100 يوم على تولى “بايدن”.. ماذا تحقق داخل أروقة البيت الأبيض؟

واجه الرئيس جو بايدن بعد أن أدى اليمين الدستوري منذ أكثر من ثلاثة أشهر، تحديات غير مسبوقة، تتراوح بين جائحة عالمية وأزمة اقتصادية وأمة تعاني من الانقسامات السياسية والعرقية، وفي سبيل مواجهة تلك التحديات وعد الرئيس بسلسلة من الإجراءات السريعة والشاملة.

وبعد مرور 100 يوم على تولى ” بايدن” رئاسة أمريكا، وبالتزامن مع خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه أول مرة مساء الأربعاء 28 إبريل 2021، أمام أعضاء مجلسي النواب والشيوخ في جلسة مشتركة لغرفتي التشريع في الكونجرس الأمريكي- يمكن القيام بمسح شامل لتلك المدة من حكمه وتسليط الضوء على أبرز الوعود التي تم إنجازها، والوعود التي يجري تحقيقها، كما يمكن التطرق لأبرز الخطط التي كشف عنها بايدن في خطابه أمام الكونجرس، وردود الأفعال إزاء خطابه، والعراقيل التي حالت دون إقرار تلك الخطط.

إنجازات بايدن خلال الـ 100:

قبل انتخابه رئيساً، تعهد جو بايدن باتخاذ إجراءات سريعة وشاملة خلال أول 100 يوم له في المنصب، ويمكن تقييم الوعود التي تحققت بالفعل وتلك التي يجرى العمل على تحقيقها، في النقاط التالية: –

(*) وعود تحققت:

(&) مواجهة كوفيد-19: بمجرد توليه منصبه، كشف بايدن رسميًا عن حزمة إغاثة أطلق عليها “خطة الإنقاذ الأمريكية”، ونجح في تمرير خطة إنقاذ اقتصادية تبلغ 1.9 تريليون دولار لإخراج الأميركيين من تداعيات أزمة كورونا، وشملت إرسال شيكات تحفيز، وتمويل المدارس لتنفيذ تدابير السلامة وإعادة فتحها، والأعمال الصغيرة، ودعم توفير اللقاحات، لكنه فشل في ضمان دعم الحزبين لهذا الإجراء ولم ينجح في نهاية المطاف في إقناع نائب جمهوري واحد بالتصويت لصالحه.

كما حدد بايدن هدفًا يتمثل في إعطاء 100 مليون جرعة لقاح كوفيد-19 في أول 100 يوم له في منصبه وبالفعل تم الوصول إلى هذا الرقم في اليوم الـ59 من رئاسته، وبعد أسبوع واحد، وعد بايدن بالوصول إلى 200 مليون بحلول اليوم الـ100، وفي اليوم 92، أعلن أن الولايات المتحدة قد حققت هذا الهدف، كذلك أصدر بايدن في اليوم الأول من رئاسته أمراً تنفيذياً بفرض ارتداء الكمامات في المباني الفيدرالية وأثناء السفر بين الولايات باستخدام الطائرات والقطارات والحافلات، بالإضافة إلى الانضمام إلى منظمة الصحة العالمية والاحتفاظ بالدكتور أنتوني فاوتشي كبير خبراء الأمراض المعدية.

(&) الاقتصاد: اقتراح خطة إنفاق ضخمة بقيمة 2.3 تريليون دولار لإصلاح البنية التحية ودعم التصنيع والابتكار والبحث والتطوير والطاقة النظيفة وتنمية المهارات التنافسية للعمال الأميركيين.

(&) تنظيم “قمة المناخ العالمية”: عقد بايدن قمة مناخ دولية افتراضية يوم 22 إبريل 2021، وحث الدول على اتباع نهج الولايات المتحدة في الحد من مساهماتها في ظاهرة الاحتباس الحراري.

(&) وقف بناء الجدار الحدودي الجنوبي: في اليوم الأول في منصبه، وقع بايدن مرسوماً لإيقاف العمل مؤقتًا على الجدار وإعادة توجيه الأموال غير المنفقة التي تم تخصيصها لبنائه.

(*) وعود غير منجزة:

(&) إلغاء التخفيض الضريبي الذي أقره ترامب على الشركات: لم يتمكن بايدن من تحقيق ذلك حتى الآن، لكنه يريد التراجع عن الكثير مما فعله ترامب من خلال فرض زيادات ضريبية على الشركات لدفع تكاليف خطته للبنية التحتية التي تبلغ حوالي تريليوني دولار.

(&) إنهاء سياسات ترامب المتشددة إزاء الهجرة: في اليوم الأول من منصبه، أنهى ما يعرف باسم “حظر السفر” وأوقف ترحيل المخالفين، واقترح خطة لإعطاء الجنسية لنحو 11 مليون مهاجر غير شرعي، وسمح للأشخاص الذين قدموا للبلاد بشكل غير شرعي وهم أطفال بالبقاء، لكن تعامله مع قضية الأسر التي تعبر الحدود الجنوبية لا يزال محل انتقادات حيث أبقى على سياسة إعادة من يعبرون الحدود الجنوبية بشكل غير شرعي إلى بلادهم باستثناء القصر، وكذلك لم يلغ إجراء اتخذه ترامب بشأن منع من حصلوا على منافع حكومية من التجنس، وكذلك لم يرفع نسبة اللاجئين.

(&) التصدي للعنصرية المنهجية في السكن والعدالة الجنائية وحقوق التصويت: في 26 يناير، وقع بايدن أربعة إجراءات تنفيذية لمعالجة المساواة العرقية والتعامل مع التمييز ضد الأمريكيين الآسيويين وسكان جزر المحيط الهادئ، وتعزيز العلاقات القبلية، وإعادة العمل بقاعدة التمييز ضد الإسكان في عهد أوباما والتي تراجع عنها ترامب وإنهاء استخدام وزارة العدل للسجون الخاصة. كما وعد أيضاً بتحديث قانون حقوق التصويت لمنع حرمان الأمريكيين من حق التصويت على أساس العرق، وبصفته رئيسًا، وجه دعوات متكررة إلى الكونغرس للمضي قدمًا به، كذلك تعهد في حملته الانتخابية بتوسيع حقوق التصويت، وبالفعل أقر مجلس النواب مشروع قانون تصويت شامل، لكن الجمهوريين عارضوه بشكل عام بدعوى أن الحكومة الفيدرالية يجب أن تترك قضايا حقوق التصويت وإدارة الانتخابات للولايات، ولهذا ظل مصير القانون مجهولاً بعد ما أصبح طي النسيان داخل مجلس الشيوخ مما أدى إلى تجدد المناقشات بين الديمقراطيين حول إلغاء المماطلة التشريعية.

(&) تشكيل لجنة تشرف على مراقبة الشرطة: في يونيو، بعد حوالي أسبوع من وفاة جورج فلويد، تعهد بايدن بإنشاء لجنة مراقبة للشرطة الوطنية في غضون المائة يوم الأولى من إدارته، لدراسة مسارات إصلاح الشرطة، لكن في 12 أبريل، قالت مستشارة السياسة الداخلية بالبيت الأبيض، سوزان رايس، إن “البيت الأبيض ألغى رسميًا أي خطط لإنشاء تلك اللجنة”.

(&) إرسال مشروع قانون إلى الكونجرس لإلغاء حماية المسؤولية لمصنعي الأسلحة، وإغلاق ثغرات التحقق من الخلفية وتحديد فترة انتظار: على الرغم من أن بايدن تعهد بإرسال مشروع قانون إلى الكونجرس لإلغاء حماية المسؤولية لمصنعي الأسلحة، وإغلاق ثغرات فحص الخلفية وفترة الانتظار، إلا أنه لم يرسل أي تشريع خاص بالسلاح إلى الكونجرس بعد، وبدلاً من ذلك، دعا البيت الأبيض المشرعين إلى العمل على تشريع يعالج نظام التحقق من الخلفية.

خطاب جو بايدن أمام الكونجرس 2021:

خلال كلمته بمناسبة 100 يوم على توليه السلطة، أكد الرئيس الأميركي جو بايدن أن إدارته ورثت أسوأ أزمة صحية منذ قرن وأسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير، كما انه حدد رؤيته للبلاد خلال المرحلة المقبلة على النحو التالي: –

  • أجواء استثنائية: أختلف المشهد المحيط بخطاب بايدن عن مشاهد الأعوام السابقة، فقد تم إذاعة الخطاب تلفزيونياً من قاعة مجلس النواب في مبنى الكابيتول في الولايات المتحدة، وترأست الجلسة المشتركة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، ورافقها نائبة رئيس الولايات المتحدة، كامالا هاريس، بصفتها رئيسة لمجلس الشيوخ، وهي المرة الأولى التي تترأس فيها امرأتان خطابا أمام الكونغرس، تجلسان على المنصة خلف الرئيس. كما فرضت الإجراءات المحيطة بفيروس كورونا نفسها على الحدث السنوي، حيث غاب عدد كبير من الحضور، فالخطاب الذي يحضره عادة أكثر من 1600 من المشرعين وضيوفهم، إضافة إلى أعضاء حكومة الرئيس وأفراد المحكمة العليا ورؤساء القوى المسلحة- لم يحضره هذا العام سوى 200 مشرع فقط، بالإضافة إلى احداث اقتحام الكابيتول التي خيمت على الحدث حيث تم فرض تشديدات أمنية مكثفة مختلفة عن السابق.
  • الكشف عن خطط إصلاحية جديدة: أشاد بايدن بخطة التطعيم التي وُضعت في الولايات المتحدة لمكافحة كوفيد-19 بأنها واحدة من أعظم النجاحات اللوجستية في تاريخ البلاد، فقد تلقى أكثر من 96 مليون شخص أي نحو 30% من السكان اللقاح بالكامل. كما قدم بايدن خطة العائلات الأمريكية The American Families Plan (AFP) التي تبلغ قيمتها 1.8 تريليون دولار تقريباً لرعاية الأسرة والتعليم، يتم تمويلها عن طريق رفع الحد الأقصى لمعدل الضريبة على الدخل من 37 إلى 39.6 %، في تراجع عما تم إقراره في التعديل الضريبي عام 2017 خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب. كما ناقش بايدن جهوده لخلق وظائف مستدامة للطبقة الوسطى، وأشار إلى أن نائب الرئيس هاريس ستساعد في قيادة المبادرات في إطار خطة الوظائف الأمريكية، التي قال إنها ستساعد ملايين الأمريكيين وخاصة النساء على العودة إلى القوى العاملة وخلق وظائف في مجال الطاقة النظيفة وتحديث البنية التحتية. كذلك شدد بايدن على أهمية إصلاح الشرطة وانتزاع العنصرية النظامية التي وصفها بأنها وصمة عار على نسيج أمريكا ودعا الكونجرس إلى تمرير مشروع قانون من أجل إصلاح الشرطة يحمل اسم الأمريكي من أصل أفريقي جورج فلويد، والتوصل إلى اتفاق من الحزبين بشأن الإصلاح بحلول ذكرى يوم الذكرى لوفاة فلويد.

ردود الأفعال على خطاب بايدن:

يمكن تسليط الضوء على حدود الاستجابة إزاء خطاب بايدن من قبل أعضاء الكونجرس، والرأي العام الأمريكي، على النحو التالي: –

(*) أعضاء الكونجرس: جاءت ردود الفعل على خطاب جو بايدن متباينة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، من ناحية استنكر قادة الحزب الجمهوري خطط بايدن لإنفاق تريليونات على كوفيد-19 والإغاثة الاقتصادية، وزيادة الضرائب على الأثرياء للمساعدة في دفع ثمنها. كما اتهموا الرئيس الجديد بقضاء أول 100 يوم له في محاولة استمالة الجناح اليساري للحزب الديمقراطي، على سبيل المثال أشار زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل إلى أن التأثيرات الواقعية لحملة الدعاية الكاذبة للرئيس بايدن قد أظهرت الألم وعدم اليقين في الداخل، وتضاؤل النفوذ وإشارات الفضيلة في الخارج.

كما غرد زعيم الأقلية في مجلس النواب كيفين مكارثي مستهزئًا بخطاب بايدن: “كان من الممكن أن يكون هذا الأمر برمته مجرد رسالة بريد إلكتروني، بينما اتهم عضو مجلس الشيوخ “تيم سكوت” عن ولاية سوث كارولينا، بايدن وحزبه بتقسيم البلاد، وانتقد خطة بايدن لدعم العائلات الأميركية بانها تتجاوز احتياجات البلاد، بينما في المقابل حظي جو بايدن بالثناء من قبل الديمقراطيين، على سبيل المثال أشاد النائب لويد دوجيت بخطة العائلات الأمريكية التي قال بايدن إنها “تركز على المساعدة في التعليم ورعاية الأطفال لمساعدة العائلات على التعافي من الوباء”، كما أكد النائب كولين ألريد إنه مستعد للعمل، كذلك أشادت النائبة جودي تشو بجهود بايدن في حملة تطعيم الأمريكيين، مشيرة إلى أن الرئيس بايدن ضاعف عدد اللقاحات إلى 200 مليون، و المزيد قادم.

(*) الرأي العام الأمريكي: وفقاً لاستطلاع رأي أجرته شبكة CNN، كان حوالي نصف الأمريكيين الذين شاهدوا خطاب الرئيس جو بايدن أمام الكونجرس لديهم رد فعل إيجابي للغاية على الخطاب، وقال 71 ٪ إنهم يشعرون بمزيد من التفاؤل بشأن اتجاه البلاد، وفي استطلاع رأي لشبكة CBS، وافق 85% من الأمريكيين الذين شاهدوا الخطاب الأول للسيد بايدن بأغلبية ساحقة على خطابه لاسيما خطة خلق الوظائف، في مقابل 15% غير موافقين.

 خلاصة القول، سعى بايدن في خطابه أمام الكونجرس إلى التأكيد على تنفيذه العديد من الأهداف التي وعد الناخبين بها خلال أول 100 يوم في الرئاسة، منها تسليم 200 مليون جرعة من لقاح فيروس كورونا وفتح أهلية اللقاح لجميع الأشخاص الذين يبلغون من العمر 16 عامًا، و تقليل معدلات البطالة، وإعادة فتح المدارس، بالإضافة إلى العديد من المبادرات في مجال العدالة العرقية والبيئة والعودة إلى نهج أكثر تعددية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

لكنه، رغم تلك المستهدفات فإنه لم يتمكن حتى الآن من تحقيق التوافق والاجماع بين الحزبين، على سبيل المثال تم إقرار قانون خطة الإغاثة من دون تصويت عضو جمهوري واحد، لذلك من المرجح خلال الفترة المقبلة أن تواجه خطط بايدن لاسيما خطة البنية التحتية التي تبلغ قيمتها 2.3 تريليون و خطة العائلات الأمريكية بقيمة 1.8 تريليون دولار- عراقيل شديدة من أجل إقرارها في ظل صعوبة التوصل إلى إجماع تشريعي من الحزبين والذي قد يترك بايدن والجمهوريين في الكونجرس في مسار تصادمي.

ومن ناحية أخرى، لا يبدو أن الرئيس يحظى بدعم كامل من الديمقراطيين لخطته الضخمة للبنية التحتية حيث يخشى البعض تأثيرها العكسي على الاقتصاد الأمريكي، على سبيل المثال انضم  السناتور الديمقراطي جو مانشين إلى قائمة المنتقدين للاقتراح لينضم إلى الجمهوريين الرافضين للخطة مما يهدد أغلبية الديمقراطيين البسيطة في المجلس، وقد يعنى ذلك تقويض تمريرها.

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى