حدود التوظيف.. كيف تتأثر “أقليات الشرق الأوسط” بصراعات المنطقة؟

مثل ملف الأقليات القومية والدينية محفزًا رئيسيًا في صراعات منطقة الشرق الأوسط، وعلى الرغم من فاعليتها في تشكيل موازين القوى بين الأطراف الإقليمية والدولية المتصارعة، ظل توظيف قضايا الأقليات القومية والدينية والمذهبية تحت غطاء حمايتهم تارة ودعم الأجنحة الانفصالية المسلحة تارة أخرى حاضرة في صراعات ما بعد الحرب العالمية الأولى وتقسيم تركة الإمبراطورية العثمانية في المشرق العربي بين القوى الاستعمارية وصولًا لإعلان قيام إسرائيل على الأراضي الفلسطينية باعتبارها “وطنًا قوميًا لليهود” ليكرس بذلك رؤية استشراقية قديمة تنظر للمنطقة من منظور القبلية وغياب تماسك أسس وجذور الدولة القومية الحديثة.

وتكشف تحولات توظيف قضايا “أقليات الشرق الأوسط” العرقية والدينية في مرحلة إعادة تشكيل المنطقة عن استمرار الاتجاهات المتباينة للسياسات الموجهة للأقليات، لعل أهمها بروز الفاعلين الإقليميين في إعادة صياغة دور هذه المكونات، وتغير تكتيكات المعالجة في البلدان متعددة المكونات القومية والدينية والمذهبية باتجاه الاحتواء أو التسوية السياسية الشاملة، وتأثر مواقف القوى الدولية بحالة عدم اليقين الهيكلي في النظام الدولي ونتيجة قصور النظرة التفسيرية الغربية لمتغيرات الشرق الأوسط.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي حدود تأثر “أقليات الشرق الأوسط” بصراعات المنطقة ومحددات تأثيرها في مستقبل الشرق الأوسط.

ملامح التوظيف

تتراوح سيناريوهات توظيف القضايا القومية والدينية والمذهبية في صراعات إيران وسوريا ولبنان، بين توفير مظلة أمنية قابلة للتوسع في مراحل لاحقة، وتفجير الوضع الداخلي عبر التمرد المسلح، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:

(*) تأمين المحيط: اتخذت إسرائيل من قضية دعم الدروز أداة للتدخل في الشأن السوري مع توسيع الانخراط العسكري المباشر في مناطق جنوب البلاد، على خلفية النزاع بين الحكومة السورية الجديدة والزعامة الروحية لطائفة الموحدين الدروز برئاسة حكمت الهجري، وامتدادًا للحرب مع حزب الله التي اتُخذت فيها حادثة قصف ملعب كرة قدم في قرية مجدل شمس الدرزية بالجولان السوري المحتل كذريعة لتصعيد الحرب ضد الحزب. ترغب إسرائيل في توفير مظلة حماية أمامية خارج نطاق فلسطين التاريخية من خلال تعزيز الوجود العسكري بالجولان السوري المحتل، مع ضمان حرية الحركة بين الجولان المحرر والمحتل والحفاظ على نطاق المنطقة الأمنية التي فرضتها إسرائيل عقب سقوط الأسد. ويحقق ذلك التوجه هدفين لإسرائيل؛ أولهما تعزيز ارتباط دروز الداخل المحتل بإسرائيل استغلالًا لمخاوفهم من الحكم الجديد في سوريا عبر الحصول على الجنسية، وثانيهما امتلاك نفوذ في الداخل السوري من الممكن أن يحد من خيارات المناورة لدمشق في الاستجابة لمطالب تل أبيب المفرطة.

(*) التمرد المسلح: برز الخيار الكردي باعتباره المكون العرقي الأبرز في معادلة صراع الأقليات والقوميات الفرعية مع الدولة القومية الحديثة في الشرق الأوسط عمومًا، والقوميات الإيرانية خاصة في أعقاب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيليةعلى إيران 28 فبراير 2026، من خلال تصريحات متواترة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتسليح الفصائل الكردية الإيرانية في شمال العراق، وهو ما تبين لاحقًا أنه ضمن خطط الموساد الأولى لإسقاط النظام الإيراني والتي عُرضت على البيت الأبيض قبل أن يتراجع عن تنفيذها خشية الإضرار بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة وبدعم من الموقف التركي الرافض لتسليح الأكراد الإيرانيين مما يهدد بعودة الاضطرابات على الحدود التركية مع سوريا والعراق وإيران، فضلًا عن إغراق الحدود التركية بآلاف اللاجئين الإيرانيين الفارين من المنطقة حال توسع نطاق الحرب.

محددات المكانة

يرتبط استدراج الأقليات القومية والدينية في صراعات الشرق الأوسط بوجود مظلومية تاريخية أو تهميش لأحد المكونات نتيجة ضعف الموارد الموجهة للتنمية أو عدم الاعتراف بالتمايز الثقافي واللغوي، ويتعلق انخراط هؤلاء الفاعلين بالقدرة على استغلال الأزمات للتحوط السياسي تجاه الدول المعنية على أسس وطنية أو تصعيد الخطاب تجاه الحكومة المركزية والتعويل على الضغوط الخارجية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف وبالتواؤم مع حجم القدرات الذاتية لتلك المكونات وتأثير العامل الجغرافي والمتغيرات الإقليمية في ضبط سلوكها.

(&) تصور الدور: يعكس المشهد العام للأقليات في مناطق الصراع بالشرق الأوسط تنازعًا في الموقف السياسي العام نتيجة الاستقطابات المستمرة من القوى الإقليمية ذات الاهتمامات المتعارضة؛ ويتضح هذا المشهد في الشأن الكردي باعتبارهم أكبر الأقليات القومية والدينية في الشرق الأوسط بما يعاد 33 إلى 45 مليون نسمة حول العالم؛ من بينهم نحو 30 مليون نسمة في المنطقة المتصلة بين إيران وتركيا وسوريا والعراق. ويعد الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق أهم الفاعلين الكرد في المنطقة، من خلال إبراز دور إقليم كردستان العراق كجسر للتواصل بين الفرقاء الأكراد من جهة وجوارهم المباشر في تركيا وإيران وسوريا من جهة ثانية، أو بين واشنطن وطهران من جهة ثالثة كما كشف موقع “أكسيوس” مؤخرًا عن إقامة قناة تواصل سرية بواسطة رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني بين الإدارة الأمريكية وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي.ويصطدم هذا الدور أحيانًا بالضغوط السياسية والأمنية من طهران وحلفائها في العراق في ظل علاقات الإقليم بالوجود العسكري الأمريكي واتهامه إيرانيًا بإيواء قواعد استخباراتية للموساد الإسرائيلي.

على الجانب الآخر، تمتلك الطائفة الدرزية وجودًا متفاوتًا في سوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة مع كتلة ديموغرافية تقدر بنحو 1.2 مليون نسمة، أكبرهم من حيث العدد في سوريا بنحو 700 ألف نسمة بينما يقل تأثيرهم السياسي نظرًا لتوزعهم بين محافظة السويداء ومناطق جرمانا وصحنايا والجولان.وفي المقابل يزداد تأثيرهم السياسي في لبنان رغم بلوغهم 300 ألف نسمة فقط، حيث يتمركزون في جبل لبنان وجنوب شرقي البلاد ويحظون بكتلة سياسية وروحية موحدة. بينما يتركز الدروز في شمال إسرائيل بمناطق الجليل ويحظون باندماج شبه كامل في السلك الدبلوماسي والجيش والوظائف الحكومية ويبلغ عددهم نحو 150 ألف نسمة، وهو ما يساعد على تقديمهم كحاضنة لاستمالة الدروز السوريين سياسيًا وأمنيًا، بالتوازي مع استمرار التوتر بينهم وبين السلطات السورية، وهو ما ينعكس كذلك في إقبال الدروز في الجولان السوري المحتل على الجنسية الإسرائيلية.

(&) الجغرافيا والقدرات التنظيمية: عزز صعود خطر تنظيم داعش الإرهابي في 2014 من قيمة الجغرافيا الكردية على أطراف العراق وسوريا كبيئة متمايزة لغويًا وثقافيًا لم يستطع التنظيم اختراقها رغم حالة السيولة الأمنية في البلدين المتجاورين، إلا أن تلك البيئة الديمغرافية ظلت حبيسة التفاهمات الروسية الأمريكية على بناء شراكات أمنية محدودة مع قسد في سوريا للضغط على تركيا واحتواء دورها دون تجاوز توازن القوى الإقليمي أو توجيه تهديد مباشر للأمن والمصالح القومية التركية،بينما نجحت أنقرة في كسر مشروع قسد واتباع استراتيجية متدرجة لاحتواء حزب العمال الكردستاني على خطوط القتال الأمامية في سوريا والعراق قبل مبادرة “تركيا خالية من الإرهاب” التي تستهدف حل حزب العمال والنزع الكامل لسلاحه وإعادة دمج مناصريه في المشهد التركي.

وفي الحالة السورية، لا يتحدد الوجود الدرزي بجغرافيا متصلة ولا يمتلك أي مقومات لبناء دولة مستقلة، بينما يظل الاستقطاب الإسرائيلي المستند للتوغلات الميدانية المتواصلة بالجنوب السوري من جهة والمخاوف من هوية مكونات الحكومة السورية الانتقالية من جهة أخرى عاملًا رئيسيًا في استمرار التوتر ولا يحقق سوى مصالح إسرائيل في ترسيخ احتلال الجولان وتعزيز الترابط بين الدروز السوريين ونظرائهم في الداخل.

ميدانيًا؛ يمتلك المكون الكردي قدرات عسكرية وتنظيمية مهمة نتيجة للوضع الخاص لإقليم كردستان العراق، إلا أن المشهد الكردي الداخلي يتباين باختلاف السياق الوطني، كما أن المسلحون الأكراد الإيرانيين والأتراك أكثر ارتباطًا بمجتمعات اللجوء في شمال إقليم كردستان التي نشئوا فيها ولا يملكون اتصالات أو تأثير على الشارعين الإيراني والتركي. ويبقى العاملان الجغرافي والتنظيمي هما الحاسمان في تقويض مساعي التيارات الانفصالية، نظرًا لاحتفاظ تركيا من جهة وإيران من جهة أخرى بأوراق قوة تمكنهم في الحفاظ على الوضع القائم سواء في القدرة على دمج أكراد الداخل سياسيًا وتنمويًا أو في امتلاك مقومات السيطرة من خلال التحكم براوفد المياه أو بمنافذ تصدير النفط، بينما تمتلك المجموعات الكردية المسلحة أوراق قوة جغرافية قد تمكنها من الصمود لكنها لا تضمن تحقيق أي من أهدافها؛ ومنها الطبيعة الجبلية الوعرة في جبال قنديل شمال شرق العراق والاستفادة من تباينات السياسات الإقليمية دون وجود ضمانة جغرافية باستدامة الدعم السياسي والعسكري دون موافقة تركيا أو إيران.

وإجمالًا؛ سادت رؤية أمريكية عبر عنها السفير الأمريكي في أنقرة توم براك بأن منطقة الشرق الأوسط عمومًا والمشرق العربي بوجه خاص لا تمتلك أي مقومات لبناء دولة وطنية حديثة على النمط الغربي، وهي رؤية لطالما قادت لاستباحة دول المنطقة وتقسيمها في الحقبة الاستعمارية بين فرنسا وبريطانيا على أسس طائفية رغم الوعود المتكررة لشعوب المنطقة بالمساعدة في تأسيس دولة عربية كبرى مقابل إسقاط ما تبقى من الدولة العثمانية، إلا أن أبرز متغيرين في تلك الرؤية يقودان لتعارض في مصالح القوى الإقليمية، وأولهما؛ الدفع باتجاه الحفاظ قدر الإمكان على الوضع القائم خشية الدخول في دوامة تفتيت المفتت، مع إعطاء تركيا وضعًا خاصًا في التعامل مع ملفات المنطقة بحكم حضورها التاريخي فيها، وثانيهما؛ استمرار السياسة القائمة تجاه إسرائيل دون تغيير مما يعطي الأخيرة نقطة قوة تجاه أي سياسة أمريكية في المنطقة وإفشالها نظرًا لتكيف القيادة الإسرائيلية مع ضغوط واشنطن. وعلى الرغم من عدم واقعية أي مشروع للانفصال في ظل تأثير العوامل الجغرافية والظروف الجيوسياسية وحدود القدرة التنظيمية للأقليات القومية والدينية، تظل هشاشة الدولة الوطنية في المشرق العربي وتراجع الشعور بالمواطنة الكاملة التحدي الأبرز الذي يقتضي استمرار معالجة قضايا في سياق عمليات الدمج أو الانتقال الديمقراطي الشامل من خلال الاعتراف بالحقوق الثقافية والتأكيد حرية المعتقد وتوسيع المشاركة السياسية في إطار دولة المواطنة.

ضياء نوح

ضياء نوح- باحث أول بمركز رع للدراسات الاستراتيجية وهو المنسق الأكاديمي للمركز. الباحث خبير بوحدة الدراسات الاستراتيجية بقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهو حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية، وباحث ماجستير في ذات التخصص، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية، متخصص في شئون الخليج وإيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى