احتواء الخطر.. هل تمنع القاهرة والرياض انفجار البحر الأحمر؟

ليست كل الزيارات السياسية تقرأ من خلال جدول أعمالها المعلن فقط، فهناك أيضا توقيت الزيارة، والظروف المحيطة بها، وما يجري على الأرض، والرسائل التي تحملها اللقاءات بين قادة الدول. ومن هنا تأتي أهمية زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء، إلى القاهرة ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي، في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للمنطقة، في ظل تصاعد التوترات في البحر الأحمر واليمن، بالتزامن مع أزمة متصاعدة في مضيق هرمز. والرئاسة المصرية أعلنت أن المباحثات تتناول تعزيز العلاقات الثنائية، إلى جانب تبادل الرؤى بشأن التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وهذا في حد ذاته كاف ليدفعنا إلى قراءة الزيارة في إطارها الإقليمي الأوسع دون افتراض أجندة غير معلنة. ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام أزمات منفصلة أم أمام أزمة إقليمية بدأت تتصل حلقاتها ببعضها البعض؟ في تقديري، نحن أمام مشهد يحتاج إلى قراءة مختلفة، فهرمز ليس بعيدا عن باب المندب، وباب المندب ليس بعيدا عن قناة السويس، وما يحدث في أي نقطة من هذه المنظومة يمكن أن تمتد آثاره إلى بقية المنطقة، بل إلى الاقتصاد العالمي وحركة التجارة والطاقة.
هرمز وباب المندب •• الخطر من اتجاهين
خلال الأيام الأخيرة، انخفضت حركة السفن عبر مضيق هرمز بصورة حادة، بينما شهد باب المندب أيضا تراجعا في حركة الملاحة وسط تصاعد المخاطر الأمنية. ووفق بيانات نقلتها وكالة الأنباء العالمية، انخفض عدد السفن التي عبرت هرمز إلى أرقام محدودة للغاية، فيما تراجعت حركة السفن عبر باب المندب كذلك. الأخطر أن التطورات في اليمن لم تعد بعيدة عن قلب المعادلة البحرية، فقد أفادت تقارير حديثة بوصول الحوثيين إلى جزيرة بريم الاستراتيجية عند مدخل باب المندب، بما يزيد المخاوف بشأن أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وهنا يجب أن نتوقف، فالممرات البحرية ليست مجرد خطوط على الخريطة؛ وراء كل سفينة اقتصاد، ووراء كل شحنة مصانع وأسواق وعمال ومستهلكون، وأي اضطراب طويل في حركة الملاحة ينعكس في النهاية على أسعار الطاقة والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد. ولهذا، فإن الخليج العربي ومضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس ليست جزرا منفصلة، وإنما حلقات في منظومة استراتيجية واحدة، ومن الخطأ أن ننتظر حتى تتصل هذه الأزمات ببعضها بصورة يصعب معها احتواء تداعياتها.
قناة السويس •• المصلحة المصرية المباشرة
هنا تحديدا تظهر خصوصية الموقف المصري، فمصر لا تنظر إلى البحر الأحمر من بعيد، وإنما ترتبط به جغرافيا وأمنيا واقتصاديا بصورة مباشرة، وقناة السويس ليست مجرد مصدر مهم للدخل المصري، وإنما أحد أهم مكونات موقع مصر الاستراتيجي في حركة التجارة العالمية. ومن ثم، فإن أمن البحر الأحمر يعني بالنسبة لمصر أكثر من مجرد حماية طريق ملاحي، إنه يرتبط بأمن قناة السويس واستقرار حركة التجارة وتكاليف النقل والطاقة وسلامة الموانئ والممرات البحرية، وبالتالي بجزء مباشر من الأمن الاقتصادي والقومي المصري. ولهذا، فإن أي اضطراب مستمر في باب المندب يفرض نفسه على الحسابات المصرية، ليس باعتبار مصر طرفا في الصراع، وإنما باعتبارها دولة تملك مصلحة مباشرة في بقاء الملاحة آمنة ومستقرة.
مصر •• جسر الأمان لا جسر الحرب
وهنا تظهر أهمية الدور المصري. مصر ليست مطالبة بالدخول في حرب جديدة، كما أن مصلحتها ليست في توسيع دائرة المواجهة. المطلوب هو استخدام ما تملكه من ثقل سياسي وموقع استراتيجي وعلاقات متوازنة للمساهمة في احتواء الأزمة ومنع انتقالها من مستوى التوتر إلى مستوى الحرب المفتوحة. وهذا هو الفارق بين إدارة الأزمة وإدارة الحرب. القوة ليست دائما في استخدام القوة، أحيانا تكون القوة الحقيقية في القدرة على منع استخدامها، والدبلوماسية عندما تستند إلى دولة قوية ومتماسكة ليست ضعفا، وإنما إحدى أدوات حماية الأمن القومي.
السعودية أمام معادلة شديدة التعقيد
أما المملكة العربية السعودية، فإن موقعها يجعلها في قلب هذه التطورات، فهي دولة خليجية ترتبط مصالحها بأمن الممرات البحرية والطاقة، وفي الوقت نفسه تمتد سواحلها على البحر الأحمر، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في باب المندب أو البحر الأحمر ذا انعكاسات مباشرة على أمنها ومصالحها. والتطورات الأخيرة تؤكد أن المسألة لم تعد مجرد تهديد نظري، فقد شهدت السعودية هجمات مرتبطة بالتصعيد اليمني، بالتزامن مع استمرار المخاطر على طرق الطاقة والملاحة. وهنا تصبح المعادلة أكثر صعوبة: كيف تحمي الدولة أمنها ومصالحها دون أن تنزلق المنطقة بأكملها إلى حرب مفتوحة يصعب التحكم في مسارها أو نهايتها؟ وهنا تأتي أهمية التنسيق المصري السعودي.
القاهرة والرياض •• مسؤولية تتجاوز العلاقة الثنائية
العلاقات المصرية السعودية ليست مجرد علاقات بين دولتين شقيقتين. في الظروف الطبيعية تكون العلاقات السياسية والاقتصادية كافية لتعزيز المصالح المشتركة، أما في أوقات الأزمات فإنها تحمل مسؤولية أكبر تتعلق باستقرار الإقليم. مصر تملك ثقلا سياسيا وموقعا استراتيجيا فريدا، والسعودية تملك وزنا عربيا وإقليميا واقتصاديا كبيرا، واجتماع بهذا الثقل يمكن أن يدعم تحركا عربيا أوسع يقوم على التهدئة وحماية الملاحة وفتح المسارات السياسية، بدلا من ترك المنطقة أسيرة لردود الفعل المتلاحقة. ولا يعني ذلك الدخول في محور ضد أحد، ولا إعلان مواجهة جديدة، بل يعني أن يكون هناك موقف عربي قادر على منع الانفجار قبل وقوعه.
اليمن هو مفتاح جزء أساسي من الأزمة
ومن الصعب الحديث عن أمن البحر الأحمر دون الحديث عن اليمن، فاستقرار اليمن ليس شأنا يمنيا داخليا فقط، كما أن أمن البحر الأحمر ليس شأنا للدول المطلة عليه وحدها. الموقع الجغرافي لليمن يجعل أي صراع طويل على ساحله الغربي مؤثرا بصورة مباشرة في باب المندب، ومن ثم في حركة الملاحة الدولية. وكلما اتسعت دائرة الصراع زادت احتمالات تحويل الجغرافيا إلى ورقة ضغط على التجارة والطاقة. لذلك، فإن أي رؤية جادة لأمن البحر الأحمر لا بد أن تتعامل مع الأزمة اليمنية من جذورها، وليس فقط مع نتائجها العسكرية.
لا نريد هرمز جديدا في باب المندب
هذه هي النقطة التي يجب ألا تغيب عن صانع القرار العربي والمجتمع الدولي. ما يحدث في مضيق هرمز يجب أن يكون درسا لا نموذجا يتكرر، فإذا أصبح باب المندب هو الآخر ساحة اضطراب دائم، فإن العالم سيكون أمام أزمة مركبة تمس أكثر من طريق ملاحي في الوقت نفسه، وهذا لا يهدد دول المنطقة وحدها، ولكنه يهدد التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة، ويزيد تكاليف النقل والتأمين، وقد يدفع الاقتصاد العالمي إلى تحمل أعباء إضافية في وقت لا يحتاج فيه أحد إلى أزمة اقتصادية جديدة. ولهذا، فإن حماية الملاحة في البحر الأحمر ليست قضية عربية فقط، وإنما مسؤولية دولية أيضا في إطار القانون الدولي وقواعد الملاحة البحرية.
أخطر ما في المشهد •• أن نعتاد الأزمات
هناك خطر آخر لا يقل أهمية عن خطر الصواريخ والطائرات المسيرة، إنه اعتياد الأزمة؛ أن يصبح تهديد السفن خبرا يوميا، واستهداف منشأة نفطية مشهدا معتادا، وتراجع حركة الملاحة رقما يمر في وسائل الإعلام دون أن يتوقف أحد أمام دلالته.
الأزمات الكبرى لا تبدأ دائما بقرار كبير
أحيانا تبدأ بتراكم أحداث صغيرة، ثم تتسع دائرة الردود، ثم تصبح العودة إلى الوراء أصعب مما كان يتخيل الجميع. ولهذا، فإن منع التصعيد اليوم أقل تكلفة بكثير من محاولة إيقاف الحرب غدا.
الرسالة المصرية
من القاهرة يجب أن تكون الرسالة واضحة ومتزنة. مصر مع أمن المنطقة، ومع حماية الملاحة الدولية، ومع احترام القانون الدولي، ومع حماية مصالح الدول المشروعة، لكنها ليست مع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للحروب. مصر لا تبحث عن مواجهة، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تقبل بأن تتحول الممرات البحرية التي تمس أمنها واقتصادها إلى رهينة للصراعات الإقليمية. وهنا تحديدا تكمن قيمة الدور المصري؛ أن تكون القاهرة قادرة على الحديث مع الأطراف المختلفة، وأن تجمع بين الأمن والسياسة والدبلوماسية، وأن تستخدم موقعها لا لتوسيع الصراع، وإنما لتضييق مساحته.
في النهاية، زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة في هذا التوقيت لا ينبغي أن تقرأ فقط من زاوية العلاقات الثنائية، وإنما في سياق إقليمي بالغ الحساسية تفرضه تطورات اليمن والبحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز وأمن الطاقة والملاحة. والأهم أن هذه اللحظة تفرض على الدول العربية أن تنتقل من انتظار الأزمة إلى استباقها، ومن رد الفعل إلى المبادرة، ومن التعامل مع كل أزمة منفردة إلى قراءة الصورة كاملة. فما يحدث في هرمز يجب ألا نسمح بتكراره في باب المندب، وما يحدث في باب المندب يجب ألا يتحول إلى تهديد لقناة السويس. وإذا كان البحر الأحمر يمثل بوابة استراتيجية لمصر والسعودية والعالم، فإن الحفاظ على أمنه مسؤولية تتطلب عقلا سياسيا هادئا، وقوة تحمي المصالح، ودبلوماسية تمنع الانفجار. نحن لا نريد حربا جديدة في منطقتنا، لكننا أيضا لا نقبل أن تتحول منطقتنا إلى رهينة للحروب.
وفي تقديري، فإن مصر والسعودية تستطيعان أن تكونا جزءا أساسيا من معادلة احتواء الخطر، لا من معادلة توسيعه، فالأمن الحقيقي ليس أن تنتصر في الحرب بعد اندلاعها، الأمن الحقيقي أن تمنع الحرب عندما يكون منعها لا يزال ممكنا، ومصر بحكم موقعها ودورها ستظل جسرا للأمان العربي، لا جسرا للحرب.