تصدير المهاجرين.. كيف تؤثر البيئة الخارجية على المشهد الداخلي التونسي؟

في اتصال هاتفي مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون جدد الرئيس التونسي قيس سعيد في مارس 2026 مطالبته الاتحاد الأوروبي بشراكة أكثر عدلًا وإنصافًا، في إشارة إلى اتفاق الشراكة الموقع منتصف يوليو 2023 التي عززت من التعاون بين الجانبين في مكافحة الهجرة غير النظامية بعد تفاقم أزمات المهاحرين في أوروبا تزامنًا مع صعود اليمين المتطرف، إلا أن ارتدادات الواقع الجيوسياسي المحيط بتونس والذي يشهد اشتعالًا للصراعات والحروب في منطقة الساحل والسودان وصولًا إلى ليبيا غيرت من تلك المعادلة ودفعت بملف الهجرة إلى الواجهة. وامتدت ارتدادات ملف الهجرة في الداخل التونسي مع بروز اقتصاد للهجرة وآخر للمهاجرين حمل تداعيات اجتماعية وأمنية مع ظهور خطاب معادٍ للمهاجرين بالحديث عن تحولات ديموغرافية تشغل بال النخب السياسية وبعض السكان المحليين المتأثرين بتدفقها في شرق البلاد.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي تأثير البيئة الخارجية على تصدير الأزمات لتونس في ضوء ملف الهجرة غير النظامية.

أبعاد متشابكة

ترتبط التوترات بشأن ملف الهجرة في وجود شراكة غير متكافئة بين تونس من جهة والاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي برمته من جهة أخرى، وهو ما تفاقم أثر العوامل التالية:

(*) شراكة غير متكافئة: جاء الاهتمام الأوروبي بالعلاقات مع تونس في ضوء معالجة ملف الهجرة غير النظامية من الشمال الإفريقي إلى سواحل جنوب أوروبا، وتصدرت تونس جهود احتواء تلك الأزم بالنظر لقربها الجغرافي من سواحل إيطاليا تزامنًا مع وصول تيارات أقصى اليمين مما أدى لتوقيع مذكرة تفاهم بين تونس وبركسل في 16 يوليو 2023، لإرساء شراكة استراتيجية شاملة من 5 دعائم أساسية تشمل استقرار الاقتصاد الكلي، والتجارة والاستثمار، والطاقة الخضراء، والتقارب بين الشعوب، ومكافحة الهجرة التي تمثل الدعامة الأهم والأبرز. وشمل الاتفاق تقديم 105 ملايين يورو لدعم حرس السواحل وتعزيز أمن الحدود، ونحو 900 مليون يورو لدعم استقرار الاقتصاد الكلي وتخصيص 150 مليونًا في دعم مباشر للموازنة العامة حسب موقع البرلمان الأوروبي، كما قدمت بروكسل دعمًا إضافيًا في تمويلات متعددة لمكافحة الهجرة ومنها إنشاء أكاديمية لتدريب حرس السواحل والحرس الوطني بالتعاون مع الشرطة الفيدرالية الألمانية وتوجيه جانب من التمويل الأوروبي لشراء رادارات وقوارب للحرس الوطني.

ومن منظور الجانب التونسي تعبر الشراكة في صيغتها الحالية عن عدم توازن في نتائجها مع التزامه بتعزيز إجراءات مكافحة الهجرة؛ حيث اعترضت السلطات التونسية في 2023 نحو 70 ألف مهاجر غير نظامي عبر البحر بزيادة سنوية تفوق الضعف عن عمليات الاعتراض بالعام السابق 2022 والتي بلغت 31297 مهاجرًا. كما انخفضت أعداد المهاجرين من تونس باتجاه أوروبا من مستوى 97667 شخصًا في 2023 إلى 15835 في سبتمبر 2024، في مؤشر على فاعلية الدور التونسي في تقييد عمليات الهجرة غير النظامية رغم تصاعد التكاليف الأمنية والاقتصادية جراء تسارع تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى الأراضي التونسية نتيجة اتفاقات الاتحاد الأوروبي مع دول الجوار على غرار اتفاق 2017 مع ليبيا قبل أن تتحول الظروف في إطار عملية الكرامة 2019 وتعزيز سيطرة الميليشيات المسلحة في الغرب الليبي وانخراطها في أنشطة الجريمة المنظمة العابرة للحدود من تهريب المخدرات والاتجار بالبشر. وعلى الرغم من استحواذ الاتحاد الأوروبي على 70% من صادرات  تونس، إلا أن مساهماته في الاستثمار داخل تونس تظل محدودة مقارنة مع تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية وهجرة الكفاءات بينما يُنظر للجارة الجنوبية كسوق للمنتجات الأوروبية ومنطقة عازلة للحد من تدفق المهاجرين واللاجئين.

(*) تحولات جيوسياسية: ساهمت التطورات في منطقة الساحل الإفريقي في زيادة الضغط على موادر الدولة التونسية في مكافحة الهجرة غير النظامية ومعها تصاعد الخطاب المندد بما يراه تغييرًا للتركيبة الديموغرافية؛ ورغم ضآلة نسبة المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء والتي تمثل نحو 0.5% من إجمالي السكان، إلا أن سرعة تدفقها واستحواذها في عام 2024 على نسبة 55% من إجمالي المهاجرين غير الشرعيين (خاصة من غينيا ومالي والسودان) الراغبين في العبور إلى أوروبا من خلال تونس عززت من تلك المخاوف في ظل ضعف إقبال التونسيين على الإنجاب. وتشير تقديرات محلية إلى أن أعداد المهاجرين الأفارقة ارتفعت في عقد ونصف من 7 آلاف في 2010 بعشرة أضعاف إلى مستوى 70 ألفًا في 2026، مما يعزز من الخطاب المعادي للأجانب عمومًا والأفارقة على وجه الخصوص وبالتبعية يؤثر على العلاقات الاقتصادية والتجارية مع دول إفريقيا جنوب الصحراء.

أسهمت تحولات العلاقة بين تونس وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء جراء انفتاح الأولى على إلغاء التأشيرات مع بعض البلدان في استقبال تونس لأعداد متزايدة من تلك البلدان، كما أسهم اتفاق الهجرة بين ليبيا والاتحاد الأوروبي 2017 في تعزيز موقع تونس على خارطة العبور إلى السواحل الإيطالية والأوروبية؛ حيث انخفضت حصة ليبيا من الهجرة إلى إيطاليا من 91% قبل الاتفاق مقابل صعود تونس مسجلة 32% من المهاجرين إلى الشواطئ الإيطالية في 2019، ثم 43% عام 2020 حتى بلغت حصة تونس في 2023 نحو 61% مقابل 33% من السواحل الليبية.

(*) شبكات عابرة للحدود: أنضجت الظروف الاقتصادية والاجتماعية في تونس والبلدان  المصدرة والمستقبلة للهجرة مناخ اقتصادي غير رسمي للهجرة غير النظامية من ورش محلية لصناعة قوارب الهجرة إلى شبكات جريمة عابرة للحدود في تونس وإيطاليا، وهو ما كشفت عنه أعمال ملاحقة تلك الشبكات؛ حيث أعلنت السلطات الإيطالية في 21 فبراير 2024 تفكيك شبكة إجرامية مكونة من 6 إيطاليين و6 تونسيين تورطت في تسهيل عمليات الهجرة غير النظامية.

وأثمرت تلك التحولات نشوء بنية تحتية اقتصادية داعمة لذلك النشاط غير القانوني من خلال توفير 3 أنواع من الهجرة وفق تحقيق استقصائي لمنصة إنكفاضة، ففي الفئة الأولى التي يتركز فيها نحو 77% من المهاجرين وغالبيتهم من مواطني إفريقيا جنوب الصحراء ويتم استخدام قوارب حديدية بدائية بتكلفة تتراوح بين 300 و900 يورو لكل مهاجر. ويأتي في الفئة الثانية المواطنون التونسيون باستخدام قوارب مطاطية وخشبية وتتراوح تكلفة الهجرة بين 900 و2000 يورو لكل شخص، فيما ترتبط الفئة الثالثة من جنسيات عربية وآسيوية (بنجلاديش وباكستان) في رحلات محدودة العدد بقوارب سريعة خفيفة الحركة تقل المهاجرين إلى صقلية مع باقة من الخدمات وبتكلفة تتراوح بين 3000 و6000 يورو للمهاجر الواحد.

تكلفة متزايدة

تقف تونس وحيدة أمام العبء الاقتصادي والأمني والإنساني لغياب مسارات آمنة للهجرة النظامية وغياب بيئة أمنية وسياسية مستقرة في الدول المصدرة للمهاجرين، وتتخوف من التحول تدريجيًا إلى منطقة عازلة تمنح أوروبا السيطرة على تدفقات الهجرة خارج حدود القارة العجوز دون وجود ضمانات تعزز من استقرار الوضع الاقتصادي والدعم المالي والدبلوماسي لإعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية وتحمل المنظمات الدولية المعنية بالمهاجرين بتوفير منح ودعم مالي لتلبية احتياجاتهم.

وتكمن المشكلة في استخدام موارد الدولة لاعتراض واحتجاز المهاجرين غير النظاميين وإطلاح سراحهم داخل البلاد التي شهدت بعض مناطقها بيئة جاذبة للمهاجرين بحثًا عن يد عاملة رخيصة على غرار صفاقس التي شهدت تحولات اجتماعية واقتصادية جراء تزايد ضغوط الهجرة وبروز اقتصادياتها كتحدٍ اجتماعي، فلا يوجد دعم دولي مالي وإنساني للإنفاق على احتياجات المهاجرين للمأوى والمأكل (والتي تعادل وفق تقديرات برلمانية 23 مليون دولار سنويًا) أو إعادتهم لأوطانهم الأصلية، مما دفع الدولة التونسية للتوسع في برامج العودة الطوعية والتكفل بتذاكر الطيران للعودة.

وبلغ إجمالي عدد المهاجرين العائدين ضمن برنامج العودة الطوعية خلال 4 سنوات ونصف إلى 22377 شخصًا، حيث غادر نحو 1614 شخصًا في 2022، مقابل 2557 شخصًا في 2023، واستمرت اليادة السنوية لأعداد العائدين لتبلغ في 2025 نحو 8853، ومن المخطط أن ترتفع أعداد العائدين في 2026 إلى 10 آلاف مهاجر.

وإجمالًا؛ تمثل اضطرابات منطقة الساحل وتشديد سياسات الهجرة الأوروبية بالتوازي مع عدم إيجاد حلول مستدامة للتعامل مع المطالب المشروعة في الهجرة الآمنة والبحث عن حياة مستقرة بعيدًا عن الصراعات، مدخلًا لتصدير أزمات الهجرة واللجوء من البلدان المصدرة والمستقبلة للمهاجرين إلى تونس رغم ضعف قدراتها أمام تزايد تدفقات المهاجرين، وحاجة اقتصادها لمزيد من الشراكات الاقتصادية المربحة التي تعزيز استقرار الداخل دون تعريض الاتفاقات القائمة أو فرص التوسع الاقتصادي والتجاري للخطر نتيجة للتوترات الدبلوماسية مع دول جنوب الصحراء والتي قد تنجم عن ذلك الملف.

ضياء نوح

ضياء نوح- باحث أول بمركز رع للدراسات الاستراتيجية وهو المنسق الأكاديمي للمركز. الباحث خبير بوحدة الدراسات الاستراتيجية بقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهو حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية، وباحث ماجستير في ذات التخصص، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية، متخصص في شئون الخليج وإيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى