تحركات محسوبة: هل يشير تعيين “فيلتمان” إلى رغبة “واشنطن” في تحريك أزمة سد النهضة؟

أعلنت واشنطن، يوم الجمعة 23 إبريل الجاري، تعيين الدبلوماسي” جيفري فيلتمان “مبعوثاً خاصاً للقرن الأفريقي وهو منصب جديد استحدثه فريق بايدن من أجل معالجة الأزمة المتفاقمة في إثيوبيا وعدم الاستقرار في المنطقة، حيث أشار وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن”، في بيان، أن “الدبلوماسي الأمريكي المخضرم والمسئول السابق بالأمم المتحدة، جيفري فيلتمان، سيعمل مبعوثًا خاصًا لمنطقة القرن الأفريقي وذلك بهدف معالجة الأوضاع في أزمة إقليم تيجراي، والتوتر المتصاعد بين السودان وإثيوبيا “.

 ويمكن الإشارة، إلى أن مهمة “فيلتمان” تتزامن مع وصول أطراف النزاع الثلاثة بشأن سد النهضة إلى طريق مسدود بعد فشل الاجتماعات التي استضافتها كنشاسا عاصمة الكنغو الديمقراطية خلال الفترة من 4-6 الجاري، بالإضافة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في إقليم تيجراي، وفي سياق ذلك يمكن طرح عدة تساؤلات حول من هو جيفري فيتلمان، وما دلالات تعيينه في هذا الوقت، وكيف اختلفت التحركات الأمريكية إزاء سد النهضة في إدارة ترامب و بايدن؟ وما هي حدود نجاح الوساطة الأمريكية في حل أزمة سد النهضة.

من هو جيفري فيلتمان؟:

تمتد مسيرة فيلتمان لأكثر من ربع قرن، وتركزت بشكل كبير على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تدرج في عدة مناصب خلال عمله بالخارجية الأمريكية، على النحو التالي،

(*) دبلوماسي مخضرم: انضم فيلتمان إلى السلك الدبلوماسي للولايات المتحدة في عام 1986، حيث خدم أول جولة له كموظف قنصلي في بورت أو برنس في هايتي، وشغل منصب المسئول الاقتصادي في سفارة الولايات المتحدة في المجر من 1988-1991. وفي الفترة من عام 1991 إلى عام 1993، عمل في مكتب نائب وزير الخارجية، لورانس إيجلبرجر، كمساعد خاص يركز على تنسيق المساعدة الأمريكية لأوروبا الشرقية والوسطى، وبعد عام من دراسات اللغة العربية في الجامعة الأردنية في عمان، كما عمل في سفارة الولايات المتحدة في تل أبيب من 1995 إلى 1998، حيث قام بتغطية القضايا الاقتصادية في قطاع غزة، ثم من 1998 إلى 2000. وشغل منصب رئيس القسم السياسي والاقتصادي في سفارة الولايات المتحدة في تونس، وخدم في سفارة تل أبيب كمساعد خاص للسفير مارتن إنديك حول قضايا عملية السلام من عام 2000 إلى عام 2001، ثم انتقل إلى القنصلية الأمريكية العامة في القدس، حيث عمل أولاً كنائب من أغسطس 2001 إلى نوفمبر 2002، ثم منصب القائم بأعمال القنصل من نوفمبر 2002 إلى ديسمبر 2003.

كما تطوع “فيلتمان” للعمل في مكتب سلطة التحالف المؤقتة في أربيل، العراق، من يناير إلى أبريل 2004، وانتقل بعدها ليصبح سفير الولايات المتحدة في لبنان من يوليو 2004 إلى يناير 2008، ثم شغل منصب مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الأوسط في الفترة من أغسطس 2009 إلى يونيو 2012 برتبة وزير التوظيف، قبل أن يتولى منصبه في الأمم المتحدة، وبعد ذلك في يونيو 2012 تم تعيينه وكيلا للأمين العام للشئون السياسية، وهو المنصب الذي شغله حتى أبريل 2018.

(*) خبرات علمية: ولد فيلتمان في جرينفيل بولاية أوهايو، وهو يتحدث الفرنسية والمجرية، حصل على شهادة تخرجه في التاريخ والفنون الجميلة من جامعة ولاية بال في انديانا عام 1981 وحصل على الماجستير في القانون والدبلوماسية من كلية فلتشر للقانون والدبلوماسية، جامعة تفتس عام 1983، كما انضم عام 1993 إلى مكتب شؤون الشرق الأدنى فدرس العربية في الجامعة الأردنية بالعاصمة الأردنية عمان من 1994 إلى 1995.

التحركات الأمريكية إزاء ملف سد النهضة:

يمكن تسليط الضوء على موقف واشنطن من سد النهضة من خلال إبراز أوجه الاختلاف بين سياسة إدارة ترامب وبين إدارة جو بايدن على النحو التالي:

(&) سياسة إدارة ترامب: كانت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس ترامب داعمة في ظاهرها للموقف المصري وتوجهات القيادة السياسية لمصر، وانعكس ذلك في تصريحات ترامب حول سد النهضة حيث انتقد موقف إثيوبيا المتشدد من مفاوضات سد النهضة، قائلا إن “مصر قد تعمد إلى “تفجيره” لأنها لن تكون قادرة على العيش بهذه الطريقة”، كما أعلنت الولايات المتحدة في أوائل سبتمبر2020 تعليق جزء من مساعدتها المالية بقيمة 130 مليون دولار لإثيوبيا بعد قرار أديس أبابا الأحادي ملء سد النهضة على الرغم من عدم إحراز تقدم في المفاوضات مع مصر والسودان.

(&) سياسة إدارة جو بايدن: حتى الآن يعد موقف الإدارة الأمريكية الجديدة غير واضح، لكن يبدو أن واشنطن تميل لصالح أثيوبيا، على الرغم من تأكيد واشنطن على ضرورة إيقاف الملء الثاني للسد حتى التوصل إلى اتفاق. وعلى الرغم من إرسال أمريكيًا وفداً رفيع المستوى إلى المنطقة رافق المبعوث الأميركي للسودان “دونالد بوث”، من أجل إجراء مشاورات حول السد في القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، وبحث أفضل السبل لإيجاد الطريق نحو مفاوضات بناءة- إلا أنها أعلنت في الوقت نفسه دعمها لرعاية الاتحاد الأفريقي، بالرغم من فشل هذا المسار العام الماضي والوصول إلى طريق مسدود.

كما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن واشنطن ستراجع سياستها بشأن سد النهضة الإثيوبي، وفي هذا السياق قررت عدم ربط تعليق مساعداتها لإثيوبيا بالسياسية الأمريكية بخصوص ملف السد بل بتطور الأوضاع في إقليم تيجراي. وهنا تجدر الإشارة، إلى أن إقليم تيجراي يعتبر إحدى القضايا الخلافية الكبرى في ما هو معلن بين الولايات المتحدة وأثيوبيا، وفي سياق ذلك دعا وزير الخارجية أنتوني بلينكين رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد إلى إنهاء القتال ووصف ما يحدث في تيجراي بأنه “تطهير عرقي”، كما أرسلت إدارة بايدن السناتور كريس كونز، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، في مارس الماضي كمبعوث خاص لدى أديس أبابا حيث نقل السيناتور مخاوف بايدن المؤكدة بشأن الأزمة الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان، كذلك بحث مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان  يوم 7 إبريل، مع وزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونن  تدهور الأوضاع في إقليم تيجراي.

 دلالات تعيين جيفري فيلتمان:

أشارت وزارة الخارجية الأميركية، إلى أن فيلتمان سيقود الجهود الدبلوماسية الأميركية لمعالجة الأزمات السياسية والأمنية التي يعانيها القرن الإفريقي، وبالتالي يعكس تعيين فيلتمان توجهات إدارة بايدن على النحو التالي:

(*) تحديث تحالفات واشنطن في العالم: يسلط تعيين مبعوث أمريكي خاص في هذا التوقيت الضوء، على تجدد الاهتمام الأمريكي بتلك المنطقة، مما يوفر مشاركة أمريكية رفيعة المستوى في منطقة القرن الأفريقي من خلال التخفيف من حدة النزاعات ومواجهة النفوذ الصيني المتزايد، وذلك في إطار التوجه الجديد للولايات المتحدة، حيث أكد بايدن في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي على بناء الشراكات في إفريقيا والاستثمار في المجتمع المدني وتعزيز الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية طويلة الأمد، من خلال مشاركة الاقتصادات الأفريقية الديناميكية وسريعة النمو، والعمل على إنهاء أكثر النزاعات دموية في القارة ومنع نشوب نزاعات جديدة، بالإضافة إلى إعادة تأكيد الالتزام بالتنمية والأمن الصحي والاستدامة البيئية والتقدم الديمقراطي وسيادة القانون.

(*) استعادة دور الوساطة الأمريكية في المنطقة: يرتبط تعيين فيلتمان بالمشاركة في حل أزمات منطقة القرن بمجملها وليس ملف سد النهضة فقط وإمكانية أن تضطلع الولايات المتحدة بدور وسيط وليس مجرد مراقب، من خلال الاستفادة بالتوجه الحالي السائد في المنطقة الداعم للوساطة الدولية، حيث تتمسك مصر والسودان بمطلب توسيع الوساطة الدولية، لتشمل الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والرغبة في تطوير العملية التفاوضية لتمكين الدول والأطراف المشاركة في المفاوضات كمراقبين من الانخراط بنشاط في المباحثات، والمشاركة في تسيير المفاوضات وطرح حلول للقضايا الفنية والقانونية الخلافية.

(*) التركيز على ملف انتهاكات حقوق الانسان في أثيوبيا: يبدو أن تدهور الأوضاع في إقليم تيجراي وانتهاكات حقوق الانسان، تتصدر أولويات إدارة بايدن أكثر من حل ملف سد النهضة، حيث انعكس ذلك في الموقف الأميركي الأخير في مجلس الأمن، فقد تضمن خطاب السفيرة ليندا توماس جرينفيلد أمام مجلس الأمن يوم 15 إبريل الجاري، الإشارة إلى تدهور الأوضاع الإنسانية في تيجراي، والانتهاكات الواسعة الناتجة من الحرب، التي تشمل ممارسة الاغتصاب والعنف الجسدي.

خلاصة القول، على الرغم من أن خطوة تعيين جيفري فيلتمان كمبعوث أمريكي تعكس اهتمام الإدارة الأمريكية بملف سد النهضة، وقد تسهم في تحريك ملف المفاوضات، كما سيكون لها تبعاتها المؤثرة على قواعد لعبة الصراع الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي- إلا أن هذه الخطوة قد لا تكون كافية من أجل التوصل إلى تسوية، وذلك بالنظر إلى أن الولايات المتحدة سبق أن تدخلت برعاية المفاوضات عام 2019 ومع ذلك لم تنته الأزمة. كما أنه من المتوقع أن تهيمن أزمات أخرى في المنطقة على أجندة “جيفري فيلتمان” أكثر من ملف سد النهضة، في مقدمتها أزمة إقليم تيجراي، خاصة وأن الحرب في إقليم تيجراي يمكن أن تكون سببا في انهيار الدولة في أديس أبابا وهو ما لا تريده واشنطن، إذ إن من مصلحتها الحفاظ على السلم والأمن في القرن الإفريقي لتفادي بؤر إرهاب جديدة، كما من المرجح أيضاً أن تأخذ توترات السودان الداخلية وعلى رأسها حالة الاضطراب الحالية في إقليم دارفور واستكمال عملية السلام حيزاً كبيراً من اهتمامات فيلتمان، وبالتالي لا يمكن التعويل على خطوة تعيين فيلتمان في إمكانية التوصل إلى تسوية على المدى القصير قبل اتخاذ خطوات فاعلة من قبل واشنطن في اتجاه حل الأزمة عن طريق حدوث تدخل مباشر من قبل الإدارة الأمريكية متمثلة في البيت الأبيض ووزارة الخارجية من خلال العمل بموجب الوثيقة التي وقعت في واشنطن عام 2019، ويمكن تعديلها أو إضافة مقترحات أخرى من أجل التوصل إلى تسوية.

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى