتسعى أولاً إلى تقليم أظفار حزب الله دون الذهاب إلى حد إثارة صراع إقليمي، من أجل تقليص منطقة العمل الإيرانية في اليوم الذي سيتحدث فيه الطرفان بشكل حتمي، ومن غير المرجح أن تتحقق هذه الفرضية.

وترتيبا لما سبق، أن احتمال حصول إيران في نهاية المطاف على القنبلة الذرية يثير قلق الاستراتيجيين الإسرائيليين ليس لأنهم يخشون من أن طهران ستستخدم هذه القنبلة ضدهم أو تعطيها إلى جماعة إرهابية (فهم يعرفون أن قادة إيران أكثر عقلانية من ذلك)، ولكن لأنهم يريدون أن تكون “إسرائيل” القوة النووية العسكرية الوحيدة في الشرق الأوسط وحينها يمكنها الاستمرار في فرض هيمنتها دون التعرض لخطر التصعيد مع جهة فاعلة أخرى قادرة على تحدي احتكارها لهذا الأمر، علاوة على ذلك، يخشى المسئولون “الإسرائيليون” من حدوث تسابق على الانتشار النووي في المنطقة، الأمر الذي من شأنه أن يشجع تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر للحصول بدورهم على هذا السلاح المتفوق. ورغم أن كلا من إيران وإسرائيل يحملان مشروعا خاصاً بكل طرف منهما لاحتلال منطقة الشرق الأوسط- استناداً لمعتقدات دينية كثير منها مصطنع لتبرير الاحتلال- إلا أن كلا منهما عون قوي للآخر في تدمير دول المنطقة، لتخلو الساحة من الجيوش القادرة على مواجهتهما.

*  * * * * * * * * * * * * * * * *                                                       * * * * * * * * * * * * * * * * *

ملحق على التحليل

واقع العلاقات الإيرانية الإسرائيلية في نقاط من إعداد كاتبة التحليل:

  • ذكرت صحيفة يدعوت أحرنوت: أكثر من 30 مليار دولار حجم الاستثمارات الإسرائيلية داخل الأراضي الإيرانية وتعاون اقتصادي غير مسبوق رغم الإعلان الرسمي عن عداوات متبادلة.
  • صحيفة يديعوت أحرنوت ذكرت، أن أكثر من 200 شركة إسرائيلية على الأقل تقيم علاقات تجارية مع إيران وأغلبها شركات نفطية تستثمر في مجال الطاقة داخل إيران
  • كنائس اليهود في طهران وحدها تجاوزت200 معبد يهودي بينما أهل السنة في طهران عددهم مليون ونصف لا يسمح لهم بالصلاة في مساجدهم.
  • تستفيد إيران بأكثر من 12000ألف يهودي من إيران متواجدين في الولايات المتحدة ويشكلون رأس الحربة في اللوبي اليهودي ومنهم أعضاء كثر في الكونجرس ومجلس الشيوخ بالضغط على الإدارة الأمريكية لمنع ضرب إيران مقابل تعاون مشترك تقدمه إيران لشركات يهودية.
  • تجاوز عدد يهود إيران في إسرائيل 200000ألف يهودي ولهم نفوذ واسع في التجارة والأعمال والمقاولات العامة والسياسة ونفوذ أكبر في قيادة جيش اليهود.
  • توجد ليهود إيران إذاعات تبث من داخل إسرائيل ومنها إذاعة راديس التي تعتبر إذاعة إيرانية متكاملة كما توجد لديهم إذاعات على نفقة دولة إيران.
  • في إيران ما يقرب من 30000 ألف يهودي وتعتبر إيران أكبر دولة تضم تجمعات كبيرة لليهود خارج دولة إسرائيل ولم يقطعوا تواصلهم بأقاربهم في إسرائيل.
  • كبار حاخامات اليهود في إسرائيل هم إيرانيون من أصفهان ولهم نفوذ واسع داخل المؤسسات الدينية والعسكرية ويرتبطون بإيران عبر حاخام معبد أصفهان.
  • الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كاتساف إيراني من يهود أصفهان وتربطه علاقات ودية وحميمية مع نجاد والخامنئي وقادة الحرس الثوري لكونه من يهود إيران.
  • يحج يهود العالم إلى إيران لأن فيها جثمان بنيامين شقيق نبي الله يوسف عليه السلام وفاق حب اليهود الإسرائيليين لإيران أكثر من حبهم لمدينة القدس.
  • إيران بالنسبة لليهود هي أرض كورش مخلِّصهم وفيها ضريح ” استر ومردخاي” المقدس وفيها توفي النبي “دانيال” ودفن النبي “حبقوق” وكلهم أنبياء مقدسون عند اليهود.
  • استمرار التعاون “الإسرائيلي- الإيراني” في العديد من المجالات أهمها التسلح حيث كانت إسرائيل المصدر الأول لسلاح إيران في الفترة من 1980 إلى 1985.

 

 

د.سهرة القاسم

رئيس برنامج دراسات الخليج العربي. حاصلة على الدكتوراه في موضوع أثر التنافس التركي الإيراني على الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة – رئيس قسم الرصد والتحليل بالمركز الإعلامي لمجلس الوزراء-مدرس مادة الرأي العام والإعلام جامعة الإسكندرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى