تسليع الأمن.. كيف تبني إسرائيل خريطة نفوذها في إفريقيا؟

كشف المحامي والناشط الحقوقي الإسرائيلي إيتاي ماك في مقال نشره بتاريخ 15 أغسطس 2026 بموقع التحقيقات العبري “ذا سفنث آي” عن وثائق دبلوماسية سرية توثّق بناء إسرائيل علاقات أمنية مع الرئيس الكاميروني بول بيا منذ يوليو 1984، شملت تدريب الحرس الرئاسي وعقد دورات استخباراتية لوحدة حمايته الشخصية.

ويتزامن هذا الكشف مع تصاعد الجدل الداخلي في الكاميرون عقب غياب الرئيس عن المشهد العام لمدة شهرين متتاليين خلال 2026، وهو ما أثار تساؤلات حول مصير شبكة الحماية الأمنية التي بُنيت حول بيا على مدى أربعة عقود، وفي الفترة ذاتها وثّق تحقيق صحفي لمجلة “أفريكان أرجيومنتس” دورًا مباشرًا لجيوش الظل الإسرائيلية في تدريب وحدة التدخل السريع الكاميرونية، المرتبط اسمها بعمليات إعدام ميداني وانتهاكات موسعة لحقوق الإنسان وثّقتها منظمات دولية.

وتأسيسًا على ذلك؛ يسعى هذا التحليل للتعرف على خريطة النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا، وأدوات ومحددات هذا النفوذ.

أدوات الانخراط

تمتلك إسرائيل شبكة متكاملة من أدوات النفوذ في القارة تتمثل في أدوات أمنية في محاولة للتغلغل داخل أجهزة الدولة، بالإضافة إلى مجموعة من الأدوات الاقتصادية والتقنية في محاولة لخلق اعتماد مستمر، كما يضاف إلى ذلك الأدوات الدبلوماسية الناجمة عن المكاسب السياسية والاعتراف الرسمي بإسرائيل.

(&) التدريب والدعم الاستخباراتي: يمثل تدريب وحدات حماية الرؤساء أحد أهم وسائل النفوذ الإسرائيلي في القارة، إذ تتخذ إسرائيل من تدريب الحرس الرئاسي وتأمين وحماية الرؤساء الأفارقة وسيلة للسيطرة والتدخل في عمليات صنع واتخاذ القرار في الدول الإفريقية التي تعاني من حروب أهلية ومشاكل أمنية. ووفقًالمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي،قدمت إسرائيل تدريبات للحرس الرئاسي في عدة دول إفريقية من بينها غينيا الاستوائية، كما دربت قوات خاصة في أوغندا والقوات الخاصة التابعة للبحرية النيجيرية. ووفقًا لتقرير بثته القناة 13 العبرية في 30 مايو 2014، يعمل عدد من كبار الضباط المتقاعدين حاليًا كمستشارين لوحدات النخبة في دول إفريقية عدة على تقنيات القتال المتلاحم “كراف ماغا”.

حرس رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يحملون بنادق إسرائيلية من نوع تافور Tavor CTAR-21

وتتمثل خطورة التدريب ليس فقط في نقل المهارات ولكن في إمكانية تحول التدريب إلى قناة أكثر نفوذ واستدامة، إذ يمكن أن يؤدي استمرار المدربين والمستشارين في العمل مع القوات المحلية إلى نشوء شبكات علاقات مهنية وشخصية تمتد لسنوات.

وتكشف حالات أخرى عن اتساع هذه الظاهرة؛ فقد أشارت تقارير إلى وجود مدربين وعسكريين إسرائيليين سابقين يعملون في عدد من الدول الإفريقية، بينما وثقت تقارير صحفية استخدام شركات أمنية إسرائيلية لتدريب وحدات خاصة وحماية مسؤولين ورؤساء.

(&) الشركات الأمنية الخاصة والمرتزقة: تأتي الشركات الأمنية الخاصة ضمن أهم وسائل النفوذ التي تعتمد عليها إسرائيل في التغلغل، إذ توفر أداة مرنة للعمل في البيئات التي قد يكون فيها التعاون الحكومي المباشر حساسًا، وهنا تمارس إسرائيل مهامها من خلال علاقات موزعة بين شركات خاصة وأفراد عسكريين سابقين ومستشارين أمنيين، بما يقلل من الظهور الرسمي ويمنح هذه الشبكات قدرة أكبر على الحركة.

كما تلعب الشركات الأمنية الإسرائيلية العاملة في إفريقيا أدوارًا متعددة لا تقتصر على خدمات الحراسات،  وإنما تمتد إلى المراقبة وتدريب الجيوش والاستشارات الاستخباراتية وحماية المنشآت والموارد، وهو ما يجعلها تتحرك في المساحة الفاصلة بين النشاط التجاري والخدمة الأمنية. وفيما يلي أبرز الشركات الأمنية الإسرائيلية في أفريقيا:

الشركة

المجال

الانتشار

Mer Group

الأمن التكنولوجي، المراقبة، الاتصالات، التدريب مالي، جمهورية الكونغو الديمقراطية، تنزانيا، توغو

Black Cube

الاستخبارات الخاصة وجمع المعلومات

جمهورية الكونغو الديمقراطية

Cellebrite

الأدلة الجنائية الرقمية واستخراج بيانات الهواتف

غير معلن

Magal Security Systems

المراقبة، حماية المنشآت والبنية التحتية

أنجولا، إثيوبيا، نيجيريا، جنوب إفريقيا

Verint

اعتراض الاتصالات والمراقبة وتحليل البيانات

جنوب السودان

NSO Group

برمجيات التجسس والمراقبة، ومن أبرزها Pegasus

تشاد، غانا، ساحل العاج

Ziv / Israel Ziv

خدمات أمنية وعسكرية، تسليح وتدريب

جنوب السودان

MAX Security Solutions الحماية التنفيذية، إدارة المخاطر، التدريب والاستخبارات التكتيكية

نيجيريا ودول إفريقية أخرى

من إعداد الباحثة بالاعتماد على مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية وصحف عربية

وفي هذا الإطار تبرز جمهورية الكونغو الديمقراطية كنموذج واضح، إذ أشارت تقارير إلى تعاقد الرئيس فيليكس تشيسيكيدي بصورة سرية مع شركة أمن إسرائيلية خاصة لحمايته، بينما ارتبط اسم شركات إسرائيلية أخرى بتدريب قوات النخبة والحرس الجمهوري. ومن ثم فإن تكرار هذا النمط في أكثر من دولة يعكس اتساع دور القطاع الأمني الخاص كأحد مداخل النفوذ الإسرائيلي في القارة.

ويكشف تحقيق “African Arguments” أنه منذ ثمانينيات القرن الماضي شاركت وحدات إسرائيلية في تدريب وحدة التدخل السريع الكاميرونية المرتبطة بالرئيس بول بيا، كما تشير بعض التقارير إلى انتقال التدريب لوحدات أخرى داخل الجيش الكاميروني، وهو ما يوضح كيف تحولت العلاقة تدريجيًا من التدريب إلى شبكة ممتدة داخل بنية الدولة الأمنية.

ومن ناحية أخرى، يُستقطب مواطنون أجانب من بينهم أفارقة للقتال ضمن صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي كـ”جنود وحيدين”، إذ يبلغ عدد هؤلاء الجنود نحو 6 آلاف مجنّد من 70 دولة، بحسب بيانات وزارة الأمن الإسرائيلية ووحدة البحث بالكنيست، علمًا بأن قضية كهذه تفجّرت قضائيًا في جنوب إفريقيا عام 2014 حين قُدّمت مذكرة ضد أحد مواطنيها بتهمة المشاركة في عمليات عسكرية إسرائيلية بغزة.

(&) التكنولوجيا الرقمية وصادرات السلاح: تشير دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي إلى وجود أسلحة إسرائيلية خفيفة في عدد من الدول الإفريقية، كما توثق قيام إسرائيل بتحديث وصيانة أنظمة عسكرية في أوغندا وأنجولا وكينيا، بالإضافة إلى تدريب القوات على استخدام هذه الأنظمة، وتكمن خطورة هذا النوع من النفوذ في أن إسرائيل لا تبيع السلاح فقط بل تقدم مجموعة من الخدمات المتكاملة مثل خبراء الصيانة والتحديث والتدريب وقطع الغيار، التي تربط الدولة المستوردة بإسرائيل، وبالتالي فإن تقليل الاعتماد عليها قد يصبح أكثر تكلفة بمرور الوقت خصوصًا بالنسبة إلى الجيوش ذات الموارد المحدودة.

ويمثل قطاع المراقبة والتكنولوجيا الرقمية مرحلة أكثر حساسية، لأنه يسمح بالانتقال من دعم القوات الموجودة على الأرض إلى الوصول للمعلومات والاتصالات، حيث كشف تحقيق صحفي لصحيفة الجارديان في فبراير 2026 استخدام السلطات الكينية أدوات اختراق تابعة لشركة “سيلبريت” الإسرائيلية لفك تشفير هاتف أحد المرشحين الرئاسيين المحتملين أثناء احتجازه عام 2025، فيما وقعت شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية عام 2013 عقدًا بقيمة 40 مليون دولار مع نيجيريا لتزويدها بمنصة لتحليل البيانات والاستخبارات والإنذار المبكر.

وعليه، فإن شركات مثل “سيلبريت” و”إلبيت” وغيرها من الشركات الإسرائيلية العاملة في مجالات الاستخبارات والمراقبة والدفاع الرقمي، لا تتعامل مع الدولة كمشتري لمعدات فقط، وإنما كعميل يعتمد على منظومة تقنية متكاملة تحتاج إلى تحديث وتشغيل وتدريب مستمر.

ومن ثم، يصبح النفوذ أكثر عمقًا من مجرد وجود مستشارين عسكريين،إذ يمكن للدولة إنهاء عقد مدرب أجنبي، بينما يصبح التخلص من منظومة تقنية أكثر صعوبة عندما تكون قد اندمجت في بنية الاتصالات والتحليل والاستخبارات.

(&) المشاريع الزراعية والمائية: تعمل إسرائيل على توسيع قاعدة النفوذ في القارة من الأمن إلى التنمية، إذ لا يقتصر الحضور الإسرائيلي على القطاع الأمني، وإنما أصبحت تتبعه أدوات مدنية تشمل الزراعة والمياه والصحة، وهي مجالات أسهمت تاريخيًا في تحسين صورة إسرائيل داخل إفريقيا،وتكمن خطورة هذه الأدوات في قدرتها على فتح أبواب جديدة أمام الشركات الإسرائيلية وربط العلاقات الأمنية بعلاقات اقتصادية وتنموية.

وفي هذا الإطار، وفقًالهيئة الاستثمار الإثيوبية فقد بلغ عدد المشاريع الإسرائيلية في إثيوبيا 187 مشروعًا بقيمة 1.3 مليار بر إثيوبي (ما يوازي 58.4 مليون دولار)وأقامت شركة “نتافيم” الإسرائيلية مشروعًا لإنتاج قصب السكر بنحو 200 مليون دولار، فيما تعاقدت وزارة الزراعة الرواندية عام 2007 مع Eboni الإسرائيلية لوضع خطة الري الوطنية، كما شاركت إسرائيل إلى جانب ألمانيا وكينيا عام 2012 في مشروع لتطهير مياه بحيرة فيكتوريا التي تشكّل المنبع الرئيسي لنهر النيل.

(&) الغطاء الدبلوماسي: توسعت إسرائيل في عملية تتويج مسارها الأمني والاقتصادي بافتتاح سفارات في رواندا وغانا، وموجة تطبيع شملت غينيا (2016) وتشاد (2018) والمغرب والسودان (2020)، ووفقًا لأحدث الإحصائيات فإن إسرائيل تمتلك علاقات مع 46 دولة أفريقية، وصولًا إلى حصولها على صفة “عضو مراقب” في الاتحاد الإفريقي عام 2021، والتي تم تعليق عضويتها في 2022 نتيجة لاعتراض عدة دول من بينها مصر والجزائر.

دوافع متعددة

لا يمكن تفسير رغبة إسرائيل في تعزيز نفوذها في إفريقيا بمعزل عن عقيدتها الأمنية المعروفة  بنظرية الأطراف، والتي تقوم في جوهرها على تطويق الدول العربية من خلال حلفاء على أطرافه الجغرافية، وفي هذا الإطار فقد سعت إسرائيل إلى إقامة علاقات رسمية مع 45 دولة إفريقية، كما كشف التسريب الذي نشره الناشط ايتاي ماك في 15 أغسطس 2026 أن زيارات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إفريقيا تأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث التكرار.

(*) الحاجة الأمنية: تعاني غالبية الدول الإفريقية من توترات أمنية مزمنة سواء كانت ناجمة عن التهديدات الانقلابية أو المعارضة السياسية أو الهجمات الإرهابية، وهو ما دفع الحكومات الإفريقية للبحث عن شريك أمني يساعدها في توطيد سلطته والبقاء على رأس الحكم ولا يشترط في المقابل إصلاحات حكومية أو التزامات حقوقية والتزامات حقوقية وأخلاقية ، خلافًا لما تفرضه غالبًا المساعدات الغربية التقليدية.

(*) الحاجة الاقتصادية الإسرائيلية: تعتبر إسرائيل القارة الإفريقية بما تعج به من صراعات وتوترات، بيئة خصبة لزيادة مبيعاتها من الأسلحة، إذ شكلت صادرات الأسلحة في عام 2025 نحو 19.2 مليار دولار، وهو ما يفسر سعيها الدائم لأسواق بديلة تعوضها عن أي تقلبات في عملائها التقليديين سواء جاء ذلك نتاج تغير الأنظمة أو انتهاء النزاعات.

وإجمالًا؛ تكشف خريطة النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا عن أن العلاقة لا تبدأ من الدبلوماسية والسفارات، وإنما من الاحتياج الأمني ثم التغلل إلى الحرس الرئاسي والقوات الخاصة والتوسع تدريجيًا إلى السلاح والصيانة والاستخبارات والمراقبة الرقمية، وهو ما يفتح الطريق واسعًا أمام الشركات والاستثمارات والمشروعات التنموية، ثم تأتي الدبلوماسية في المرحلة الأخيرة كغطاء سياسي أوسع لهذه الشبكة المترابطة من العلاقات.

ومن ثم، فإن حجم النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا لا يُقاس بحجم الوجود العسكري أو عدد الاتفاقيات المعلنة، وإنما يتمثل في مدى القدرة على بناء علاقات داخل مؤسسات الدولة، فكلما أصبحت المؤسسة الأمنية معتمدة على التدريب والسلاح والتكنولوجيا والخبرة الإسرائيلية، أصبحت العلاقة أكثر ترابطًا بصرف النظر عن طبيعة العلاقات السياسية الرسمية.

وعليه؛ فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في مواجهة التغلغل الإسرائيلي في القارة، وإنما في تقديم بدائل منافسة قادرة على الدخول في القطاعات التي صنعت هذا النفوذ، ولكن من خلال شراكات مؤسسية طويلة الأجل لا تقتصر على المساعدات أو الزيارات الدبلوماسية، وإلا ستظل إسرائيل قادرة على إعادة إنتاج حضورها داخل القارة حتى في الحالات التي تتراجع فيها صورتها السياسية أو تتعرض علاقاتها الدبلوماسية لانتكاسات مؤقتة.

سناء عوض الله

سناء عوض الله- باحثة ببرنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، وتعد رسالة الماجستير في دراسات الأمن الإقليمي. مهتمة بدراسة التحولات الاجتماعية والديمغرافية في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها متابعة للشئون المصرية، خاصة التحولات الاقتصادية في السوق المصري (دراسات السوق).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى