تصعيد محسوب: قراءة في تهديدات الحوثي من باب المندب إلى البحر الأحمر

لم يعد التصعيد الأخير لتنظيم الحوثي مجرد جولة جديدة من جولات الحرب الممتدة في اليمن وحدوها منذ أكثر من عقد، ولا مجرد تقدم ميداني على حساب القوات الحكومية والقوى المحلية المناهضة له، وإنما بدأ يكتسب دلالة استراتيجية أوسع تتصل بالموقع الذي يتحرك فيه هذا التقدم وبالطبيعة الجغرافية للمناطق التي أصبحت في دائرة سيطرة أو تهديد الحوثي. فالتطور الأكثر أهمية خلال الأيام الأخيرة لا يرتبط فقط بسقوط مواقع على الساحل الغربي، وإنما بانتقال العمليات تدريجيًا من عمق الجبهة اليمنية باتجاه المنطقة المحيطة بمضيق باب المندب، ثم الوصول إلى جزيرة “ميون”، المعروفة أيضًا باسم بريم، وهي جزيرة تقع داخل المضيق نفسه وتقسمه إلى ممرين ملاحيين.
وتكمن أهمية هذا التطور في أن باب المندب ليس مجرد ممر بحري داخل الجغرافيا اليمنية فحسب، وإنما أحد الممرات التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وبالتالي فإن أي تغيير في البيئة الأمنية المحيطة به يتجاوز تأثيره حدود اليمن إلى حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. وقد أكدت تقارير لوكالتي رويترز وأسوشيتد برس، وصول الحوثيين إلى جزيرة ميون الجمعة 11 سبتمبر 2026، بالتزامن مع تقدمهم في بلدة ذباب، بينما تحدثت تقارير أخرى عن تطورات في جزر حنيش وزقر في البحر الأحمر، وإن كانت درجة التحقق من السيطرة على هذه الجزر ليست في مستوى التأكد من السيطرة على ميون وذباب.
وتزداد أهمية هذه التطورات إذا وضعت في سياق التقدم الحوثي السابق في مدينة المخا، وهي ليست مجرد مدينة يمنية ساحلية فحسب، وإنما مدينة وميناء يقعان على الساحل الغربي لليمن في موقع شديد الحساسية بالنسبة إلى الحركة البحرية في جنوب البحر الأحمر. ويقع ميناء المخا على مسافة تقارب 75 كيلومترًا من باب المندب، الأمر الذي يجعل السيطرة على المدينة أو المناطق المحيطة بها ذات قيمة عسكرية ولوجستية واستراتيجية كبرى، لا سيما عندما تتصل بتقدم آخر جنوبًا باتجاه ذباب. أما ذباب فهي منطقة تقع مباشرة تقريبًا عند المدخل الشمالي للمضيق، ولذلك فإن الانتقال من المخا إلى ذواب لا يمثل مجرد توسع جغرافي على الخريطة، بل يعني تقليص المسافة بين القوات الحوثية وبين واحدة من أكثر النقاط حساسية في منظومة الملاحة الدولية. ومع وصول الحوثيين إلى جزيرة ميون، تصبح الصورة أكثر تعقيدًا، إذ أن ميون ليست على الساحل فحسب، وإنما تقع في قلب باب المندب وتفصل بين ممراته البحرية، بما يجعلها نقطة ذات قيمة استثنائية بالنسبة إلى الرصد والمراقبة والتحرك البحري.
واستنادًا إلى ما سبق، يقدم التحليل قراءةفيما يتعلق بالقيمة الحقيقية لهذه المناطق وماذا تعني سيطرةتنظيم الحوثي عليها وشكل التهديدات المرتقبة جراء هذه التحركات.
ملامح تشّكل مثلث جغرافي:
تكشف قراءة المشهد العسكري للحوثيين، فيما يتعلق بالتطورات الأخيرة بالقرب من مضيق باب المندب عن تحول مهم في طبيعة الصراع، فالمخا تمثل نقطة ساحلية وميناءً يمكن أن يوفر قيمة لوجستية وعمقًا للحركة على الساحل، بينما تقع بلدة ذباب في منطقة أكثر اقترابًا من المدخل الفعلي لباب المندب، في حين أن جزيرة ميون تقع داخل المضيق نفسه. وبذلك، فإن الانتقال بين هذه المواقع يجب النظر إليه باعتباره سيطرة على محور جغرافي واحد، نحو منطقة تضيق فيها المسافة بين القوات البرية والمجال البحري الحيوي. وبما أن ميناء المخا تحديدًا يقع على بُعد نحو 75 كيلومترًا من باب المندب، فيمكن اعتبار أن السيطرة على المناطق المحيطة به، تمنح الحوثيين حضورًا مباشرًا على الطرق المؤدية إلى المضيق.
وهنا تتضح أهمية التمييز بين السيطرة على مدينة ساحلية والسيطرة على جزيرة داخل مضيق نفسه. فالمدينة الساحلية تمنح الطرف المسيطر إمكانية استخدام الميناء والساحل والطرق البرية ونقاط الإمداد، بينما توفر الجزيرة الواقعة داخل الممر البحري قيمة مختلف، حيث تتصل بالمراقبة والسيطرة على المجال المحيط بها. ولذلك فإن السيطرة على جزيرة ميون لا تعني بالضرورة أن الحوثيين أصبحوا قادرين تلقائيًا على إغلاق باب المندب أو منع الملاحة الدولية، فهذا يتطلب قدرات عسكرية وبحرية واستخباراتية متقدمة بشكل كبير، فضلًا عن مواجهة وجود بحري دولي محتمل. لكنها تعني أن الحوثيين أصبحوا أقرب جغرافيًا إلى السفن التي تعبر المضيق، وأنهم باتوا يمتلكون موقعًا مؤثرًا يمكن أن يُستخدم ضمن منظومة أوسع للرصد والاستهداف والإنذار المبكر. وبمعنى آخر، فإن التطور لا ينقل الحوثيين بالضرورة من حالة “تهديد الملاحة” إلى حالة “التحكم بالملاحة”، لكنه يقربهم من امتلاك قدرة أكثر استدامة على التأثير في البيئة الأمنية للممر البحري.
تحولات مؤثرة:
لطالما اعتمد الحوثيون على نموذج من الحرب غير المتكافئة يسمح لهم بإحداث تأثير يتجاوز حجم الأراضي التي يسيطرون عليها. حيث أن الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والهجمات البحرية أتاحت لهم تهديد أهداف في المملكة العربية السعودية، ومهاجمة سفن في البحر الأحمر دون الحاجة إلى السيطرة المباشرة على كل المساحات التي تفصلهم عن تلك الأهداف. غير أن التقدم الأخير يضيف عنصرًا جديدًا إلى هذه المعادلة، يتمثل في محاولة ربط القدرة العسكرية بالسيطرة الجغرافية. إذ أن السيطرة على موقع ساحلي أو جزيرة قريبة من الممر البحري يمكن أن توفر طبقة إضافية من الرصد والاستطلاع والتمركز النوعي.
وهذا التحول لا يعني أن الحوثيين أصبحوا قوة بحرية تقليدية قادرة على فرض سيطرة كاملة على مضيق باب المندب، ولا أن مجرد السيطرة على جزيرة ميون كافية لإغلاق المضيق. لكن الفارق الاستراتيجي يكمن في أن التهديد يصبح مرتبطًا بالمكان نفسه وبأهميته الاستراتيجية وتداعياته على المنطقة بأكملها. فكلما اقترب مصدر التهديد من الممر الملاحي، ازدادت أهمية منظومات المراقبة والدفاع والحماية التي يتعين على الطرف الآخر توفيرها. ولذلك فإن الهدف الأكثر واقعية قد لا يكون إغلاق باب المندب، وإنما امتلاك القدرة على جعل المرور من خلاله أكثر مخاطرة وأكثر تكلفة، بما سيؤثر سلبًا لا محالة على حركة التجارة الدولية المرتبطة به، من خلال التأثير في قرارات شركات الشحن، وأسعار التأمين، وحسابات الدول التي تعتمد على استقرار هذا الطريق.
كما أن الهجمات الحوثية الأخيرة على المملكة العربية السعودية، كشفت أيضًا عن هذا التحول، فقد تعرضت مناطق سعودية، بينها أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، لهجمات خلال التصعيد الأخير، وأعلنت المملكة إصابة عشرات المدنيين، بينما اتسعت الهجمات لتشمل أهدافًا بحرية أيضًا. وفي الوقت نفسه، بدأت السعودية في تنفيذ ضربات جوية داخل اليمن.
كذلك لا يمكن تفسير سرعة التقدم الحوثي هذا بالحديث عن قدرات الحوثيين وحدها، لأن جزءًا من تفسير ما حدث يرتبط أيضًا ببنية القوى التي تواجههم على الأرض. فالمعسكر المناهض للتنظيم ليس كتلة عسكرية وسياسية متجانسة، وإنما يضم الحكومة المعترف بها دوليًا وقوى محلية متعددة ذات حسابات مختلفة، بينها قوات مرتبطة بقيادات محلية ومشروعات سياسية وأمنية متباينة. وفي الساحل الغربي اليمني تحديدًا، يمثل ذلك عاملًا بالغ الأهمية، لأن أي انسحاب أو إعادة تموضع لإحدى القوى يمكن أن يخلق فراغًا جغرافيًا تستفيد منه القوات الحوثية بسرعة. وقد تحدثت تقارير دولية عن انسحاب قوات من مناطق في الساحل، فيما وصفت بعض التحليلات السياسية، عددًا من عمليات الانسحاب بأنها إعادة تموضع تكتيكية. لكن النتيجة في نهاية المشهد كانت أن الحوثيين تمكنوا من التقدم بسرعة نحو ميناء المخا ثم جنوبًا باتجاه ذباب وباب المندب.
إيران ومشهد التصعيد:
يصعب فصل التطورات اليمنية عن البيئة الإقليمية الأوسع، لا سيما في ظل التوتر المتزامن حول مضيق هرمز والحرب الأمريكية-الإيرانية. وتكمن أهمية البعد الإيراني هنا في أن باب المندب يمكن أن يمثل مسارًا إضافيًا للضغط على منظومة الطاقة والتجارة إذا ظل مضيق هرمز نفسه معرضًا للاضطراب. وقد أشارت وكالة رويترز إلى أن التقدم الحوثي باتجاه باب المندب يفتح أمام إيران وحلفائها إمكانية الضغط على مسار رئيسي آخر للطاقة والملاحة، في وقت تواجه فيه منطقة الخليج العربي اضطرابات مرتبطة بهرمز. وفي الوقت نفسه، فإن اختزال التصعيد الحوثي في كونه مجرد تنفيذ مباشر لإرادة إيرانية سيكون تبسيطًا مخلًا، فالقرار الحوثي له حساباته المحلية والعسكرية الخاصة، حتى مع وجود دعم إيراني في مجالات التسليح والتمويل والخبرة.
ولعل الأمر الأكثر أهمية هنا، هو فهم تقاطع المصالح الذي يجعل المكسب الحوثي في باب المندب له قيمة تتجاوز اليمن. فإذا أصبحت إيران تحت ضغط في الخليج، وفي الوقت نفسه يمتلك ذراعها الحوثي قدرة متزايدة على تهديد الممر البحري المقابل في البحر الأحمر، فإن البيئة الإقليمية تصبح أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل والدول الأوروبية المعنية بأمن الملاحة. وبهذا المعنى، يتحول اليمن من ساحة صراع إقليمي، إلى أحد المكونات المباشرة في إعادة توزيع الضغوط على الممرات البحرية الحيوية.
باب المندب وأسواق الطاقة:
تكمن خطورة التطورات الحالية في أن آثارها المحتملة لا تتوقف عند أطراف الصراع فقط. فباب المندب يمثل حلقة أساسية في الطريق البحري الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر ثم قناة السويس والبحر المتوسط، ولذلك فإن أي تدهور طويل الأمد في أمنه واستقرار حركو المرور فيه، يمكن أن ينعكس على تكاليف النقل والتأمين ومسارات السفن وأسعار الطاقة. وقد تجاوزت أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل خلال موجة التصعيد الحالية، بينما تراجعت الإمدادات النفطية السعودية إلى مستويات منخفضة بسبب الاضطرابات والهجمات، وهو ما يوضح مدى حساسية أسواق الطاقة لأي تهديد متزامن للممرات البحرية الرئيسية.
ولا يحتاج الحوثيون إلى إغلاق باب المندب بصورة كاملة حتى يتحقق هذا التأثير. فالممرات البحرية لا تعمل فقط وفق معيار مفتوح أو مغلق، وإنما وفق مستوى المخاطر المرتبط بها. فإذا أصبحت شركات النقل ترى أن عبور المنطقة يتطلب تأمينًا أعلى، أو حراسة بحرية بصورة أكبر، أو تغييرًا في مسارات بعض السفن، فإن الأثر الاقتصادي يبدأ قبل حدوث أي إغلاق رسمي. وهذه النقطة هي التي تجعل التطور الحالي أكثر أهمية، لأن القيمة الاستراتيجية للموقع قد تكون في قدرته على إنتاج عدم اليقين، وليس بالضرورة في استخدامه لإغلاق الممر بصورة مباشرة.
وختامًا،تكشف التطورات الأخيرة في اليمن عن انتقال تدريجي في طبيعة الصراع من محاولة السيطرة على الأرض إلى الصراع على المواقع التي تمنح القدرة على أكبر قدر من التهديد. فالقيمة الحقيقية لهذه المواقع التي سيطر عليها التنظيم، تنبع من موقعها بالنسبة إلى باب المندب، ومن إمكانية ربطها ضمن شبكة واحدة تمتد من الساحل إلى الجزر إلى المجال البحري. ومع كل تقدم باتجاه المضيق، يصبح الحوثيون أقرب إلى تحويل قدراتهم الصاروخية والبحرية من أدوات بعيدة المدى إلى جزء من منظومة جغرافية متكاملة تستطيع التأثير بشكل أو بآخر في البيئة المحيطة بالممر الملاحي.
ومع ذلك، فإن السيطرة الحالية لا تعني أن الحوثيين حسموا باب المندب، ولا أن إغلاقه أصبح أمرًا واقعًا. فالحفاظ على ميون والمواقع الساحلية واستثمارها عسكريًا يختلف تمامًا عن الاستيلاء عليها، كما أن أي محاولة لتثبيت واقع جديد حول المضيق ستواجه استجابة يمنية وإقليمية ودولية. لكن أهمية اللحظة الراهنة تكمن في أن المعادلة نفسها تغيرت، فالتهديد لم يعد يأتي فقط عبر الصورايخ والمسيرات من الصحراء ومنصات الإطلاق، وإنما أصبح هناك احتمال لتشكل وجود حوثي جغرافي بالقرب من واحدة من أكثر النقاط حساسية في النظام البحري العالمي. وفي ظل استمرار التوتر حول هرمز، فإن تزامن الضغط على مضيقين بحريين في آن واحد يمنح التطورات اليمنية وزنًا يتجاوز بكثير حدود الحرب الداخلية.